تم التحدیث فی: 07 June 2020 - 07:10
تتصرّف الدبلوماسیّة الفرنسیّة وکذلک الدبلوماسیّة الترکیّة فی هذه الأیام بکثیر من الهیستیریا التی لا یمکن إخفاءها.
رمز الخبر: ۶۱۲۴۳
تأريخ النشر: ۱۶ محرم ۱۴۳۶ - ۱۶:۰۸ - 08November 2014

سقوط الإرهاب سقوط الدبلوماسیة الفرنسیة ـ الترکیة

د. فیصل المقداد\ نائب وزیر الخارجیّة السوریّة

 

تتصرّف الدبلوماسیّة الفرنسیّة وکذلک الدبلوماسیّة الترکیّة فی هذه الأیام بکثیر من الهیستیریا التی لا یمکن إخفاءها. کیف لا، والفشل الصارخ هو العنوان الرئیسی لکل ما قام به هولاند وأردوغان من محاولات وما بذلاه من جهود لتنفیذ مخططاتهما ضد سوریة الصامدة فی وجه الإرهاب والعدوان والضغوط. 

إنّ ما یسعى إلیه البلدان، فرنّسا وترکیّا، طبعاً عبر حکومات ناصبتا العداء لبعضهما طیلة سنوات لیست بالقلیلة، یفضح جوهر مواقف البلدین التی سقطت فی هوّة سحیقة من الممارسات اللا أخلاقیّة والاتجار بالقیم التی آمن بها الشعب الفرنّسی فی الحریّة والمساواة والأخوّة منذ عام 1789 على ید حکومات بدأتْ بمخالفة هذه القیم فی فرنّسا منذ حوالى عشر سنوات، وتلک القیم التی رسّخها الشعب الترکی منذ انتهاء الحرب العالمیّة الأولى خالفتها وخانتها حکومات حزب العدالة والتنمیة فی شکل صارخ ویتناقض مع تطور العلاقات بین الشعبین السوری والترکی.

 

ومما یدل على النفاق المتأصل فی السیاستین والسیاسیین الأتراک والفرنسیین هو أنه بالأمس، ولیس بعیداً من الآن، کانتْ فرنسا تقود الحملة لمنع دخول ترکیّا إلى عضویة الاتحاد الأوروبی وتتهم ترکیا بارتکاب المجازر ضد الشعب الأرمنی وتُطالب ترکیا بدفع ثمن ممارساتها. وتجتمع الجمعیّة الوطنیّة الفرنسیّة لتتخذ قرارات، تدعمها الحکومة الفرنسیّة، تُدین جرائم ترکیّا وتطالبها بالاعتذار ودفع التعویضات. ووصل الحد بالسیاسة الفرنسیّة إلى القول إنَّ الشعب الترکی لیس جزءاً من الحضارة الأوروبیّة ببعدیها الدینی والاجتماعی. أمّا رد الحکومة الترکیّة على ذلک فلم یکن أقل عنفاً وغضباً وکل من عایش الفعل الفرنّسی ورد الفعل الترکی ما زال یذکر تفاقم الموقف والحملات الإعلامیّة العنیفة المتبادلة.

 

لم یخرج البلدان حتّى الآن من العاصفة التی هزّتْ العلاقة بینهما بدلیل أنّنا لم نسمع بمواقف تدل على حدوث تغییر تجاه المسائل التی أدّتْ إلى ذلک. وهذا یقودنا إلى استنتاج منطقی وهو أن العامل الذی تغیر هو ارتداد البلدین إلى موقف انتهازی ومغرق فی النفاق والحقد الأسود یتصل فی شکل مباشر بموقف رئیسی البلدین إزاء الحرب الإرهابیّة التی تدعمها وتقودها کلٍ من فرنسا وترکیا على سوریة.

 

لا یمکن للسوریین، الذین وحدتهم حرب الإرهاب علیهم، إلاَّ أن یسجّلوا للتاریخ أنَّ الإرهابیین الذین دعمهم النظام الترکی انطلاقاً من أبعاد إیدیولوجیة دینیّة وعرقیّة وطائفیّة، إنما انطلق بدعم وتسلیح وتمویل وإیواء ترکی. ویکذّب أردوغان وتابعه أحمد داود أوغلو عندما یدّعیان أنَّهما قدّما النصائح للقیادة السوریّة حول ضرورة إجراء إصلاحات سیاسیّة واجتماعیّة کی تتجاوز الصعوبات التی افترضا وجودها قبل عام 2011، لأنَّهما کانا عملیّاً یقدّمان النصح لتسلیم سوریة للمتطرّفین من الإخوان المسلمین وغیرهم من الإرهابیین. وما یدل على صحّة ما نذهب إلیه هو أنَّ سوریة واجهتْ الإخوان المسلمین فی منتصف السبعینات وبدایة الثمانینات من القرن الماضی.

