وكالة الدفاع المقدس للأنباء - "رسول حسين أبو السبح" الكاتب والباحث العراقي: لم تكن الضربة الأميركية الإسرائيلية التي استهدفت القيادة العليا في إيران مجرد عملية عسكرية عابرة، بل كانت محاولة لإحداث صدمة استراتيجية داخل النظام الإيراني، تقوم على فرضية قديمة في التفكير العسكري الغربي، أن القضاء على رأس القيادة سيؤدي تلقائياً إلى انهيار الدولة أو شللها السياسي والعسكري.

غير أن ما حدث في الساعات التي تلت تلك الضربات كشف عن حقيقة مختلفة تماماً، فبدلاً من الانهيار السريع الذي توقعته واشنطن وتل أبيب، دخلت المنطقة مرحلة جديدة من الصراع، عنوانها الرد الإيراني المنظم وتوسيع نطاق المواجهة.
هذا التحول دفع عدداً من الباحثين الغربيين إلى إعادة النظر في نتائج العملية العسكرية، ومن بينهم أستاذ العلوم السياسية الأميركي روبرت بابي الذي أشار إلى أن الحرب قد تتحول في النهاية إلى عبء استراتيجي على الولايات المتحدة وإسرائيل أكثر مما هي على إيران.
وهم الضربة القاضية
تعتمد الاستراتيجية العسكرية الأميركية في كثير من الأحيان على فكرة “الضربة القاضية السريعة”، وهي فكرة ظهرت بوضوح منذ حروب القوة الجوية في القرن العشرين، وتقوم هذه النظرية على أن التفوق الجوي والضربات الدقيقة يمكن أن ينهيا الحرب قبل أن تبدأ فعلياً.
لكن التجارب التاريخية أثبتت أن هذه الفرضية ليست دائماً صحيحة، فالولايات المتحدة لم تخسر معركة عسكرية حاسمة في حرب فيتنام، ومع ذلك انتهت الحرب بانسحابها، وكذلك في كوسوفو عام 1999، لم تؤدِ الضربات الجوية وحدها إلى تحقيق الأهداف السياسية بسرعة كما كان متوقعاً.
اليوم يبدو أن إيران تحاول الاستفادة من هذه الدروس التاريخية عبر تحويل الحرب من مواجهة عسكرية مباشرة إلى صراع سياسي واستراتيجي طويل الأمد.
استراتيجية توسيع الصراع
بدلاً من الاقتصار على الرد المباشر على إسرائيل، سعت طهران إلى توسيع نطاق الأزمة جغرافياً وسياسياً، فقد امتدت تداعيات الرد الإيراني إلى منطقة الخليج بأكملها، وهذا ماشكل ضغظ رهيب غير محسوب، حيث ارتفعت حالة التأهب في القواعد العسكرية الأميركية، واضطربت حركة الملاحة الجوية والبحرية، وبدأت الأسواق العالمية للطاقة تتأثر مباشرة بتطورات النزاع.
هذا النوع من الردود يندرج ضمن ما يسميه بعض الباحثين “التصعيد الأفقي”، أي نقل الصراع من ساحة ضيقة إلى فضاء إقليمي أوسع، بحيث تصبح الحرب مكلفة لجميع الأطراف المرتبطة بها، وليس فقط للخصم المباشر.
وبهذه الطريقة لا تسعى الدولة الأقل جاهزية عسكرياً إلى هزيمة خصمها في معركة تقليدية، بل إلى إعادة صياغة معادلة الكلفة والربح بحيث يصبح استمرار الحرب عبئاً سياسياً واقتصادياً على الطرف الأجهز و الأكثر تقدما.
معركة السمعة والنفوذ
أحد الأهداف المركزية للرد الإيراني كان توجيه رسالة واضحة إلى المنطقة، أن الحرب لن تبقى محصورة داخل الحدود الإيرانية، فالدول التي تستضيف قواعد عسكرية أجنبية ستجد نفسها تلقائياً ضمن دائرة المخاطر.
هذه الرسالة لا تتعلق بالجانب العسكري فقط، بل تحمل بعداً سياسياً عميقاً، فتعطّل المطارات، واضطراب أسواق الطاقة، وارتفاع تكاليف التأمين على الشحن في الخليج، كلها عوامل تضرب صورة الاستقرار الاقتصادي التي تقوم عليها اقتصادات المنطقة.
ومن هنا يمكن فهم أن المعركة لم تعد مجرد تبادل صواريخ، بل تحولت إلى معركة نفوذ وسرديات سياسية حول شكل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط.
عنصر الزمن
تعتمد الاستراتيجية الإيرانية أيضاً على عامل الوقت، فكلما طال أمد الصراع زادت احتمالات ظهور الانقسامات السياسية داخل المعسكر المقابل، سواء في الولايات المتحدة أو بين الحلفاء الأوروبيين أو حتى داخل دول المنطقة نفسها.
فالحروب الطويلة تستهلك الموارد وتضغط على الاقتصاد، وتخلق جدلاً داخلياً حول جدوى استمرارها، ومع ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب الأسواق العالمية، تصبح الحرب قضية سياسية داخلية في العواصم الغربية، وليس مجرد عملية عسكرية بعيدة.
معادلة الصمود
ماتكشفه هذه التطورات هو أن إيران لا تسعى إلى انتصار عسكري تقليدي على الولايات المتحدة أو إسرائيل، وهو أمر تدرك طهران صعوبته في ميزان القوة التقليدية بسبب التقدم التكنولوجي الغربي. بل إن هدفها الأهم هو إثبات القدرة على الصمود وتحويل الصراع إلى معركة استنزاف استراتيجية ونجحت بذلك بالفعل.
كما وفي مثل هذه المعارك لا يكون السؤال، من يملك القوة الأكبر؟ بل من يستطيع تحمل الحرب لمدة أطول؟.
ومن هنا يمكن القول إن الضربة التي كان يُراد لها أن تكون بداية انهيار النظام الإيراني قد تتحول إلى عامل يعزز تماسكه الداخلي ويمنحه فرصة لإعادة تعريف موقعه في المعادلة الإقليمية.
إن ما يجري اليوم في المنطقة ليس مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل اختبار عميق لمعادلات القوة في الشرق الأوسط، فإذا نجحت إيران في تحويل الحرب إلى صراع طويل متعدد الجبهات، فإنها تكون قد نجحت في نقل المعركة من ميدان التفوق العسكري إلى ميدان الصبر الاستراتيجي والسياسة الدولية.
وفي هذه الساحة تحديداً، لا تحسم النتائج بالصواريخ فقط، بل بقدرة الدول على إدارة الزمن والضغط والشرعية السياسية، وهذا ما يميز طيران في ظل القيادة الإلهية المباركة.
انتهى/