تم التحدیث فی: 02 December 2020 - 13:09
نبذة عن حیاة القائد البطل، الشهید شمران/3
"إن إیمانی بالثورة هو الذی دفعنی لاتخاذ خطوة على هذا الطریق مما عرضنی دائماً للخطر والموت، غیر أننی لم أکن لأخشى الموت مع إیمانی بالهدف وتحریر فلسطین؛ ففتحت ذراعیّ لاستقبال شتى المخاطر، على أننی لم أعد أؤمن الیوم بهؤلاء الثوار، ولم أعد راضیاً ولا مقتنعاً، فلقد فقدوا شخصیتهم الثوریة، ولا أعتقد أنهم یهدفون إلى تحریر فلسطین.
رمز الخبر: ۶۰۵۲۴
تأريخ النشر: ۱۷ ذی الحجه ۱۴۳۵ - ۱۵:۰۶ - 11October 2014

ماذا یقول الشهید شمران عن الحرب الإهلیة اللبنانیة؟

الهجرة إلى لبنان

غادر الشهید شمران مصر إلى أمریکا لفترة وجیزة بهدف الإعداد لهجرته الکبرى إلى لبنان. وطبقاً لدعوة من سماحة الإمام القائد السید  موسى الصدر، فإنه وصل إلى لبنان أواخر سنة 1349 وانضم إلى حرکة المحرومین بطلب من سماحة الإمام القائد السید موسى الصدر. 

ونقرأ فی صفة مخطوطة من مذکراته: 

"لقد کنت أحیا حیاة رغدة فی أمریکا، وکنت أملک شتى الإمکانات، ولکنی طلقت اللذائذ ثلاثاً وذهبت إلى جنوب لبنان حتى أعیش بین المحرومین والمستضعفین وأتذوق فقرهم وحرمانهم وافتح قلبی لاستقبال آلام وهموم هؤلاء البؤساء. لقد أردت أن أظل دائماً فی مواجهة خطر الموت تحت القنابل الإسرائیلیة، جاعلاً لذتی الوحیدة فی البکاء وأنا أبث السماء أهاتی الحارقة فی سکون اللیل وظلمته، وحیث إننی عاجز عن مد ید العون لهؤلاء المظلومین المسحوقین فیمکن أن أواسیهم بالحیاة بینهم کما یعیشون فاتحاً أبواب قلبی لاستقبال حزنهم وشقائهم. لقد أردت ألاّ أحشر فی هذه الحیاة الدنیا مع زمرة أولی النعمة والجائرین وألاّ أتنفس من أجوائهم وألاّ أقرب لذائذهم وألاّ أبیعهم علمی وفکری فی مقابل حفنة من المال ولحظة من لذة الحیاة". 

ولأن الشهید القائد جاء إلى لبنان بنیة إقامة قواعد للجهاد، فإنه توجه منذ اللحظة الأولى إلى أقصى نقطة فی الجنوب  إلى قاعدة الإمام القائد السید موسى الصدر  مدینة "صور" وأخذ على عاتقه إدارة المدرسة الصناعیة فی مؤسسة جبل عامل ــ البرج الشمالی على بعد خمسة کیلومترات من "صور" بجوار المخیمات الفلسطینیة. وکان الیتامى من أبناء الشیعة اللبنانیین یدرسون فی هذه المدرسة، وهم الذین صاروا فیما بعد الکوادر الأصلیة للخط الأول فی المقاومة الشیعیة ضد الکیان الصهیونی. 

وفی المدرسة الصناعیة لجبل عامل کان التلامیذ یدرسون العلوم ویتعرفون تکنولوجیا العصر ویتدربون فی الورشات المختلفة التی بناها الشهید شمران بنفسه، کما یؤدون فیها بعض الأعمال لسد حاجتهم المالیة، مما کان سبباً فی نمو تجربتهم العلمیة. وکان هؤلاء الشباب هم الذین قاوموا ببسالة الاجتیاح الإسرائیلی لجنوب لبنان، ولاشک أن اسم هذه المدرسة وهؤلاء الشباب قد بات محفوراً على صفحات تاریخ الکفاح فی لبنان کنموذج بارز للشجاعة والتضحیة والإیمان. 

ولأن هذه المدرسة کانت تقع بجوار المخیمات الفلسطینیة مع وجود الأهداف المشترکة والشعور بالصداقة الحمیمة من جانب الدکتور جمران، فإنها قدّمت خدمات جلیلة لهذه المخیمات لدرجة أن منظمة الأمم المتحدة بعثت برسالة تقدیر خاصة للدکتور الشهید. 

