كيف تنهزم «الجيوش الباهظة الثمن» بواسطة المُسيّرات الرخيصة؟
وكالة الدفاع المقدس للأنباء - محمد زرجيني: تلعب الطائرات بدون طيار (المُسيّرات) دوراً مؤثراً في الحروب المعاصرة، وهو دور مهم لدرجة أنه قد يؤدي إلى تغيير المعادلات في الحرب بين دولتين. وبناءً عليه، تؤدي المُسيّرات في حروب اليوم دوراً مؤثراً، إذ تنظّم الهجمات للدولة المستهدفة بتكلفة أقل بكثير مما تُنفقه الطائرات المقاتلة.

فعلى سبيل المثال، جعلت الحروب في أوكرانيا ومنطقة غرب آسيا المُسيّرات عنواناً بارزاً في الأخبار. أصبح مصطلح «مُسيّرة» يغطي الآن كل شيء، بدءاً من معدات الكاميرات الترفيهية الموجودة على أمازون، وصولاً إلى أنظمة «بريداتور» و«ريبر» التي اعتمدت عليها الولايات المتحدة على مدى العشرين عاماً الماضية لمكافحة المنظمات الإرهابية.
لقد اجتازت المُسيّرات تنوعاً سريعاً في الأجناس؛ فهناك المُسيّرة الانتحارية، والمُسيّرة متوسطة الارتفاع طويلة التحمل، والمُسيّرة المرتفعة الارتفاع طويلة التحمل، والمُسيّرة القتالية التعاونية – تشترك هذه في سلالة وعلامة واحدة، لكنها تتباين كثيراً من حيث التكلفة والمدى والاستخدام. وهذا التنوع ليس أكثر أهمية منه في فئة المُسيّرات الانتحارية (أحادية الاتجاه)؛ كما أن الأنظمة التي لم تُصمم للعودة إلى القاعدة كالطائرات، بل تطير مباشرة نحو الهدف وتدمّره، كالقذيفة أو الصاروخ، بات لها تأثير أكبر في حروب اليوم. فقد أطلق كل من روسيا وأوكرانيا منذ عام 2022 أعداداً لا تُحصى من هذا النموذج من المُسيّرات باتجاه بعضهما البعض. كما أطلقت إيران في عام 2026، رداً على العدوان غير القانوني الذي شنته أمريكا والكيان الصهيوني على بلادنا، آلاف المُسيّرات على القواعد العسكرية والمصالح الأمريكية والصهيونية في المنطقة.
المُسيّرات الانتحارية: سلاح عسكري ذو استخدام في الحرب النفسية
لعبت المُسيّرات الانتحارية الدور الأبرز في الحرب بين روسيا وأوكرانيا وفي الشرق الأوسط اليوم. الفئة الأولى من المُسيّرات الانتحارية تمتلك مدى أطول ويمكنها قطع مئات بل آلاف الأميال لضرب أعماق أراضي العدو. تكلفة صنعها زهيدة جداً؛ فمثلاً، المُسيّرة الانتحارية الإيرانية «شاهد-136» يصل مداها حسب التقارير إلى 2000 كيلومتر، وتتراوح تكلفة إنتاج كل واحدة منها بين 20 و50 ألف دولار أمريكي؛ وهذا بالتأكيد أرخص وأكثر جدوى وكفاءة مقارنة بالصاروخ المجنح الأمريكي «توماهوك» الذي تبلغ تكلفته حوالي 2 مليون دولار.
بعد أن كشفت إيران عن هذه التكنولوجيا في عام 2022، بنت روسيا بعد ذلك بوقت قصير نسختها المحلية باستخدام تكنولوجيا «شاهد» وسَمَّتها «غيران-2»، ومنذ ذلك الحين تستخدم هذه المُسيّرات لقصف المدن والبنية التحتية للطاقة في أوكرانيا. وفي الآونة الأخيرة، حذت الولايات المتحدة حذو روسيا وهندست عكسياً نسخة مشابهة للمُسيّرة الإيرانية «شاهد» وأطلقت عليها اسم «لوكاس»، والتي تم تشغيلها منذ اقدامها المعتدي على إيران بعملية عسكرية باسم «الغضب الملحمي» (Operation Epic Fury) في 28 فبراير 2026.
