تم التحدیث فی: 18 May 2021 - 02:43
نحن مللنا من «الحقن التخدیریة» والحرکات البهلوانیة ولا نرید اعترافکم هذا الذی لا یقدم ولا یؤخر، وانما یکشف ان هناک من یعتقد اننا ما زلنا اغبیاء وسذج، یمکن خداعنا والضحک علینا بسهولة، فاذا کان البعض منا اغبیاء ویتمتعون بذلک، ویفتقدون الى الحد الادنى من الکرامة والوطنیة ویرضون بالصغائر فان الغالبیة الساحقة من الامة وشبابها لیسوا کذلک، والایام بیننا.
رمز الخبر: ۶۰۵۸۶
تأريخ النشر: ۲۰ ذی الحجه ۱۴۳۵ - ۱۳:۲۳ - 14October 2014

مهرجانات الفرح باعتراف البرلمان البریطانی بدولة فلسطینیة ضحک على ذقون الفلسطینیین

عبد الباری عطوان
من یتابع الضجة الاعلامیة الکبرى التی تسود المنطقة العربیة هذه الایام والمتمحورة حول اعتراف السوید بالدولة الفلسطینیة، وتصویت البرلمان البریطانی المتوقع غدا (الاثنین) للامر نفسه یعتقد ان هذه الدولة قائمة فعلا، ولا ینقصها غیر هذه الاعترافات فقط.
المسألة وبکل بساطة لا تتعدى کونها “حقنة” تخدیریة اخرى للشعب الفلسطینی والعالم الاسلامی بأسره، تذکرنا بتجارب ووعود مماثلة کثیرة جدا صفقنا لها بحرارة، وبنینا علیها آمالا عریضة، وانتهینا بخیبة امل وخدیعة الواحدة تلو الاخرى فی اطار مسلسل طویل من الاهانات والاکاذیب، ویبدو اننا سنظل نلدغ من نفس الثعبان ومن نفس الجحر طوال الوقت، وممنوع علینا ان نصرخ الما والا فنحن ارهابیون.
عندما اراد جورج بوش الاب “تخدیر” العرب قال انه سیحل القضیة الفلسطینیة بعد اخراج القوات العراقیة من الکویت، وخرجت القوات فعلا، وجرى تدمیر معظمها ذبحا بصواریخ الطائرات الامریکیة وهی منسحبة ذلیلة من الکویت فی شباط (فبرایر) عام 1991، على طریق المطلاع المؤدی الى البصرة، وفشل مؤتمر مدرید للسلام الذی عقده الرئیس بوش فی زفة دولیة وعربیة، والشی الوحید الذی اسفر عنه هو صدق نبوءة اسحق شامیر رئیس الوزراء الاسرائیلی الذی رأس وفد بلاده بأنه سیظل یتفاوض لاکثر من عشرین عاما دون ان یتنازل عن ملیمترا واحدا من الاراضی المحتلة، ودون ان یتوقف لحظة عن مواصلة الاستیطان.
حاول خلفه بیل کلینتون الشیء نفسه، وعقد مؤتمر آخر للسلام فی کامب دیفید عام الفین لیتبین لنا ان الهدف منه “تسویق” دولة فلسطینیة “مسخ” بدون سیادة وبدون القدس عاصمة لها، وعندما جاء جورج بوش الابن، واراد غزو العراق واحتلاله تعهد باقامة دولة فلسطینیة مستقلة قبل نهایة ولایته الاولى عام 2005، وبعد الانتهاء من حکم صدام حسین، وانتهت الولایة الاولى والثانیة وجرى اعدام صدام حسین ورفاقه، وتدمیر العراق وتفتیته طائفیا، وتقسیمه جغرافیا، وتحویله الى دولة فاشلة والدولة الفلسطینیة ما زالت فی رحم الغیب، بل لم تبق اراض لکی تقام علیها.
***
الآن حلت “الدولة الاسلامیة” وخطرها على الغرب وحلفائه فی المنطقة مکان صدام حسین، وخطره، ولان هذه الدولة باتت تستقطب الشباب العربی المحبط، وتحقق الانتصار تلو الانتصار وتستولی على المزید من الاراضی (آخرها عین العرب) فی سوریة والعراق رغم الضربات الجویة المکثفة، عادت امریکا وحلفاؤها الغربیون الى اسطوانة الدولة الفلسطینیة المستقلة، المشروخة مرة اخرى، وللأسف تجد من یصدقها من ابناء جلدتنا، والرئیس الفلسطینی محمود عباس والمجموعة المحیطة به على وجه الخصوص، ویعتبرون مجرد هذا الاعتراف “الرمزی” الذی لا یفرض ای التزام على الارض انتصارا کبیرا یستحق التصفیق والرقض فی میدان المنارة فی رام الله طربا له، تماما مثلما رقص بعض المخدوعین بسیاساته عندما عاد من الامم المتحدة قبل عام مزهوا بحصوله على دولة مراقب، ووعدنا بأنه سیستخدم هذا الانجاز لمطاردة مجرمی الحرب الاسرائیلیین وهو ما لم یفعله ولن یفعله، “ولو بدها تشتی لغیمت”.
