إعادة صياغة قواعد غرب آسيا في عهد القيادة الثالثة

ان الضربات التي استهدفت القواعد العسكرية الأميركية وبعض المواقع المرتبطة بالكيان الإسرائيلي لم تكن مجرد ردّ عسكري تقليدي، بل يمكن قراءتها ضمن مفهوم “الردع المركّب”، فإيران لم تسعَ إلى حرب شاملة، لكنها أرادت أن تثبت أن تكلفة استهدافها ستكون مرتفعة.
رمز الخبر: ۷۰۴۷۶
تأريخ النشر: ۲ ربیع الثانی -۶۴۱ - ۱۳:۳۲ - 10March 2026

وكالة الدفاع المقدس للأنباء - رسول حسين أبو السبح، الكاتب والباحث العراقي: تمرّ الجمهورية الإسلامية الإيرانية اليوم بمرحلة مختلفة تماماً عمّا كانت عليه في الأيام الأولى بعد الصدمة الكبرى، التي استهدفت الإمام الخامنئي رضوان الله تعالى عليه، فالمشهد الذي بدأ بالحزن الثقيل تحوّل سريعاً إلى لحظة تاريخية أعادت تعريف موقع إيران في معادلة الردع الإقليمي، لقد شهد العالم ردّاً عسكرياً واسع النطاق استهدف قواعد ومقرات للولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي في جميع الدول القريبة، في عملية وُصفت في كثير من التحليلات بأنها من أكثر عمليات الردّ جرأة وتعقيداً في تاريخ الصراع في الشرق الأوسط.

بعد استهداف القيادة… إيران تردّ وتعيد كتابة قواعد الاشتباك

غير أنّ السؤال الذي يفرض نفسه الآن لم يعد هل ستردّ إيران؟

بل أصبح ماذا بعد هذا الردّ؟ وكيف ستدير طهران مرحلة ما بعد الضربة؟

من يقرأ التجربة الجمهورية الإسلامية الايرانية، خلال العقود الأربعة الماضية يدرك أن إيران لا تتعامل مع الصراع بمنطق اللحظة فقط، بل بمنطق المسار الطويل، فالردّ العسكري، مهما كان حجمه، ليس سوى حلقة في استراتيجية أوسع تهدف إلى إعادة صياغة قواعد الاشتباك في المنطقة، وهذا ما بدا واضحاً في الضربات التي طالت مواقع عسكرية أميركية وإسرائيلية، والتي حملت رسائل متعددة، أولها أن إيران ما زالت تمتلك القدرة على ضرب خصومها في أكثر النقاط حساسية، وثانيها أن الردع الإيراني لم يتآكل رغم الضغوط والعقوبات.

لكن الحدث الأبرز الذي رافق هذه المرحلة لم يكن عسكرياً فقط، بل سياسياً أيضاً، فإعلان تسمية المرشد الجديد السيد مجتبى خامنئي، شكّل لحظة انتقال داخل بنية النظام الإيراني، وأعاد ترتيب المشهد القيادي في طهران، هذه الخطوة لم تكن مجرد إجراء دستوري أو إداري، بل رسالة داخلية وخارجية في آن واحد، مفادها أن النظام السياسي الإيراني يمتلك القدرة على الاستمرار والاستقرار حتى في لحظات الصدمة الكبرى.

مرحلة ما بعد الردّ من الانتقام إلى إعادة التوازن

ان الضربات التي استهدفت القواعد العسكرية الأميركية وبعض المواقع المرتبطة بالكيان الإسرائيلي لم تكن مجرد ردّ عسكري تقليدي، بل يمكن قراءتها ضمن مفهوم “الردع المركّب”، فإيران لم تسعَ إلى حرب شاملة، لكنها أرادت أن تثبت أن تكلفة استهدافها ستكون مرتفعة.

والقصف المستمر الذي يستهدف مواقع في الكيان الإسرائيلي يندرج في السياق نفسه، فهو ليس مجرد ردّ تكتيكي، بل محاولة لإبقاء الضغط العسكري والسياسي قائماً، دون الوصول إلى مستوى الحرب الإقليمية المفتوحة، هذا الأسلوب ينسجم مع ما يمكن تسميته بـ"إدارة التصعيد"، حيث يتم الحفاظ على مستوى توتر مرتفع بما يكفي لفرض معادلات جديدة، دون تجاوز الخطوط التي قد تدفع المنطقة إلى انفجار شامل.

الولايات المتحدة، من جهتها تجد نفسها أمام معادلة معقدة جداً لم تكن تتوقعها، فهي لا تستطيع تجاهل الضربات التي طالت قواعدها العسكرية، لكنها في الوقت نفسه تدرك أن الردّ الواسع قد يقود إلى مواجهة مباشرة مع إيران، وهو سيناريو يحمل مخاطر استراتيجية كبيرة على مصالحها في المنطقة.

الخليج بين القلق والحياد الحذر

في هذه المرحلة، تراقب دول الخليج التطورات بقلق واضح، فالتصعيد بين إيران من جهة، والولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي من جهة أخرى، يجعل المنطقة بأكملها في دائرة الخطر ويشكل ضغط إقليمي كبير جداً.

