عرض القوة والثقة بالنفس لمحور المقاومة من خلال تشييع القائد الشهيد في كربلاء والنجف

يسعى أعداء إيران والعراق منذ سنواتٍ طويلة إلى خلق شرخٍ بين الشعبين عبر شتى المؤامرات، غير أن تنظيم مراسم تشييع قائد الثورة الإسلامية في العراق، يُعدُّ بمثابة الرصاصة القاتلة لهذا السيناريو القديم؛ إذ يمثّل هذا الحدث، الذي يتجاوز كونه مجرد عزاء، رمزاً للوحدة الاستراتيجية والمصير المشترك بين البلدين.
رمز الخبر: 71059
تأريخ النشر: 03 July 2026 - 21:46 - 25September 2647

وكالة الدفاع المقدس للأنباء - إلناز رحمت نجاد: تأتي مراسم تشييع الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي (قدس سره) في العراق، بناءً على طلبٍ من الحكومة والمؤسسات الرسمية في هذا البلد، كخطوةٍ تتجاوز البعد الرمزي إلى خيارٍ دقيق ومُحسَب. وقد أثار هذا الحدث الرعب والخوف في نفوس أمريكا وإسرائيل، فهذان الكيانان الشريران يخشيان دائماً من تجمُّع قوة إيران والعراق ومن التضامن الإقليمي حول محور المقاومة.

عرض القوة والثقة بالنفس لمحور المقاومة من خلال تشييع القائد الشهيد في كربلاء والنجف

إن تشييع الشهيد آية الله السيد علي الخامنئي ليس أمراً يستحضر الماضي فحسب، بل هو دلالةٌ على مسار المستقبل. وتحمل إقامة هذا الحدث الكبير في الدولة الجارة رسائل بالغة الأهمية.

الارتباط العميق الإنساني والمذهبي

تحظى مدينتا النجف وكربلاء بمكانةٍ عظيمةٍ لدى الشيعة. فتشييع آية الله العظمى الخامنئي (قدس سره) في هاتين المدينتين يُجسِّد المكانة الدينية الرفيعة للفقيد، ويُطلق رسالةً مفادها أن دوره الديني يتجاوز إيران ليشمل العالم الشيعي بأسره.

وتحمل النجف وكربلاء في السياسة الشيعية بُعداً تاريخياً وهُوِيّاً. وتُعد مراسم تشييع قائد الثورة الإسلامية في العراق عملاً عقائدياً محضاً وإعلان بيعة ووفاء. فالشعب العراقي لا يأتي للبكاء بل لتجديد العهد. وسوف تتحول مراسم تشييع الإمام الخامنئي الشهيد في النجف وكربلاء من طقس عزائي إلى طقس حشود جماهيرية.

الوحدة والتقارب السياسي

لم يكن العراق على مدى العقدين الماضيين مجرد جارٍ للجمهورية الإسلامية الإيرانية، بل حليفاً استراتيجياً. فالدفاع عن العراق هو دفاع عن إيران، والدفاع عن بغداد هو دفاع عن طهران. ومصير البلدين مرتبطٌ بعضه ببعض، وفي الحقيقة فإن انتصار العراقيين هو انتصار للإيرانيين.

إن تشييع قائد الجمهورية الإسلامية الإيرانية الشهيد في العراق يدل على التقارب السياسي والاتحاد بين الحكومتين. وتُعبر إقامة هذه المراسم في العراق عن الاحترام والتضامن السياسي.

مخاطبة العالم الشيعي

عندما تُقام مراسم تشييع قائدٍ في دولةٍ أخرى، فهذا يعني أن هذه المراسم ليست وطنيةً فحسب، بل تأخذ طابعاً فوق وطني. وعليه، فإن الجمهور المخاطَب بمراسم تشييع الشهيد آية الله السيد علي الحسيني الخامنئي (قدس سره) في العراق هو كافة أطياف المجتمع الشيعي في المنطقة. فقد قُدِّم الإمام الخامنئي الشهيد ليس فقط كقائد لإيران، بل كوجهٍ محوريٍ لتيارٍ إقليمي، حيث أسهمت شهادته في تشكيل شبكة إقليمية أكثر تماسكاً ذات عمقٍ شعبي وأيديولوجي.

يأس الإعلام الإسرائيلي

لم تتمكّن قناة "إسرائيل الدولية" التلفزيونية الإسرائيلية، عقب زيارة السيد عباس عراقجي وزير خارجية إيران إلى العراق والتنسيقات التي جرت بشأن تشييع جثمان القائد الشهيد في العتبات المقدسة، من إخفاء هلعها من هذا الحدث الكبير.

وفي هذا الصدد، قال مهدوي آزاد، مذيع هذه القناة الصهيونية: "لماذا تسمح الحكومة العراقية بحدوث هذا الأمر؟ هل رأينا أن يُشيَّع حاكم دولةٍ ما في دولةٍ أخرى ثم يُعاد إلى بلده؟ هذا الحدث (تشييع جثمان الإمام الشهيد) يمكن أن يكون عرض قوةٍ كبيراً. هذه المرة تريد الحكومة الإيرانية أن ترسل لأمريكا وإسرائيل إشارةً بأن العراق في قبضتي. وتريد الحكومة أن ترسل لأوروبا إشارةً بأنني لا زلت راسخةً وقادرةً على حشد الأغلبية".