الغرب یعرف جیدا نفسیة العرب والمسلمین، مثلما یعرف ان “الاشیاء الصغیرة تبث السعادة فی العقول الصغیرة”، مثلما یقول المثل الانکلیزی الشهیر، ولهذا بدأت الاعترافات تتوالى وتتسع، وبدأت معها مهرجانات الفرح فی اکثر من عاصمة عربیة، وتناسلت معها المقالات والتصریحات حول اهمیة هذا الاختراق السیاسی العظیم.
الامر وبکل بساطة هو انه مثلما نجحت حرکة المقاومة الاسلامیة “حماس″ فی ملیء “الفراغ الجهادی” الذی خلقته حرکة “فتح” بتخلیها عن المقاومة بوقوعها فی مصیدة “السلام المغشوش”، فان هناک مؤشرات على بروز ظاهرة الاسلام المتشدد فی کل من الضفة الغربیة وقطاع غزة الذی یهدد بملیء الفراغ الذی سیترتب على “اعتدال” حرکة حماس المتوقع، ومیلها نحو “الحل التفاوضی” وتسلیمها السلطة بالکامل فی قطاع غزة لتیار اوسلو بعد ان انهکها وحکمها الحصار الاسرائیلی العربی الخانق، ووجود توقعات امریکیة باستمرار الحرب ضد “الدولة الاسلامیة” و”ارهابها” لاکثر من ثلاثین عاما.
لنفترض جدلا ان خطة اعمار غزة التی تبحث فی مؤتمر القاهرة لیس لها علاقة بالخوف من “الدولة الاسلامیة” وتمددها مثلما یجادل البعض، فان السؤال الذی یطرح نفسه حول الثمن الذی تریده امریکا من الفلسطینیین وحرکة حماس على وجه التحدید مقابل هذه الاموال التی ستدفعها لاعادة الاعمار والدول الغربیة الاخرى، هل هو رأس المقاومة، هل هو نزع سلاحها، ام ماذا ترید؟ لان لا شیء تدفعه امریکا بدون مقابل، ثم لماذا لم تمثل الفصائل الفلسطینیة المقاومة فی هذا المؤتمر مثل “حماس و”الجهاد”، والجبهة الشعبیة والدیمقراطیة وغیرها، وهی الفصائل التی صمدت وانتصرت على العدوان الاسرائیلی الاخیر.
المعلومات الواردة من قطاع غزة والضفة تفید ان تنظیمی “الدولة الاسلامیة” و”جبهة النصرة” یحظیان بتأیید کبیر فی اوساط الشباب الاسلامی الفلسطینی المحبط من “فتح” و”حماس″ معا، وان خلایا تابعة للتنظیمین بدأت تتبلور وتنمو خاصة فی “الخلیل” ومحیطها فی الضفة الغربیة ومدینة رفح فی القطاع، وهذا ما یفسر حالة الهلع الغربیة الحالیة التی تتمثل فی الضغط على حکومة نتنیاهو لتخفیف الحصار والسماح لعدد اکبر من العمال من الضفة وقطاع غزة من العمل داخل ما یسمى بالخط الاخضر، وتنظیم مؤتمر دولی یشارک فیه وزراء خارجیة 30 دولة لاعادة اعمار قطاع غزة بدأ اعماله الیوم فی القاهرة برئاسة جون کیری وزیر خارجیة امریکا ورعایة الرئیس المصری عبد الفتاح السیسی.
الدول الغربیة وعلى رأسها امریکا ادرکت ان الحصار على القطاع بدأ یعطی نتائج عکسیة تماما، ولهذا جرى التحرک بسرعة لامتصاص حالة الغضب المتفاقمة الناجمة عنه، وعن العدوان الاسرائیلی الاخیر الذی ادى الى استشهاد اکثر من الفی انسان ربعهم من الاطفال، وتشرید اکثر من مئتی الف آخرین من جراء تدمیر منازلهم، من خلال ضخ بضعة ملیارات من الدولارات کرشوة لاعادة احیاء عملیة السلام واعادة السلطة الى مائدة المفاوضات بشروط اسرائیلیة بعد ان ملّ المفاوضون الفلسطینیون من “البطالة” وباتوا یحنون للقاء نظرائهم الاسرائیلیین.
الرعب من الاسلام السیاسی المتشدد هو الذی یقف وراء کل هذه التحرکات الدبلوماسیة الغربیة، ولیس براعة الرئیس محمود عباس، او الجهود العربیة الرسمیة، فالعرب نسوا فلسطین، وصمتوا على تقسیم الاقصى، مثلما صمتوا على تقسیم الحرم الابراهیمی، وتغول الاستیطان، بل وتواطأوا علنا مع العدوان الاسرائیلی الاخیر على قطاع غزة، ومن یقول غیر ذلک یخدع نفسه ویعیش فی عالم آخر غیر عالمنا.
المنطقة العربیة تقف الآن على فوهة برکان، واسرائیل باتت محاصرة بالفوضى والتطرف والدول الفاشلة او شبه الفاشلة، واحتمالات تسخین او حتى اشتعال جبهة جنوب لبنان، وجنوب غرب سوریة واردة بل ربما حتمیة، والغرب لا یهمه غیر اسرائیل وامنها الذی یحظى بالاولویة بالنسبة الیه.
للذین یهللون للاعتراف البریطانی بالدولة الفلسطینیة الوهمیة نقول ان هذا الاعتراف بلا ای قیمة حقیقیة، وان دیفید کامیرون رئیس وزراء بریطانیا الذی ادار وجهه عن ذبح الاطفال الفلسطینیین فی قطاع غزة، واعتبر هذا الذبح حق اسرائیلی شرعی فی الدفاع عن النفس، لا یمکن ان یؤید قیام الدولة الفلسطینیة عملیا، فالغرب لا یتحرک الا عندما تتهدد مصالحه، مثلما یحدث فی العراق وسوریة حالیا، وهو لیس جمعیة خیریة، ولا یعیر ای اهتمام للضعفاء الاذلاء.
عندما یحرک هؤلاء طائراتهم للتصدی للعدوان الاسرائیلی، مثلما فعلوا لحمایة الاکراد فی اربیل وعین العرب، وبادروا بقصف الدبابات الاسرائیلیة التی تزحف نحو قطاع غزة، وتقتل الابریاء العزل، وتمنع الطیران الاسرائیلی من سحق الاطفال على شاطیء مدینة غزة، فی هذه الحالة فقط، نقول ان هناک تغییرا حقیقیا بات یتبلور فی السیاسات الغربیة نحو القضیة الفلسطینیة واهلها، اما غیر ذلک فضحک على الذقون.
***
نذّکر الذین یهللون لاعتراف البرلمان البریطانی بدولة فلسطینیة بأن بریطانیة هی المسؤول الاول عن کارثة فلسطین، وان وعد بلفور الذی صدر قبل مئة عام، واکرر قبل مئة عام، اعطى الفلسطینیین الحق فی اقامة وطنهم ودولتهم على قدم المساواة مع الیهود، وان قرارات التقسیم الصادرة عن الامم المتحدة کرست هذا الحق ایضا رغم اجحافه، فماذا حدث بعد ذلک؟ الاستمرار فی دعم العدوان الاسرائیلی على الشعب الفلسطینی وبطرق اکثر شراسة، والهاء الفلسطینیین والعرب بخطوات صغیرة مثل دولة عضو مراقب، او حل الدولتین، مقابل القاء السلاح والتجاوب مع کل الشروط الاسرائیلیة.
شکرا للسوید وللبرلمان البریطانی، نحن مللنا من “الحقن التخدیریة” والحرکات البهلوانیة ولا نرید اعترافکم هذا الذی لا یقدم ولا یؤخر، وانما یکشف ان هناک من یعتقد اننا ما زلنا اغبیاء وسذج، یمکن خداعنا والضحک علینا بسهولة، فاذا کان البعض منا اغبیاء ویتمتعون بذلک، ویفتقدون الى الحد الادنى من الکرامة والوطنیة ویرضون بالصغائر فان الغالبیة الساحقة من الامة وشبابها لیسوا کذلک، والایام بیننا.

المصدر: جریدة رأی الیوم

رایکم
الاسم:
البرید الإلکتروني:
* التعلیق:
الأکثر قراءة