تم التحدیث فی: 07 May 2021 - 16:23
رسائل متعددة الاتجاهات وصلت مع عملیة القدس یوم أمس.
رمز الخبر: ۶۱۶۳۵
تأريخ النشر: ۲۷ محرم ۱۴۳۶ - ۱۹:۴۰ - 19November 2014

عملیة القدس... إبداع المقاومة زماناً ومکاناً وأسلوباً

رسائل متعددة الاتجاهات وصلت مع عملیة القدس یوم أمس. الأولى إلى الاحتلال، وفیها أن کل الإجراءات القمعیة لم توقف عزم المقدسیین على الرد. وأخرى للسلطة مفادها أن القدس التی تقع خارج رهاناتها صارت تعرف کیف ترد عن نفسها الظلم، ولیس أخیراً إلى المحیط العربی الذی تاهت بوصلته
علی حیدر

لا تقتصر نتائج عملیة القدس التی جرت یوم أمس على الأبعاد الأمنیة والعسکریة، أو حتى عدد القتلى والجرحى الإسرائیلیین، بل تجاوزتها إلى ما هو أبعد من ذلک بکثیر، إذ أحدث نجاح العملیة ونتائجها صدمة فی الواقع الإسرائیلی السیاسی والاجتماعی. فأولاً کان لموقع تنفیذ العملیة وأسلوبها وتوقیتها دویّ کبیر ترک ظلاله على کل السیاسات والمعادلات التی حاول صانع القرار السیاسی والأمنی فی تل أبیب فرضها على الواقع الفلسطینی عموماً، وفی القدس خاصة.

ورغم أن عملیة القدس تأتی امتداداً لخیار شعبی فی التعبیر عن رفض الاحتلال وسیاساته، فإنها اتسمت بعدد من المزایا التی أضفت علیها أبعاداً أمنیة خاصة، فهی شکلت ضربة قاسیة للأجهزة الأمنیة الإسرائیلیة عامة، و«الشاباک» خاصة، لأنها أجهضت کل الإجراءات الوقائیة التی یفترض أن «الشاباک» أقدم علیها منذ إعدام المستوطنین الفتى الفلسطینی محمد خضیر وحرقه فی تموز الماضی، وهی فعلیاً کانت المحطة الفاصلة فی الحراک الشعبی الجاری والعملیات الفردیة الأخیرة.
 