الدول الخليجية تدرك أن أي توسع في دائرة المواجهة قد يضع منشآتها النفطية والاقتصادية في مرمى الصراع، ولذلك فإن الخيار الأكثر ترجيحاً بالنسبة لها هو الحفاظ على موقع الحياد الحذر، مع العمل في الوقت نفسه على تعزيز دفاعاتها الأمنية التي أثبتت فشلها.

تجربة الهجمات التي طالت بعض المنشآت في الخليج قبل أظهرت مدى هشاشة أمنها، وأكدت أن أي اضطراب في هذه المنطقة يمكن أن ينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي، لذلك فإن دول الخليج ستسعى في المرحلة المقبلة إلى تجنب التحول إلى ساحة مواجهة مباشرة بين القوى الكبرى.

سلاح الطاقة وقلق الأسواق العالمية

التصعيد العسكري في الخليج ينعكس بشكل مباشر على أسواق الطاقة العالمية، فكلما ارتفع مستوى التوتر في هذه المنطقة، ارتفعت المخاوف من اضطراب الإمدادات النفطية، في هذا السياق، تبرز الصين باعتبارها لاعباً محورياً في المعادلة، فبكين، بوصفها أكبر مستورد للطاقة في العالم، تملك مصلحة استراتيجية في استقرار المنطقة، لكنها في الوقت ذاته تدرك أن ارتفاع أسعار النفط قد يمنحها ورقة ضغط إضافية في علاقاتها مع الغرب.

لذلك قد تلعب الصين دور الوسيط غير المعلن في المرحلة المقبلة، محاولةً احتواء التصعيد دون الانحياز العلني لأي طرف ونحن نعلم عن العلاقة المعقدة التي تربطها مع الجانب الأمريكي.

السيناريوهات المحتملة للأيام القادمة

بعد الضربة الإيرانية الواسعة، يمكن تصور عدة سيناريوهات لمسار الأحداث في المرحلة المقبلة.

السيناريو الأول يتمثل في استمرار التصعيد المحدود، حيث تستمر الضربات، دون الوصول إلى مواجهة شاملة، هذا السيناريو يسمح لكل طرف بإظهار قوته دون المخاطرة بحرب واسعة، وفي هذه الحالة أثبتت الجمهورية الإسلامية مدى قدرتها وقوتها في الوقت نفسه.

السيناريو الثاني هو الانتقال إلى مرحلة الردع المستقر، حيث يدرك الطرف الآخر أن تكلفة التصعيد أصبحت مرتفعة للغاية، ما يدفعهم إلى العودة إلى قواعد اشتباك غير معلنة تحافظ على التوازن القائم.

أما السيناريو الثالث، وهو الأقل احتمالاً لكنه الأكثر خطورة، فيتمثل في توسع المواجهة لتشمل جبهات إضافية في المنطقة، ما قد يقود إلى حرب إقليمية واسعة يصعب التحكم بمسارها.

إيران بعد الضربة إعادة تعريف الدور الإقليمي

ما حدث في الأيام الأخيرة لم يكن مجرد جولة جديدة في الصراع، بل لحظة مفصلية قد تعيد تشكيل ميزان القوى في الشرق الأوسط، فقد أثبتت إيران أنها قادرة على الردّ العسكري المباشر، وفي الوقت نفسه قادرة على إدارة مرحلة ما بعد الردّ بعقلانية سياسية.

تسمية المرشد الجديد، واستمرار العمليات العسكرية المحدودة، والتحركات الدبلوماسية غير المعلنة، كلها مؤشرات على أن طهران تسعى إلى تثبيت معادلة جديدة في المنطقة.

هذه المعادلة تقوم على فكرة بسيطة لكنها عميقة، أن إيران ليست دولة يمكن استهدافها دون أن يكون لذلك ثمن استراتيجي كبير.

من الردّ إلى إعادة التموضع

المرحلة الحالية ليست نهاية الصراع، بل بداية مرحلة جديدة منه، فإيران بعد ردّها العسكري الكبير لم تعد في موقع الدفاع فقط، بل في موقع إعادة صياغة قواعد اللعبة الإقليمية.

التحدي الحقيقي أمام القيادة الإيرانية الجديدة يتمثل في القدرة على تحويل هذا الزخم العسكري والسياسي إلى مكاسب استراتيجية طويلة الأمد، فالقوة لا تقاس فقط بقدرة الدولة على توجيه الضربات، بل بقدرتها على التحكم بمسار الأحداث بعد تلك الضربات.

وفي عالم يموج بالصراعات والتحالفات المتغيرة، قد يكون التحدي الأكبر هو الحفاظ على التوازن بين الردع والقوة من جهة، وبين الاستقرار الإقليمي من جهة أخرى.

عند هذه النقطة تحديداً، يتحول الردّ من فعل انتقامي إلى لحظة إعادة تموضع تاريخية، لا لإيران وحدها، بل للمنطقة بأسرها.

انتهى/

رایکم
الأکثر قراءة
احدث الاخبار