تم التحدیث فی: 07 May 2021 - 16:23
مجموعة نصوص وقصص وتأمّلات لفلوبیر فی ترجمة عربیّة
صدرت للأدیب الفرنسیّ الخالد، مبدع «مدام بوفاری»، مجموعته «نصوص الصّبا… قصص وتأمّلات» فی ترجمة إلى العربیة ضمن منشورات «کلمة»، أنجزتها ماری طوق، وهی مجموعة مختارة من أعماله القصصیة والحکائیة وشذراته النثریة.
رمز الخبر: ۶۱۴۷۴
تأريخ النشر: ۲۳ محرم ۱۴۳۶ - ۱۴:۱۳ - 15November 2014

رؤى فلسفیّة واجتماعیّة مهّدت لولادة الروائیّ الکبیر

صدرت للأدیب الفرنسیّ الخالد، مبدع «مدام بوفاری»، مجموعته «نصوص الصّبا… قصص وتأمّلات» فی ترجمة إلى العربیة ضمن منشورات «کلمة»، أنجزتها ماری طوق، وهی مجموعة مختارة من أعماله القصصیة والحکائیة وشذراته النثریة.


تتمحور تجربة فلوبیر الأدبیّة حول محاور ثلاثة هی التخیل التاریخی، کما فی روایتی »سالامبو» و»تجربة القدیس أنطونیوس»، والواقعیة کما فی »مدام بوفاری» والتربیة العاطفیة، والتأملات والشذرات کما فی کتاب »معجم الأفکار الجاهزة». ویمکن اعتبار نصوص الصبا على ما تؤکد مقدمة الکتاب، بمثابة المختبر الذی حاول فیه اختبار مختلف المواضیع والأفکار والرؤى التی ستتجسد فی أعماله اللاحقة، ما یظهر أهمیة هذه القصص المختارة التی تشکل المهاد الأولی لتجربته الروائیة وحضور الجانب الذاتی من شخصیة فلوبیر، لا سیما فی روایة التربیة العاطفیة وفیها حکایة حبه الأول الذی لم یستطع أن یتخلص من تأثیره.

فی تقدیمه لقصة »عطر خفی» أو »البهلوانات» تتکشف الرؤیة الفلسفیة والاجتماعیة التی یحاول تضمینها هذه القصة الرمزیة، ویدین فیها التقدم المادی للحضارة الغربیة الذی لا یرافقه تطور فکری واجتماعی مواز یجعل الحیاة أکثر اتساقاً وعدالة، وذلک من خلال الصراع بین شخصیتین تمثل الأولى القبح والثانیة الجمال ضمن مجموعة من البهلوانات. تلعب جملة الاستهلال فی هذه القصة الرمزیة دوراً أساسیاً فی وصف المکان الذی ستدور فیه حوادث القصة، بینما یتولى الراوی العلیم مهمة سرد الحکایة وتقدیم شخوصها ونقل الحوارات التی تدور بین أبطالها، إذ تتوزع الحکایة على اثنی عشر جزءاً یختمها القاص بتعلیق یکشف فیه عن دوافعه لکتابة هذه القصة، أو عن مقاصد اختیاره العنوان ورغبته فی نقد قیم المجتمع السائدة وفضح أخلاقیاته الزائفة. بعد ذلک یتوجه إلى القارئ مباشرة لشرح معنى لذة الکتابة لدیه وتجسیده الأفکار الفلسفیة، تارکا للقارئ المفترض حریة قراءة العمل.

لعل السؤال الذی یلح على ذهن القارئ لدى قراءته هذه القصة هو لماذا أراد الکاتب تأنیث الموت الذی یلقی بظلاله القویة علیه هنا وفی أعمال قصصیة أخرى عدیدة؟ الإجابة عن هذا السؤال یمکن تلمّسها لدى قراءة هذا النص الذی یمهد له بمقطعین مستمدین من أعمال أخرى، ومن خلال أنسنة الموت وجعله متکلماً فی هذا النص الموزع على سبع وعشرین شذرة مکثفة وموحیة، بغیة الکشف عن المعضلة الوجودیة والتاریخیة، التی یمثلها الموت بالنسبة إلى الإنسان وإلى الحضارات والتاریخ: «منذ الیوم الذی طرد فیه آدم وزوجته من الجنة، مذ ذاک أقف، أنا ابنة إبلیس إزاء الإمبراطوریات جمیعها، وإزاء القصور کلها وأسحقها بقدمیّ العظیمتین». فی هذه الشذرات ثمة تعالق یلحظه القارئ على مستوى الرؤیة واللغة بینها وبین مزامیر داود.