وقد شهدتْ سوریة آنذاک النوع ذاته من الإرهاب والقتل والاغتیالات والدمار، إلاَّ أنَّ ترکیّا فی شکل خاص، لم تستقبل آنذاک لاجئاً سوریّاً واحداً على حد معرفتنا، وذلک لأنَّ الحکومات الترکیّة فی ذلک الوقت لم تکن تتدخّل فی الشؤون الداخلیّة لسوریة أو غیرها من دول الجوار، ولأنَّ الحکومات الترکیّة آنذاک لم تدعم الإخوان المسلمین، ولأنَّ الحکومات الترکیّة آنذاک لم تقم ببناء خیمة واحدة قبل بدء الأزمة السوریّة لاستقبال هؤلاء المجرمین وضحایاهم من اللاجئین الأبریاء. أمّا حکومة أردوغان فهی التی تواطأتْ مع الاستخبارات الأمیرکیّة والإسرائیلیّة لتصنیع ما یقوم البعض بتسمیته الآن «الربیع العربی»، لإیصال الإخوان المسلمین ومن یقف معهم إلى کراسی السلطة فی الدول العربیّة تمهیداً لإقامة خلافة أردوغان العثمانیّة.

 

أمّا السیاسة الفرنسیّة التی تلهث لإیجاد موطئ قدم استعماری لها فی الوطن العربی وخارجه ولو کان ذلک من خلال التحالف مع أنظمة تتناقض مع مبادئ ادعتْ فرنّسا السیاسیّة إقناع العالم بها وهی احترام القانون الدولی وحقوق الإنسان ومبادئ الدیمقراطیّة والحکم الرشید ومیثاق الأمم المتحدة، فإنّها انفضحتْ من خلال فقدان البوصلة والتورّط فی الفساد وشراء الانتخابات بأموال الدول الخلیجیّة والمتمولین فی قطر ولیبیا وأشخاص ودول أخرى معروفة.

ولم یستحِ الساسة الفرنّسیون من تسلیح أنظمة ما زالتْ تعیش فی القرون الوسطى ولا تنتمی بأنظمتها السیاسیّة إلى عصرنا، ولا تسمح للمرأة بقیادة السیارة، وأصبح هدف کل الساسة الفرنسیّین توقیع صفقات أسلحة تفوح منها رائحة الفساد فی الجیوب الفرنسیّة والسعودیّة. وفی الوقت الذی یطالب الشعب الفرنّسی بمزید من الأمن فی شوارعه ومحطات قطاراته، فإنّنا نرى رئیس الجمهوریّة الفرنسیّة ووزیر خارجیته یعمّقان من تحالفهما الخسیس مع الدول التی تدعم الإرهاب فی سوریة، بل إنّهما تعززان علاقاتهما المباشرة مع المجموعات الإرهابیّة المسلّحة التی تقتل السوریین.

ولم یعد هذا المسار السیاسی الفرنسی خفیّاً على من یرید متابعة التحرّک الذی تقوم به الرئاسة الفرنسیّة ودبلوماسیتها، التی تتخبّط فی سیاسة تتسم بالتضلیل المنهجی على حساب المبادئ. وقد قام کتّاب فرنسیون مثل مالبرونو وبیشون بتعریة الکثیر من ممارسات السلطة الفرنسیّة ضد سوریة فی کتابیهما اللذین نُشرا مؤخّراً.

 

