حزب الله يكشف عن جيل جديد من الحروب غير المتماثلة / 10 آلاف طائرة انتحارية "إف بي في" جاهزة للإطلاق

ما يجري اليوم في شمال الأراضي المحتلة هو أكثر من مجرد معركة تقليدية، إنه حرب استنزاف، منخفضة التكلفة، وقائمة على التكنولوجيات الحديثة؛ حرب يشكل الطيران الانتحاري "إف بي في" والعمليات الفدائية والهجمات المحدودة لكن المستمرة محورها الرئيسي.
رمز الخبر: 70870
تأريخ النشر: 21 May 2026 - 11:05 - 12August 2647

وكالة الدفاع المقدس للأنباء - أميرعلي شعباني: بعد مرور أكثر من شهر على اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان والكيان الصهيوني، الذي تم بوساطة مباشرة من إدارة الرئيس دونالد ترامب بعد أسابيع من الاشتباكات العنيفة على الجبهة الشمالية لفلسطين المحتلة، ورغم أن هذا الاتفاق أدى إلى تراجع القصف المتبادل الواسع ووقف الهجوم المباشر على المدن الرئيسية للطرفين بما فيها بيروت وتل أبيب، إلا أن الواقع الميداني يؤكد أن المعركة في جنوب لبنان لم تتوقف ولم تدخل مرحلة من الاستقرار الدائم.

حزب الله يكشف عن جيل جديد من الحروب غير المتماثلة / 10 آلاف طائرة انتحارية

عملياً، تغير شكل الحرب. ما يجري اليوم في شمال الأراضي المحتلة هو حرب استنزاف، منخفضة التكلفة وقائمة على التكنولوجيات الحديثة، أكثر منها معركة تقليدية، حرب يشكل الطيران الانتحاري "إف بي في" والعمليات الفدائية والهجمات المحدودة والمستمرة محورها الأساسي.

عودة حزب الله إلى عقيدة حرب العصابات

تشير التطورات في الأشهر الأخيرة إلى أن حزب الله عاد بعد تجربة "الحرب الهجينة" المكلفة إلى نمطه التقليدي، أي حرب العصابات. ففي السنوات الماضية، حاول حزب الله، إضافة إلى الحفاظ على قدراته غير المتماثلة، أن يتحول إلى قوة شبه عسكرية تقليدية ذات هيكل قيادي موسع وشبكات اتصال معقدة ووحدات متخصصة.

لكن الحرب الأخيرة أظهرت أن هذه الهياكل المركزية شديدة الضعف أمام التفوق المعلوماتي والجوي والطائرات بدون طيار للكيان الصهيوني. فقد أدى اغتيال القادة الميدانيين والضربات الدقيقة على مراكز القيادة والعمليات الاستخباراتية المعقدة إلى إلحاق خسائر فادحة بحزب الله، ودفعته نحو إعادة تعريف استراتيجيته العسكرية.

الآن، تشير المؤشرات الميدانية إلى أن حزب الله يتبع ثلاثة محاور رئيسية في استراتيجيته الجديدة:

1. الاستخدام المكثف للطائرات الانتحارية "إف بي في" المزودة بألياف بصرية.

2. العودة إلى عمليات الكمائن والوحدات الصغيرة المستقلة.

3. التركيز على حرب الاستنزاف بدلاً من المعارك الواسعة التقليدية.

في الواقع، يحاول حزب الله الآن، بدلاً من الدخول في حرب مكلفة وشاملة، أن يضغط ضغطاً أمنياً ونفسياً مستمراً على الجبهة الشمالية لفلسطين المحتلة.

طائرات "إف بي في" الانتحارية... التحدي الجديد للجيش الإسرائيلي

أهم أسلحة حزب الله في هذه المرحلة من المعركة هي الطائرات الانتحارية "إف بي في"؛ طائرات صغيرة، رخيصة الثمن ودقيقة جداً، والتي أصبحت، خاصة في نسخها المزودة بالألياف البصرية، واحدة من أكثر التهديدات تعقيداً可能ة للجيش الإسرائيلي.

طائرات "إف بي في" صُنعت في ورش ومصانع تابعة لوزارة الدفاع في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وقد تم تسليم طراز الألياف البصرية منها إلى حزب الله اللبناني بعشرات الآلاف. بالإضافة إلى طائرات "إف بي في"، فإن نظام التحكم والألياف البصرية لهذه الطائرات هو أيضاً إيراني وصُنع في ورش ومصانع وزارة الدفاع.

خلافاً للطائرات بدون طيار التقليدية التي تُوجه عبر موجات الراديو، يتم التحكم بطائرات الألياف البصرية عبر كابل رفيع جداً يحافظ على الاتصال بين المشغل والطائرة حتى لحظة الاصطدام. وهذا ما يجعل أنظمة الحرب الإلكترونية والتشويش محدودة التأثير في عملها.