منذ أواخر فبراير 2026، أطلقت طهران آلاف المُسيّرات الانتحارية على مواقف ومصالح أمريكا والكيان الصهيوني في المنطقة. أصابت المُسيّرات الانتحارية الإيرانية مباني في البحرين والكويت والإمارات العربية المتحدة، ووفقاً لبعض المصادر الإخبارية، ألحقت أضراراً بالسفارة الأمريكية في السعودية. وحدها الإمارات تعرضت لنحو 70 مُسيّرة إيرانية في الأيام الأولى للحرب؛ كما تسببت المُسيّرات الانتحارية الإيرانية بمقتل عدد من قوات الجيش الأمريكي الإرهابي والمعتدي وتدمير أنظمة رادارية حيوية لهذا البلد الحربي.
مُسيّرات FPV؛ الورقة الرابحة في حروب الجيل الجديد
لقد زاد الإنتاج التجاري، والتوجيه الدقيق، والتطورات في الذكاء الاصطناعي والاستقلالية، من قدرة الجيوش والميليشيات على توجيه ضربات دقيقة لأعدائهم. ويشمل ذلك مُسيّرات المنظور الأول (FPV)؛ «إف بي في» هي نوع من المُسيّرات الانتحارية بواجهات تشبه ألعاب الفيديو، تستخدمها حالياً مجموعات موالية لإيران لاستهداف القوات الأمريكية في المنطقة.
أحد أكثر أنواع المُسيّرات الانتحارية قصيرة المدى شيوعاً هو مُسيّر FPV، الذي يُصنع أحياناً بتكلفة بضع مئات من الدولارات من قطع تجارية يتم شراؤها عبر الإنترنت. في أوكرانيا، يقوم مشغلون يتمتعون بمهارات ملحوظة بتوجيه مُسيّرات FPV مباشرة إلى داخل المركبات والتحصينات والقوات الروسية، وهذه المُسيّرات مزودة بواجهات تحكم للمشغلين عن بُعد.
مُسيّرات FPV ليست سحراً؛ بل يتطلب تشغيلها وصلة بيانات مستمرة بين المشغل والمُسيّرة، مما يجعلها عرضة للتشويش الإلكتروني الذي يمكنه تعطيل الإشارات اللاسلكية. وللتغلب على هذا الضعف، تستخدم الكثير من مُسيّرات FPV الأوكرانية الآن خطوط اتصال مادية على شكل كابلات ألياف بصرية لتجنب التشويش، لكن الكابلات يمكن أن تنقطع، مما يحد من مدى هذه الأنظمة. يبلغ مدى مُسيّرات FPV المزودة بكابل ألياف بصرية حوالي 20 كيلومتراً (12 ميلاً)، ويتطلب استخدامها الفعال مشغلين ماهرين.
يقول مايكل سي. هورويتز، أستاذ العلوم السياسية في جامعة بنسلفانيا، في هذا الصدد: «بالإضافة إلى أوكرانيا التي تستخدم على نطاق واسع مُسيّرات FPV، فإن القوات الإيرانية يمكنها أيضاً استخدام المُسيّرات الانتحارية بطريقة مماثلة ضد القوافل الأمريكية أو الأفراد أو الطائرات المتوقفة بطرق يصعب الدفاع عنها».
وتقول لورين كان، محللة أولى في مركز الأمن والتكنولوجيا الناشئة بجامعة جورجتاون: «كما استخدم أعداء أمريكا مثل داعش والقاعدة مقاطع فيديو الهجمات لإرهاب الرأي العام الأمريكي، فإن إيران ستحتمل استخدام مقاطع فيديو ضربات FPV من منظور المشغل للهجوم، والتي يسهل تعديلها وتحميلها، لمحاولة تشكيل المواقف الأمريكية». ففي مارس 2026 على سبيل المثال، استخدمت ميليشيا (جهادية) مدعومة من إيران مُسيّرات FPV لضرب مروحية بلاك هوك متوقفة وتدمير رادار دفاع جوي في مجمع قاعدة «فيكتوريا» قرب بغداد؛ ثم نشر المهاجمون مقطع فيديو من منظور المُسيّرة كدعاية.
أعادت المُسيّرات الانتحارية قصيرة المدى تعريف خطوط المواجهة، وغيرت المُسيّرات بعيدة المدى معنى القتال على مسافات استراتيجية. إن سجل ساحة المعركة الإيراني، وآلاف المُسيّرات التي أطلقت، واستنزاف الدفاعات الجوية في عدة دول مستهدفة، ومقتل قوات أمريكية، يظهر ما يمكن أن يحققه جيش متوسط المستوى باستخدام استراتيجية «المُسيّرات السرب الدقيقة». أي جيش يفشل في الاستثمار في هذه القدرات، وفي القدرة على الدفاع ضدها، يعرض نفسه للخطر، وقد يشمل ذلك جيشاً قوياً كالجيش الأمريكي أيضاً.
انتهى/
