تم التحدیث فی: 07 May 2021 - 16:23
أردتُ أن أکتب تاریخی وتاریخ المرأة فی المعتقل
«النافذة ـ معتقل الخیام» عنوان الکتاب الجدید لسهى بشارة (کتبته وصاغته کوزیت ابراهیم) الذی تروی فیه سیرة السنوات العشر التی قضتها «فی الجحیم الصغیر» حیث تستعید فیه ذکریاتها لتروی سیر النساء المعتقلات.
رمز الخبر: ۶۱۳۴۸
تأريخ النشر: ۱۹ محرم ۱۴۳۶ - ۱۷:۲۷ - 11November 2014

سهى بشارة: لا أرید العودة والبقاء على الطریق

اسکندر حبش

«النافذة ـ معتقل الخیام» عنوان الکتاب الجدید لسهى بشارة (کتبته وصاغته کوزیت ابراهیم) الذی تروی فیه سیرة السنوات العشر التی قضتها «فی الجحیم الصغیر» حیث تستعید فیه ذکریاتها لتروی سیر النساء المعتقلات. کتاب عن حضور المرأة فی هذا الحیز الذی کان خارج الزمن والتاریخ. من أیام کانت بشارة حاضرة لتوقیع کتابها فی معرض الکتاب الفرانکفونی، حیث دار هذا الحوار.