على مستوى آخر یظهر استخدام فلوبیر للحکایة فی هذه المجموعة، کما فی حکایته «الطاعون فی فلورنسا» التی یتوّجها بمقطع من روایة لألکسندر دوما. تبدأ الحکایة بالفعل الماضی المبنی للمجهول یُحکى الذی یحیل على راو مجهول، کما هی الحال عادة فی مطلع الحکایة الشفویة. ومثلما کان یوسف ضحیة کراهیة أشقائه وحسدهم، فإن الحکایة هنا تتحدث عن الغیرة والحسد بین شقیقین یقصدان عرافة لکی تتنبأ لهما بالمستقبل. وعلى غرار الحکایات الأسطوریة تتحقق نبوءة العرافة، ویقتل الشقیق شقیقه حسداً وغیرة، تبعاً لما یعبر عنه خطابه إلى شقیقه قبل قتله: «أنت لا تعرف کم یشبه الإنسان الشیطان عندما یحوّله الظلم بهیمة متوحشة. آه کم تعذبنی رؤیتک تعیش فَخُذْ». یکتشف الأب جریمة ابنه فیقوده لیرى مشهد شقیقه المسجى غارقاً فی دمه فلا یکون من شقیقه القاتل إلا أن یخرّ جثة هامدة. تعلیق الکاتب على الحکایة فی النهایة یکشف عن الأمثولة التی تحاول القصة تقدیمها لیعتبر الآخرون.

تتجاوز جرأة فلوبیر التمرد على العرف الاجتماعی وأخلاقیات المجتمع التقلیدی إلى التمرد على سلطة الکهنوت الدینی، ففی قصة «الغضب والعجز» التی یستهلها بعتبة مکانیة یصف فیها المکان الذی ستدور فیه الحوادث، وهی قریة موسین التی یتوفى طبیبها الطیب بسبب تناول أقراص الأفیون للتغلب على أوجاع أسنانه. أثناء غیبوبته یحلم الطبیب أوملان بأحلام مطعمة بشهوات الحب ومسرّاته وبعالم الشرق بجمیع عطوره وزمرده وأزهاره وقوافله التی تعبر الصحارى، وبقصور حریمه موطن الشهوات الندیة. کان «یحلم بالحب فی مقبرة، لکن الحلم امّحى وبقیت المقبرة . بعد دفنه یصحو الطبیب من غیبوبته لیجد نفسه مکبلاً داخل ظلمة تامة، فیحاول إنقاذ نفسه من دون جدوى.

تتمیز القصة ببنیتها السردیة التقلیدیة کما هی الحال فی معظم قصص المجموعة، إذ یتسم السرد بالخطیة والتعاقبیة التی تتصاعد حتى تبلغ الذروة، کاشفة عن النهایات المأسویة لصدیقه الکلب «فوکس» ولخادمته التی تنتهی منتحرة حزناً علیه. وکالعادة یعلق فلوبیر على القصة فی النهایة، کاشفا عن نزعة التمرد التی یدعو إلیها کمخرج لنا مما نحن فیه من بؤس وفساد وموت.

یلعب العنوان فی قصص الکاتب دوراً محوریاً فی تکثیف مضمون القصة أو الحکایة واختزاله، بغض النظر عن واقعیتها أو فنتازیّتها أو بنیتها الحکائیة، ما یجعل منه مفتاحاً للدخول إلى عالم هذه القصص والحکایات. لا یکتفی بعنوان واحد بل یستخدم عنواناً ثانیاً یتعلق بمضمون الحکایة أو القصة، ویحاول من خلاله تحدید طبیعتها، لیکشف عن مقاصده من هذه القصة أو الحکایة، وعن طبیعة الرؤیة التی تنطلق منها فی معالجتها لموضوعها.

إذا کانت المترجمة بدأت المجموعة بقصة طویلة فإنها فی النهایة تختار نص شذرات تظهر فیه ثنائیة العنونة التی تحدد زمن کتابتها الخریف وطبیعة النص، ویسترسل بطل القصة وسارد وقائعها فی وصف علاقته بفصل الخریف فیطغى على النص الطابع الإنشائی الذی یحاول من خلاله سرد سیرة حیاته والتعبیر عن مشاعره من دون أن تغیب صورة الموت عنها، أو تختفی تلک الرؤیة الرومانسیة عن لغتها أو عن مفهومها للحیاة وعلاقتها بالطبیعة: «تلذذت طویلا بطعم حیاتی الضائعة. قلت بفرح إن شبابی مضى. من المفرح أن تشعر بالبرد یتسرب إلى قلبک، وتظل قادراً على القول وأنت تلمسه بیدک مثل موقد لا یزال ساخناً، إنه ما عاد یلسع».

المصدر: جریدة البناء

 

الكلمات الرئيسة: غوستاف فلوبیر ، الأدب الفرنسی
رایکم
الاسم:
البرید الإلکتروني:
* التعلیق:
الأکثر قراءة