وفی لبنان کان سماحة القائد الإمام موسى الصدر قد بدا نشاطاته الثقافیة والاجتماعیة الواسعة منذ سنوات بغیة إحقاق حقوق الشیعة المحرومین فی لبنان وإعادة العزة والکرامة إلیهم، حیث کانوا یخجلون فی إظهار تشیعهم ویتقمصون شخصیة أخرى بطرق ووسائل مختلفة من قبیل الزواج من غیر الشیعة أو محاولة الحصول على بطاقة للعضویة فی أحد الأحزاب الیساریة. وکان وجود شاب مثقف ومناضل وواعٍ ومنظم وجذاب کالدکتور شمران بجانب سماحة القائد الإمام موسى الصدر فی مثل هذه الظروف من شأنه أن یؤدی دوراً مفعماً بالأمل والشجاعة والحرکة على هذا الطریق الوعر الملیء بالعقبات. 

 
ولادة أفواج المقاومة

کان الشیعة اللبنانیون یشکلون أکثر من ثلث مجموع السکان فی لبنان، ولکن أحداً لم یکن یعیرهم اهتماماً آنذاک، وکانوا محرومین من أغلب الامتیازات القومیة. إذ أن من یمثلهم ( من الإقطاع السیاسی ) کان نقمة للطائفة ،ومن المعلوم أن لبنان بلد تسکنه قومیات مختلفة تعتنق مذاهب متعددة ولها ثقافات متباینة، فهناک المسلمون (شیعة وسنة) وهناک المسیحیون (مارونیین وأرثوذکس وأرامنة وسواهم) وهنالک أیضاً الدروز.. وما عدا ذلک. وکانت کافة هذه القومیات فی تلک الفترة لدیها تشکیلات ومؤسسات سیاسیة ودینیة مستقلة ماعدا الشیعة، وهنا أتت مطالبة الإمام القائد بإنشاء مجلس إسلامی شیعی أعلى للطائفة ، إلى أن خضع الحکام فی لبنان لمطلب الإمام القائد بعد نضال متواصل فی هذا المجال، فبرز إلى الوجود لأول وهلة "المجلس الشیعی الأعلى فی لبنان" برئاسة القائد الإمام السید موسى الصدر .
وکان الشیعة هم الوحیدین فی لبنان الذین یعیشون بید عزلاء، فلم یکن باستطاعتهم الدفاع عن حقوقهم المستلبة، وذلک فی وقت کان العدو الصهیونی قد رکز کل هجماته على المناطق المحرومة فی الجنوب بشکل عام. وعلى هذا فقد تأسست "حرکة أمل" المبارکة المنبثقة عن "حرکة المحرومین" التی کانت حرکة شعبیة مدافعة عن "المجلس الشیعی الأعلى". وکان الدکتور شمران من المؤسسین مع سماحة القائد المغیب . 

یقول الدکتور شمران موضحاً بدایة نشاطاته حتى تشکیل حرکة أمل: 

"کانت توجد مدرسة باسم مدرسة جبل عامل الصناعیة فی جنوب لبنان، وکانت تسمى أیضاً بالمدرسة المهنیة، وقد أصبحت مدیراً لهذه المدرسة الواقعة بجوار أحد المخیمات الفلسطینینة، وهو أکبر هذه المخیمات فی جنوب لبنان... کما أسسنا أیضاً اتحادات إسلامیة فی لبنان على غرار الاتحادات الإسلامیة الموجودة فی أمریکا وأوربا. وکان الشباب الشیعة فی لبنان من أفضل الشبان، حیث عملت معهم على المحور الایدیولوجی لمدة عامین، وهو النشاط الذی تفتق عن تأسیس "حرکة المحرومین" فیما بعد. أی أن هؤلاء الشباب کانوا هم العمود الفقری لحرکة المحرومین الکبرى. وقد نظمت حرکة المحرومین عدة تظاهرات واسعة، ومنها تظاهرات بعلبک التی شارک فیها خمسة وسبعون ألف شاب مسلح، وکذلک تظاهرات مدینة صور التی شارک فیها مائة وخمسون ألف مسلح، وأقسم فیها الشیعة اللبنانیون على مواصلة طریق الجهاد من أجل إحقاق حقوقهم المسلوبة حتى آخر قطرة من دمائهم. وهذا هو أحد نماذج النشاط السیاسی لحرکة المحرومین. وعندما تفجر الصراع فی لبنان، وامتلأت الساحة بالمسلمین من شتى الاتجاهات، ولم یکن بوسع أیة طائفة سوى التسلح حفاظاً على البقاء، فإن حرکة المحرومین أقدمت على تشکیل حرکة عسکریة باسم "أمل" التی کانت فی الواقع هی الفرع العسکری لحرکة المحرومین. وکنّا قد انتقینا أعضاء حرکة أمل من بین أفضل الأشخاص کفاءة وتدیناً من المتخرجین فی دورة إعداد الکوادر. واستطیع أن أقول حقاً بان شباب حرکة أمل هم الذین تعرف معظمهم الإسلام الصحیح وانطلقوا فی جهادهم على هذا الأساس". 