] الملاحظة الأولى التی تطرأ على البال، أنه منذ أن خرجت من المعتقل وذهبت إلى سویسرا تبدو زیاراتک إلى لبنان قلیلة.
ـ (تقاطع ضاحکة) «لأن المصاری قلیلة»، وبطاقات السفر أصبحت غالیة الثمن. لو کانت أرخص لجئت بالتأکید مراراً. المسألة مادیة بحتة، لا شیء آخر..
] حسنا، کیف تبدو أمورک الیوم فی سویسرا..
ـ ما عدا الاهتمام بالعائلة والأولاد، هناک أمر محوری فی حیاتی هو الموضوع الفلسطینی، إذ أشارک أحیاناً فی إعطاء مداخلات ومحاضرات لها علاقة بشکل أو بآخر إما بالموضوع الفلسطینی من خلال حملة المقاطعة وإما بموضوع المقاومة وموضوع لبنان وموضوع المرأة. أما الشق الثانی فأنا عضو فی «collectif urgence Palestine» فی جنیف، ومنذ ثلاث سنوات أطلقنا نشاطاً أسمیناه «Palestine filmer c’est exister» وهی عبارة عن لقاءات سینمائیة ما بین المخرجین الفلسطینیین ومخرجین من دول أخرى لکن هناک دائماً موضوعة نعمل علیها، على سبیل المثال موضوع هذا العام حول «اللاجئون المتنقلون المنفیون» ویشارک فیه 18 فیلماً لمخرجین فلسطینیین، سیحضر من بینهم 6 مخرجین بالإضافة إلى ریشارد دیندو الذی أخرج فیلم «جینیه فی شاتیلا». إنها محاولة للإطلالة على القضیة الفلسطینیة من منظار آخر. لهذا السبب نختار دائماً موضوعاً محدداً وهذه المواضیع على علاقة مباشرة بفلسطین لتبیان کم أن فلسطین وحدها قادرة على أن تجمع کل قضایا العالم بقضیة النکبة.
] هل من نشاطات أخرى؟
ـ هناک نشاط اللغة العربیة، أسسنا مع مجموعة مدرسة عربیة بدعم من مدینة جنیف، ولدینا مئة طالب لغایة الآن. حیث نجد الدعم المالی من البلدیة.
] کیف هو الموقف السویسری من هذه النشاطات..
موقف إیجابی ومهم، إذ إن مدینة جنیف هی التی تدعمنا بشکل مباشر. مثلا فیما یتعلق بموضوع اللغة العربیة لسنا نحن الذین ندفع رواتب الأساتذة إذ إن الدولة هی التی تقدم ذلک عن طریقنا. کذلک الأمر بالنسبة إلى المهرجان السینمائی، إذ إن نصف الدعم یأتی من جمعیات موجودة فی جنیف والنصف الآخر من مصادر خاصة. فی أی حال تعاطی وسائل الإعلام السویسریة الیوم أفضل بکثیر مما کانت علیه حین بدأنا نشاطنا العام 2002. أضف إلى ذلک هناک الکثیر من النشاطات التی تقام مباشرة ما بین سویسرا وفلسطین. أقمنا مؤخراً معرض غزة فی جنیف، وبصراحة لولا الدعم السویسری لما کان باستطاعتنا القیام بذلک. وبعیداً عن أی قراءة سیاسیة للموقف السویسری الرسمی، لا بد أن تجد الیوم مکاناً لفلسطین هناک.
فلسطین
] إزاء کل هذا، حیث أن کل النشاطات التی تحدثت عنها تتعلق بالقضیة الفلسطینیة، أرید أن أسأل أین المقاومة، أین تاریخک الحزبی فی لبنان من کل هذه النشاطات؟
ـ بالنسبة إلى موضوع المقاومة وأحصر الموضوع «بجمول» بما أننا الیوم فی الذکرى السادسة والعشرین لهذا الاعتقال: انخراطی بجبهة المقاومة کان بهدف تحریر لبنان من الاحتلال الإسرائیلی. لم أکن أفکر على مستوى فلسطین، أی لم تکن هذه القراءة الفلسطینیة ضمن قراءاتی ولا حتى اهتماماتی فی تلک الفترة. وکان هذا التحریر بالنسبة إلیّ جزءاً من، لا کل شیء، لأن حلمی الأکبر کان بناء دولة یحس فیها المرء أنه مواطن حقیقی وأنه حین یذهب إلى المدرسة یجد تلک العلاقة بین الأستاذ والتلمیذ.. هکذا کانت بدایاتی فی اتحاد الشباب.. وحین أدخل الجامعة فلأنی طالبة لا ابنة فلان أو فلان. وهناک واجبات وحقوق أی أن هناک بلد وهناک ما یسمى عدالة اجتماعیة. وأنا أؤمن أن هذه العدالة الاجتماعیة لا تُبنى بسیاسة خصخصة البلد کما بخصخصة الناس. هذه کانت قناعاتی. حین اعتقلت وفی فترة ما بعد التحریر لم أجد نفسی أنی کنت موجودة فقط ضمن حدود معینة. بعد سفری إلى فرنسا کبر عندی هذا البُعد، إذ لم یعد الأمر معتقل الخیام فقط بل هو وکل السجون الإسرائیلیة. أثناء وجودی فی أوروبا، أعتقد أن هناک تطورا لقراءاتی الخاصة إذ اعتبر أن لیس هناک أی معنى أن أتحدث عن فلان أو فلان أو عن أحزابنا فی فرنسا وأوروبا. بدأت أعتبر أن هناک قضیة وحیدة یمکن الحدیث عنها هی القضیة الفلسطینیة لأنها المعبر. حتى أننی وصلت إلى شبه قناعة وهی أن لا أحلم ببناء دیموقراطیة طالما أن مشروع وجود دولة فلسطینیة أو حتى دویلة هو أمر مرفوض. من ضمن هذه القناعات أجد أن ذلک هو سبب لم یجعلنی أعود إلى هنا، أو لأقل سبب بقائی هناک. لا أرغب حین أعود أن أبقى فی الشارع مثلا وأشحذ، لیس لدی إمکانیة هنا لأعیش وأن یعیش أولادی. کانت هناک بعض المحاولات لأعود، لکن «ما مشی الحال».