العملیة کشفت عن تصمیم فلسطینی للدفاع عن الأرض والمقدسات، رغم تواضع الإمکانات، والطوق الإقلیمی الکبیر، کما أظهرت تقدماً فی مستوى التخطیط والدقة فی التنفیذ مع أنه جهد فردی. کل ذلک ظهر فی أصل اختیار مکان العملیة وأسلوبها وطبیعة الهدف، وهو ما أثبت قدرة المقاومة الشعبیة على مفاجأة العدو فی الوقت والتفاصیل الأخرى، ولا سیما أن هذا النوع من العملیات یتسم باللامرکزیة، فهی تقتصر على منفذ واحد أو أکثر، الأمر الذی یضیق على إسرائیل قدرتها على الکشف المسبق.
واللافت أن سیاق العملیة یرد على کل الحدیث الإسرائیلی عن «ربح المعرکة ضد الإرهاب»، وهو یؤکد أن سیاسة تدفیع الثمن التی تعتمدها حکومة بنیامین نتنیاهو لم تنجح فی ردع الشبان الفلسطینیین عن خیار المقاومة. فرغم کل الإجراءات بتدمیر المنازل واعتقال الأهل، أتت هذه العملیة. ومن أبرز ما انطوت علیه الشجاعة التی تمتع بها الشهیدان المنفذان، مع إدراکهما الثمن الذی ستدفعه العائلة، ویبدو أنه أمر ستتوقف عنده الأجهزة المتخصصة لدى العدو، وسیکون على طاولة البحث تقدیر جدوى السیاسات المتبعة، رغم أن خیارات قیادة العدو محدودة، ما یعنی أنها ستعتمد بدلاً من الخیار الفاشل المزید منه.
من هنا، یمکن القول إن عملیة أمس أسقطت الأوهام التی تراود شرائح واسعة من الإسرائیلیین وتروج لنظریة أن بالإمکان مواصلة سیاسة الاستیطان وتنفیذ الاعتداءات على المقدسات، وتحدیداً الأقصى، وفی الوقت نفسه التمتع بالأمن الشخصی المستند إلى الشعور بفائض القوة لدى إسرائیل. أیضاً ضربت العملیة نجاح فکرة السیف المصلت على فلسطینیی الداخل خاصة، وکانت تهدف تلک السیاسة إلى زرع الخوف والقلق فی نفوس الفلسطینیین من أن أی تحرک لهم سیواجه بردود قاسیة ومؤلمة.
کذلک أعادت العملیة التشدید على خطأ ما یقال فی إسرائیل حول أن الظرف الإقلیمی العربی الحالی فرصة تاریخیة للانقضاض على ما تبقى من فلسطین ومقدساتها، وفی طریقها أسقطت أهداف اجتماع «عمان الثلاثی» الذی جمع نتنیاهو وجون کیری وعبد الله الثانی، وکان یهدف إلى احتواء الحراک الفلسطینی بعدما تفاقم فی مواجهة سیاسات الاحتلال.
هی رسالة متعددة الأبعاد وصلت إلى جمهور العدو وقیاداته، وأکدت أن خیار المقاومة الذی یتبناه الشعب الفلسطینی عصیّ على الاحتواء، کما کانت رسالة إلى الشعب الفلسطینی وقیاداته، ومهرت بالدم لتقول إنه یجب تصویب البوصلة، ولیس أخیراً تذکیر المحیط العربی بأولویة مواجهة احتلال فلسطین.
على المستوى السیاسی الداخلی، أعادت عملیة القدس خلط الأوراق السیاسیة فی إسرائیل. فبعدما کانت التجاذبات الداخلیة تتمحور حول قضیتی المیزانیة وقانون القومیة الیهودیة، ووصلت إلى حد تهدید استقرار الحکومة وبقائها، أتت هذه العملیة لدفع العامل الأمنی إلى الواجهة من جدید. وبات الشعور بالقلق على الأمن الشخصی للإسرائیلیین هو الطاغی على مستوى الجمهور، والمهیمن فی الخطاب السیاسی.
على ضوء ذلک، جرى تعزیز قوات الشرطة فی المدن المحتلة ورفع درجة استنفار الشرطة إلى المستوى الثالث، کما بدأت دراسة إدخال تسهیلات على أنظمة حمل السلاح للإسرائیلیین من أجل حمایتهم من أی هجمات. وهکذا یستعید العنصر الأمنی صدارته السیاسیة والإعلامیة، لکن من البوابة الأکثر أذیة لنتنیاهو وطاقمه، لأن ما سیفاقم أزمتهم أن الیمین المتشدد سیستغل العملیة للانقضاض على نتنیاهو تحت شعار اتهامه بالتهاون وترک سیاسة العصا الغلیظة مقابل الفلسطینیین. وقد لا یکون مفاجئاً أن یلجأ قادة الأحزاب السیاسیة الإسرائیلیة إلى محاولة تحقیق المزید من المکاسب على حساب الدماء الإسرائیلیة، وهو سیناریو له سوابقه الکثیرة فی التاریخ الإسرائیلی.
من جهة أخرى، لن یفوِّت نتنیاهو هذه الفرصة لتثمیرها على المستوى السیاسی، وتحدیداً ما یتصل بعملیة التسویة مقابل الضغوط الأمیرکیة والأوروبیة التی تحاول دفعه إلى مفاوضات أو اتفاق شامل، ووفق هذا المنطق سیکثر رئیس وزراء العدو الحدیث عن أن هذه العملیة وما یشابهها، تؤکد المطلب الإسرائیلی بضرورة ترتیبات أمنیة مجدیة فی حال إقامة دولة فلسطینیة، وهو شعار یرفعه لتبریر مطلبه الاحتفاظ بقوات للجیش فی منطقة غور الأردن، إضافة إلى إجراءات و«حقوق» أمنیة أخرى. تبقى مسألة یجب تسجیلها وهی أن الإسرائیلی سیستغل أسلوب تنفیذ العملیة فی ضوء الحملة العالمیة على الإرهاب لوسم المقاومة الفلسطینیة بالإرهابیة.

المصدر: الأخبار

 

الكلمات الرئيسة: نتانیاهو ، مرکز هاراف ییشیفا
رایکم
الاسم:
البرید الإلکتروني:
* التعلیق:
الأکثر قراءة