 
بدء الصراعات الداخلیة

ولم یکد یمضی سوى أربعة أعوام على بدء الدکتور شمران لنشاطاته حتى اشتعل فتیل الصراع والحروب الداخلیة فی لبنان. 

وفی الحقیقة فإن هذه الحروب کانت هی التی مهدت الطریق أمام (العدو الصهیونی) لاجتیاح لبنان، وکانت هی التی أضافت المزید من الحرمان والفقر لأوضاع الشیعة؛ کما کانت هی التی حرکت الحرب الطائفیة، وأوقعت الصدامات بین الشیعة والعناصر الیساریة المأجورة للعراق أو للمنظمات اللبنانیة والفلسطینیة العمیلة من جهة أخرى. ولقد ازدادت الأمور سوءًا فیما بعد، حیث اسفرت هذه المأساة عن خلافات وانشقاقات فی الصف الوطنی اللبنانی المناوئ للعدو وحرف أنظار الوطنیین عن الفتنة والاعتداءات الإسرائیلیة، ولهذا فإن النهضة والانتفاضة المقاومة فی لبنان اللبنانیة ضد العدوان قد تحولت على الأثر إلى حرکة شعبیة بدون أدنى أثر للدور المؤثر والفعال للتنظیمات السیاسیة والعسکریة السابقة.

وکان رفض الإمام القائد السید موسى الصدر لهذه الصراعات والحروب الداخلیة ینبع من التأکید على أن البندقیة یجب أن تتوجه إلى صدر العدو الصهیونی ، وهذا ما کان یؤمن به الشهید شمران ، وهذا ما أکده الأخ الرئیس الحاج نبیه بری غلا أن الظروف التی جعلت من الحرکة طرفاً للصراع کان أمراً مفروضاً وکان بمثابة کأس مر تجرعته الحرکة وأرغمت على الدخول فی هذه السجالات .

 حیث یقول الشهید شمران فی کتابه (لبنان): 

"إن إیمانی بالثورة هو الذی دفعنی لاتخاذ خطوة على هذا الطریق مما عرضنی دائماً للخطر والموت، غیر أننی لم أکن لأخشى الموت مع إیمانی بالهدف وتحریر فلسطین؛ ففتحت ذراعیّ لاستقبال شتى المخاطر، على أننی لم أعد أؤمن الیوم بهؤلاء الثوار، ولم أعد راضیاً ولا مقتنعاً، فلقد فقدوا شخصیتهم الثوریة، ولا أعتقد أنهم یهدفون إلى تحریر فلسطین. 

وکلما حاولت إرضاء نفسی وإقناع قلبی بأن المقاومة الفلسطینیة هی تلک الشعلة المقدسة التی ینبغی الحفاظ علیها من أجل تحریر البشر والسهر على بقائها بالقلب والنفس والروح، فإننی لا أستطیع ذلک، وللأسف، أو على الأقل أجدنی أخدع نفسی وأهیم فی خیالات الثورة المعسولة وأتمنى أن أتجرع کأس الشهادة الأوفى". وهاهو یشتکی إلى الله قائلاً: 

"یا إلهی، إننا نتحمل کل هذا الظلم والعسف والتهاجم والتهم بصدر رحب وفی سبیلک ومن أجل تحقیق الهدف المقدس وهو تحریر فلسطین، ولسوف نظل بجانب الفلسطینیین رغم کل ذلک دون أن ندخر جهداً فی بذل شتى ألوان التضحیة على طریق تحریر فلسطین". 

ولقد عملت أیادی التفرقة الصهیونیة من جهة وخیانة العملاء المارونیین والفلسطینیین من جهة أخرى على إیجاد جو قاتل وباعث على القنوط لدرجة أن الشهید جمران یصور ذهاب آماله مع الریح فی بعض کتاباته، فیقول: 

"یا إلهی، لقد شددت الرحال إلى هذه البلاد تحدونی الطموحات الکبرى؛ تلک الطموحات النقیة والمقدسة والإلهیة التی لا یشوبها شیء من حب النفس أو الاندفاع. 