العلاقات الإيرانية - العراقية في سياق التحولات التاريخية والأمنية

يجب فهم العلاقات الإيرانية-العراقية في إطار تاريخي وثقافي وأمني؛ فهي علاقات أعمق بكثير من التحولات المرحلية وتغيير الحكومات. فخلال الحرب الثماني سنوات، هاجم نظام البعث العراقي إيران بدعمٍ من حوالي 80 دولة، منها أمريكا وبريطانيا والأرجنتين والبرازيل، التي زودت بغداد بشتى أنواع الأسلحة. ولكن بعد سقوط صدام، تغير التوجه السياسي للعراق، وازداد هذا التغير وضوحاً عندما هدد تنظيم "داعش" أجزاءً واسعةً من العراق.

في تلك المرحلة، دخل الشهيد الحاج قاسم سليماني وقوات المدافعين عن الحرم المقدس على الخط لمنع سقوط بغداد وحماية الأماكن المقدسة، ووقفوا إلى جانب الشعب العراقي. ومنذ ذلك الحين، دخلت علاقات البلدين مرحلةً جديدةً، مرحلةً لا تزال ثابتةً وراسخةً رغم محاولات الأعداء لإحياء عهد صدام وخلق الشرخ بين الشعبين.

وفي السنوات الأخيرة، أظهرت الوقائع الميدانية أن الشعب العراقي ينظر بإيجابيةٍ إلى إيران. ففي حرب "رمضان"، تحركت قوات المقاومة العراقية لدعم إيران، وخرج الشعب العراقي كل ليلةٍ إلى الشوارع معبِّراً عن تضامنه مع إيران. وتُظهر هذه السلوكيات أن ادعاءات العدو حول الخلاف بين الشعبين تفتقر إلى السند الشعبي.

لقد تشكلت العلاقة بين إيران والعراق منذ قرونٍ خلت؛ من خلال التردد الواسع لطلبة العلوم الدينية، والعائلات الدينية، والزائرين، والتجارة المذهبية بين النجف وكربلاء وقم والمدن الإيرانية، مروراً بإقامة العديد من كبار علماء إيران لفتراتٍ طويلة في النجف، وحضور رجال الدين العراقيين في إيران. لذلك، يُنظر إلى التطورات في إيران، بالنسبة لجزءٍ مهمٍ من النخب الدينية العراقية، ليس كموضوعٍ خارجيٍ محض، بل كقضيةٍ مرتبطةٍ بالكلية المجتمع الشيعي.

من ناحيةٍ أخرى، عانى الشيعة في العراق تجربة القمع الثقيلة في عهد صدام. وبعد عام 2003، نظرت العديد من الجماعات الشيعية في العراق إلى الجمهورية الإسلامية باعتبارها سنداً في مواجهة عودة التهديدات السابقة. فبالنسبة لجزءٍ من القادة والتيارات السياسية العراقية، فإن العلاقة مع إيران ليست مجرد تحالفٍ سياسي، بل ضرورة أمنية وهُوِيّة جذورها في التجارب التاريخية.

ومع ظهور "داعش"، برز هذا الارتباط الأمني أكثر من أي وقتٍ مضى. ففي تلك الفترة، تحركت المرجعية في النجف والقوات الشيعية المختلفة في العراق في إطار الدفاع عن المجتمع والمقدسات. ولم يكن التعاون مع إيران بالنسبة لهم من زاوية أيديولوجية محضة، بل من منظور بقاء الدولة. وقد عززت هذه التجربة المشتركة الإحساس بـ"المصير الأمني الواحد" بين الشعبين.

على مدى السنوات الماضية، حاول الأعداء إحداث الخلاف بين إيران والعراق، ومنع البلدين من الاستفادة من إمكانياتهما الواسعة. لكن الوقائع الميدانية، والروابط التاريخية، والتجارب الأمنية المشتركة، تُظهر أن شعبي إيران والعراق متلازمان، إخوة، ويقفون في صفٍ واحد.

استقرار بغداد هو أمن طهران

اليوم، يقف شعبي إيران والعراق في صفٍ واحد، واستقرار كلٍ منهما مرهون بالعلاقة الحسنة مع الآخر. فبالنسبة لطهران، يُعد استقرار العراق وعدم تحوله إلى قاعدة للمؤامرات الأمنية من واشنطن أو تل أبيب، خطاً أحمر مطلقاً؛ ولهذا السبب، سيبقى تطوير العلاقات مع العراق في صدارة أولويات طهران.

لا شك أن البعد الأكثر حيوية في السياسة الخارجية العراقية هو تنظيم العلاقة مع الجارة القوية في الشرق، أي الجمهورية الإسلامية الإيرانية. فارتباطات طهران وبغداد مرتبطة بروابط تاريخية ودينية وجغرافية وأمنية عميقة، لا يمكن لأي حكومة في العراق، مهما كان توجهها السياسي، أن تتجاهلها أو تنكرها.

انتهى/

تعليقك
captcha
الأكثر مشاهدة
احدث الاخبار
الأکثر تعلیقاً