أشارت وسائل إعلام عبرية في الأسابيع الأخيرة مراراً إلى صعوبة التصدي لهذه الطائرات. بل إن بعض التقارير تحدثت عن تعطيل جزء من الأنشطة العملياتية والهندسية للجيش الإسرائيلي في المناطق الشمالية، أو عن محاولات المستوطنين الصهاينة جمع شباك الصيد من المدن الساحلية لمواجهة هذه الطائرات؛ مما يدل على أن تهديد "إف بي في" ليس مجرد تهديد تكتيكي محدود، بل يتحول تدريجياً إلى تحدٍ استراتيجي.

نسبة غير متماثلة بين التكلفة والضرر

من أهم خصائص طائرة "إف بي في" انخفاض نسبة تكلفة إنتاجها إلى حجم الضرر الذي تحدثه. فالطائرات التي تكلفة تصنيعها زهيدة جداً مقارنة بالمعدات العسكرية التقليدية، يمكنها استهداف أنظمة ومعدات قيمتها ملايين الدولارات.

في الأشهر الماضية، نُشرت تقارير متعددة عن استهداف دبابات ميركافا، ومعدات هندسية، وأنظمة اتصالات، وبعض البنى التحتية الحساسة للجيش الإسرائيلي. كما تحدثت مصادر عن تدمير أنظمة اتصالات باهظة الثمن في المناطق الحدودية؛ وهي معدات يستغرق استبدالها وقتاً طويلاً ويكلف الكثير.

كما أثر تهديد طائرات "إف بي في" على نشاط الشركات الهندسية المتحالفة مع الكيان الصهيوني، والتي كانت مهمتها تدمير القرى الحدودية اللبنانية. فقد أدى القلق من الهجمات الدقيقة بالطائرات المسيرة إلى تراجع جزء من الأنشطة الهندسية ونقل المعدات الثقيلة، بما فيها الجرافة القتالية "دي 9"، في بعض المناطق.

جغرافية إسرائيل المحدودة والهشاشة المتزايدة

خلافاً للجبهات الواسعة مثل حرب روسيا وأوكرانيا، فإن الجغرافية المحدودة لفلسطين المحتلة تجعل الهجمات بالطائرات المسيرة ذات تأثير عملي ونفسي أكبر. إن تركيز البنى التحتية، ومحدودية العمق الجغرافي، وقرب المراكز الحساسة من خطوط الاشتباك، كلها تزيد من هشاشة إسرائيل أمام هجمات واسعة بطائرات "إف بي في".

ولهذا السبب، حتى عدد محدود من هذه الطائرات يمكن أن يسبب اضطرابات ملحوظة في المجالات العملياتية والنقل والأمنية. وإذا توسعت هذه الهجمات، فإن الضغط النفسي الناجم عن انعدام الأمن المستمر على الجبهة الشمالية قد يتحول إلى أحد التحديات الكبرى أمام تل أبيب.

تغيير استراتيجية إسرائيل: من الاحتواء إلى تغيير الجغرافيا

في المقابل، غيّر الكيان الصهيوني استراتيجيته أيضاً خلال الأشهر الأخيرة. فإذا كان الهدف في السابق هو احتواء التهديدات الحدودية، فإن هناك الآن مؤشرات على محاولة إحداث تغييرات دائمة في جغرافيا جنوب لبنان.

إن إنشاء منطقة عازلة، والتدمير الواسع للبنى التحتية، وتقييد عودة السكان إلى بعض المناطق الحدودية، كلها جزء من هذه الاستراتيجية الجديدة؛ الاستراتيجية التي يقال إن هدفها هو إبعاد قوات المقاومة بشكل دائم عن الحدود الشمالية لفلسطين المحتلة.

لكن تجربة الحروب غير المتماثلة في المنطقة أظهرت أن التفوق في مجال التكنولوجيا لا يعني بالضرورة نهاية التهديدات الفدائية. فالقوات غير المتماثلة تحاول عادة، من خلال التشتت والمرونة واستخدام أدوات منخفضة التكلفة، أن ترهق التفوق العسكري للطرف الآخر.

جنوب لبنان... مختبر الجيل الجديد من الحروب غير المتماثلة

ما يتشكل اليوم في جنوب لبنان يشبه حرب استنزاف طويلة الأمد أكثر من كونه معركة تقليدية؛ حرب حلت فيها الهجمات المحدودة ولكن المستمرة، والعمليات المناوشة، والطائرات المسيرة الرخيصة، محل المعارك التقليدية الواسعة.

في ظل هذه الظروف، فإن طائرات "إف بي في" ليست مجرد أداة تكتيكية، بل هي رمز لتغير طبيعة الحرب في المنطقة؛ تغير قد يؤثر على نمط الاشتباكات المستقبلية في غرب آسيا.

يبدو أن جنوب لبنان قد تحول الآن إلى واحد من أهم ميادين اختبار حروب الجيل الجديد؛ حيث تعيد التكنولوجيا وحرب العصابات وحرب الاستنزاف، في وقت واحد، تعريف ميزان القوى.

انتهى/

تعليقك
captcha
الأكثر مشاهدة
احدث الاخبار
الأکثر تعلیقاً