لقد کنت أرجو أن أبذل نفسی فی سبیل الثورة الفلسطینیة کوثیقة على تحریر فلسطین. 

وکنت آمل أن أحج إلى القدس سیراً على الأقدام وأسجد هناک لله تعالى شکراً على لطفه ورحمته. 

وکنت أحلم أن أجاهد فی سبیل الحق والعدل وأن أکون خلاًّ وعوناً للمحرومین والبؤساء والمساکین. 

وکنت أرجو… 

کنت أرجو أن أکون شمعة تحترق من أعلاها إلى أسفلها حتى أدفع الظلمة إلى الانقشاع ولا أدع مجالاً للکفر والجهل والظلم للسیطرة على الوجود… 

وأما الآن، فقد تخلیت عن الآمال، واستسلمت للقضاء والقدر بقلب مصدوع یائس. 

أخطو نحو الموت فقیراً بائساً بعد أن أدرکت بأننی أیضاً لم أکن أفضل ولا أرفع منهم خلال کل هذا التاریخ المشحون بالآلام". 

وتعتبر بعض حکایات کتاب "لبنان" التی عایشها الشهید شمران بنفسه على قدر من الألم والشجاعة بحیث تصلح کل منها لإنتاج فیلم رائع ومؤثر حول الشهامة والشجاعة والحرمان والمظلومیة التی تمیز الشیعة اللبنانیین. 

ومن ذلک قصة (النبعة) والحصار الذی فرضه علیها الکتائب لعدة أشهر، وذکریات الشهید جمران حول تلک المنطقة ومسجدها وقاعدتها لإعداد الکوادر ومستشفاها، وکذلک قصة شارع أسعد الأسعد فی منطقة الشیاح وإقدامه على إنقاذ طفل وأمه فی براثن الموت، وأیضاً ملحمة بنت جبیل. 

 
اختفاء الإمام القائد السید موسى الصدر

فی یوم  31  أب 1978م وقعت حادثة اختطاف الإمام القائد السید موسى الصدر الذی کان بمثابة قاعدة محکمة وضمانة قویة للبنان والمنطقة؛ وکان ذلک على أعتاب انتصار الثورة الإسلامیة  فی إیران،  وفی تلک الأیام کان الشهید شمران یحترق بنار الحسرة والألم على اختفاء الإمام القائد السید موسى الصدر من ناحیة، ومن ناحیة أخرى فانه کان هائماً فی حب انتصار الثورة الإسلامیة . وکان هذا الاحتراق والشوق اللذان تتجلى فیهما العاطفة والشعور بالمسؤولیة یمثل کل منهما أملاً غالیاً بالنسبة له؛ فبینما کان یبذل المساعی لتقصی حقیقة اختفاء الإمام القائد السید موسى الصدر، کان فی نفس الوقت متأهباً للقیام بدوره کقائد حرکی  فی انتصار الثورة الإسلامیة؛ فقد قام هو ومجموعة کبیرة من مجاهدی الحرکة بالمزید من التحریات حول اختفاء الإمام القائد السید موسى الصدر ثم ما لبثوا أن أوقفوا الإمام الخمینی (قده) على نتیجة هذه المساعی، کما بعث به الإمام عدة مرات عندما کان مقیماً فی نوفل لوشاتو کممثل له إلى لیبیا من أجل تقصی لأمور، ولکن بلا جدوى للأسف. 

لقد کان دائماً ما یوجه الأنظار قدر استطاعته إلى مظلومیة المحرومین فی لبنان، وینادی بعظم المسؤولیة الإسلامیة والوطنیة تجاه قضیة الإمام القائد السید موسى الصدر. ولهذا فإنه نظم عدداً من الاضرابات العامة والتظاهرات الواسعة فی لبنان بهذا الصدد، کما نظمت مسیرة کبرى من بیروت إلى دمشق بقیادة سماحة المفتی الجعفری الممتاز العلامة المجاهد الشیخ عبد الأمیر قبلان والشهید القائد شمران  لدى اجتماع عدد من قادة ورؤساء الدول الإسلامیة فی سوریا. ألاّ أن کافة هذه المحاولات والتحدیات لم تسفر عن نتیجة واضحة، ومازال مصیر هذا الزعیم الإسلامی مجهولاً. 

المصدر: موقع حرکة أمل 

رایکم
الاسم:
البرید الإلکتروني:
* التعلیق:
الأکثر قراءة