] لماذا؟
ـ لم أجد عملا ببساطة..
] التقینا قبل 14 سنة فی باریس..
ـ صحیح، حین صدر کتابی الأول..
] الیوم وبعد هذه السنین الطویلة، تصدرین کتابا آخر: ما الذی تغیر من تلک الفترة إلى الیوم. ما الذی تغیر فیک، فی رؤیتک الأشیاء.
ـ أعتقد أن الذی تغیر هو ما أریده من البلد والعالم والمجتمع وکم هی حدودی وأین تقع. وحتى إن أردت العودة أقر متى أعود وکیف وهل عندی استعداد أم لا للعودة. فیما مضى کان موضوع عودتی إلى لبنان موضوعاً تلقائیاً، لأقل تحول إلى شعار، لکن مع مرور الوقت لم یعد کذلک بل أصبح أمراً واقعیاً، أی أنی مقتنعة بضرورة عودتی لکن وفی الوقت عینه أعتقد أننی أصبحت منطقیة وواقعیة بشکل اکبر، أی لا أرید العودة والبقاء على الطریق.
الکتابة
] سؤال کبیر یُطرح على القوة السیاسیة فی البلد، فی أی حال، ما الذی أخذک إلى الکتابة، غیر أن تسجلی تجربتک؟
ـ جاء الکتاب الأول لأننا کنّا بحاجة لوثیقة فی قلب فرنسا عن معتقل الخیام، یومها کنّا على اقتناع أنه سیتم نقل المعتقلین من هذا المعتقل إلى قلب السجون الإسرائیلیة وبالتالی کنّا بدأنا نحضر لکیفیة عدم محاولة نقل المعتقلین. أسسنا لجنة المحامین، کتبنا هذا الکتاب، الذی أتى ضمن هذا السیاق کمادة ضروریة لکی نتحدث عن هذا المکان الذی لم یکن أحد یرغب فی السماع عنه.
أما فیما یخص الکتاب الثانی، أقول إنه جاء لکی لا یکتب لی أحد عنی تاریخی الخاص على ذوقه، بل أرید أنا نفسی أن أکتبه. وحین أقول تاریخی فأقصد انه على علاقة بتاریخ المرأة داخل المعتقل. فی هذا الکتاب هناک ترکیز کبیر على دور المرأة. منذ عام 2000 کان لدی هذا الهم بأن أتحدث عن هذا الفن البدائی، هاجس أن أتحدث عن قصة القلم والورقة والإبرة والملعقة وفرشاة الأسنان وعن کلساتی الخ.. وهذه أشیاء لیست خاصة فیَّ وحدی..
] أی رغبت الخروج من تجربتک الخاصة إلى التجربة العامة..
ـ طبعاً.. من هنا کنت أجد ضرورة قصوى للتطرق إلى هذه الموضوعات. بدأت العمل على هذا الکتاب منذ فترة طویلة واستغرق وقتاً طویلا. بدایة کانت هناک ضرورة للحفظ على الأشغال الیدویة وحفظها وأرشفتها ومن ثم کتبت المادة حیث لم أعتمد فقط على ذاکرتی بل عمدت إلى التوثیق إذ أجریت مقابلات شخصیة مع کل الأسماء الواردة فی هذا الکتاب أی مع المعتقلات لکی لا أعتمد على ذاکرة ذاتیة، صحیح أنها وفق رؤیتی وعیشتی لها إلا أننا عدنا ووثقنا لکل هذه القصص التی کتبت. بالنسبة إلیّ کانت هناک ضرورة قصوى لهذا الکتاب لا بد منه. بعدها بحثت طویلا کی أجد أحداً یکتب هذا الکتاب، أن یعید صوغه..
] قلت شیئاً مهماً: أردت أن تکتبی أنت قصتک لا أن یکتبها أحد عنک وعلى ذوقه، ماذا تقصدین؟ هل هناک من یحاول أن یغیر هذه الواقعة؟
ـ طبعاً، من یرغب الیوم فی أن یوثق لتجربة معتقل الخیام فإننا نجده یوثقها من منظار مختلف کلیاً بمعنى أنه لن یقرأ التاریخ مثلما یرید هو لا کما أقرأه أنا.. فی أی حال، هذا الکتاب أعددت مادته الأولى بأکملها، وأعادت کوزیت ابراهیم کتابته وصوغه. أنا لا أجید فن الکتابة ولا یمکن أن أدّعی هذا الشیء. کان الاتفاق بینی وبینها أن لا أتدخل فی عملها لا من قریب ولا من بعید من حیث الأسلوب بل أتدخل إن کانت المعلومة التی أعطیتها إیاها خطأ.
] أنت الیوم مدعوة ککاتبة سویسریة إلى معرض الکتاب
ـ هذا شیء جمیل جداً.
] لکن ألیس هناک شیئاً غریباً أن تعودی إلى لبنان لا لأنک سهى بشارة بل لأنک کاتبة سویسریة؟ اعتقد أن ثمة کارثة فی الأمر
ـ لا أعرف إن کانت کارثة.. فی أی حال أولادی سویسریون لم یحصلوا على الجنسیة اللبنانیة. أعیش فی سویسرا من 11 سنة و10 سنوات فی معتقل الخیام والباقی فی بیروت.. أنا نسیج من هذه الجنسیات الثلاث، إذ أن معتقل الخیام جنسیة على حدة.. 

المصدر: جریدة السفیر

 

رایکم
الاسم:
البرید الإلکتروني:
* التعلیق:
الأکثر قراءة