فجأة تحط طائرة أردوغان فی باریس ویجری الرئیسان الفاشلان محادثات یعلنان إثرها من دون خجل أنّهما متفقان فی مواقفهما ضد سوریة، وأنّه یحق لترکیّا انتهاک السیادة السوریّة وإعلان مناطق عازلة ومناطق حظر طیران. ویقوم هولاند، وبلده کما نذکر عضو دائم فی مجلس الأمن، بدعم الرئیس الترکی الذی یؤکّد أنَّه لیس لترکیّا مشکلة مع «داعش» وأنَّها بسبب ذلک قامت بالسماح لإرهابیی «داعش» بالعبور إلى سوریة من خلال الأراضی الترکیّة، وتواطؤ ترکیّا مع «داعش» من خلال منعها أهلنا السوریین الذین لجأوا إلیها للعودة إلى أرضهم لمقاتلة «داعش». ویتفق هولاند وأردوغان، من جدید على أنَّ المهمّة الأساسیّة لیستْ محاربة إرهابیی «داعش»، بل الاستمرار فی محاربة الدولة السوریّة وتفتیتها. هذا ما تسعى إلیه ترکیّا، وهو نفسه ما سعتْ إلیه فرنّسا طیلة السنوات الأربع الماضیة من خلال سیاسات متهورة لا شیء فیها من السیاسة وغیر مسؤولة، سیاسة غادرة تعتمد فی تنفیذها على متطرّفین ومتشددین وتکفیریین، تسمیهم، للتعتیم على حقیقة طبیعتهم الإرهابیّة، بالمعتدلین، وتقدّم لهم الأسلحة والمعداتْ الخطیرة وغیر الخطیرة. وتتصرّف فرنّسا فی هذا المجال وکأنّها لیستْ بلداً دائم العضویة فی مجلس الأمن وأنّها لم تسمع إطلاقاً بقراری مجلس الأمن 2170 و2178.

 

إلاَّ أنَّه لا یمکن لهولاند وأردوغان حجب نور الشمس. فلقد قام فابیوس بفضح حقیقة ما تداوله هذان فی اجتماعهما فی باریس وکَتَبَ بتاریخ الثالث من تشرین الثانی مقاله سیء الذکر الذی تباکى فیه على حلب حیث دعا عملیّاً إلى إنقاذ الإرهابیین الذین دمّروا حلب وأحرقوها من القبضة التی یعمل الجیش العربی السوری إحکامها على حلب لدحر الإرهابیین وإنقاذ أهلنا الشرفاء فی حلب من مخالب الإرهاب.

 

لقد أُصیبَ أردوغان وهولاند بالهیستیریا والدوار إزاء اقتراب سقوط إرهابییهم فی حلب وانفضاح الدور الذی قام به هؤلاء من جرائم أدّتْ إلى دخول الإرهابیین إلى المدینة التی یعمل الجیش العربی السوری على إخراجهم منها. إنَّ الادعاء الکاذب حول محبّة هؤلاء لحلب ودموع التماسیح التی یذرفونها لیست على حلب، بل على إرهابییهم الذین یطاردهم أهل حلب وجیشهم الباسل، الجیش العربی السوری، لتحریر حلب من دنسهم.

 

ومرّة أخرى، إنَّ من قتلَ حلب وحرقها ویحاول تدمیر معالمها هم إرهابیو هولاند وأردوغان، وأنَّ حلب وسکانها الأبطال هم الذین دافعوا عن مدینتهم فی وجه الإرهاب وهم الذین لم یقبلوا إلاَّ بجیشهم الوطنی. وعندما أجبرتهم العصابات الإرهابیّة على مغادرة بیوتهم غادروها بمئات الآلاف إلى المناطق التی قام بتأمینها والحفاظ علیها الجیش العربی السوری، ونتحدّى أن یثبت فابیوس ورئیسه عکس ذلک. وللحقیقة والتاریخ نؤکّد أنَّ الجیش العربی السوری لم یبادر إطلاقاً إلى مهاجمة قرى ومدن الوطن، بل إنَّ إرهابیی هولاند وأردوغان هم الذین کانوا یبدأون الهجوم، وبعد ذلک یبادر جیش سوریة للدفاع عن مواطنیه وأرضه لیبعد القتل وسفک الدماء عنهم، ولیس کما فعل انکشاریو أردوغان وقتلة هولاند وفابیوس وسارکوزی.

 

إنَّ من یرید استمرار سیطرة «داعش» وأخواتها على مدینة حلب، إنما یقف مع الإرهاب والقتلة وقطّاع الطرق، وهذا هو الموقع الذی اختاره النظام الترکی وحلفاؤه الفرنسیّون. أمّا الجیش العربی السوری فهو حامی الوطن والمحافظ على وحدة شعبه وأرضه. ومن یرید إنهاء إرهاب داعش واستبدادها بأهلنا الحلبیین فإنَّه لا یوجد أمامه إلاًّ خیار واحد وحید فقط هو دعم الجیش العربی السوری الذی سینتصر فی حلب ولاحقاً فی الرقّة وعین العرب وإدلب وحمص وحماة ودیر الزور والقنیطرة ودرعا وباقی أنحاء سوریة. 

المصدر: صحیفة البناء

رایکم
الاسم:
البرید الإلکتروني:
* التعلیق: