جبهة لبنان وإستراتيجية الردع المستدام: كيف تُحبط المقاومة مناورات الاحتلال بين الميدان والدبلوماسية؟
وكالة الدفاع المقدس للأنباء - سبطين الجبوري، الخبير الأول في الشؤون السياسية و الدولية : تتداخل سارات الميدان والدبلوماسية في الشرق الأوسط بوتيرة متسارعة، في ظل انعكاسات المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران على مختلف ساحات المنطقة. وفي هذا السياق، تبرز الساحة اللبنانية بوصفها إحدى أبرز جبهات تثبيت معادلات الردع، حيث تكشف التطورات الأخيرة عن مأزق بنيوي يواجهه جيش الاحتلال الإسرائيلي، الذي يحاول عبر الإعلان عن خطط هجومية جديدة التغطية على فشله العملياتي وعجزه عن كسر الترابط العضوي بين جبهات محور المقاومة.

إن قراءة الخلفيات العسكرية والسياسية للمشهد الراهن تتيح تفكيك هذه المعادلة ضمن ثلاثة أبعاد إستراتيجية رئيسية:
أولًا: وهن المصادقات الإسرائيلية والمأزق الميداني في الجنوب
إن إعلان جيش الاحتلال الإسرائيلي المصادقة على مواصلة الهجمات والعمليات العسكرية في لبنان، بالتزامن مع الحديث عن تمديد وقف إطلاق النار أو بلورة تفاهمات تهدئة إقليمية، يعكس محاولة إسرائيلية للهروب إلى الأمام أكثر مما يعكس امتلاك زمام المبادرة.
بروباغندا لامتصاص الصدمة الداخلية:
تعكس هذه المصادقات حاجة القيادة السياسية والعسكرية في تل أبيب إلى ضخ رسائل طمأنة للداخل الإسرائيلي المأزوم، ومحاولة الإيحاء بقدرتها على استعادة السيطرة الميدانية والمعنوية.
الفشل في فرض شروط الاستسلام:
تدرك إسرائيل أن الميدان في جنوب لبنان لم يمنحها التفوق الحاسم؛ إذ تصطدم عملياتها العسكرية بحالة صمود واستنزاف متواصلة تفرضها المقاومة الإسلامية، ما يجعل التهديدات بمواصلة التصعيد أقرب إلى غطاء سياسي لعجز ميداني متفاقم.
ثانيًا: سلاح المسيّرات وتآكل نظرية السيادة الجوية الإسرائيلية
في مقابل التصعيد الإعلامي الإسرائيلي، فرضت المقاومة الإسلامية في لبنان معادلة ميدانية جديدة عبر الاستخدام المتطور للطيران المسيّر، الذي تحوّل إلى أحد أبرز عناصر الضغط والاستنزاف على المؤسسة العسكرية الإسرائيلية.
اختراقات متكررة وشلل في الشمال:
إن استمرار تفعيل صفارات الإنذار في مستوطنات شمال فلسطين المحتلة نتيجة الاشتباه بتسلل مسيّرات المقاومة، يعكس إخفاقًا واضحًا في أداء منظومات الرصد والاعتراض الإسرائيلية، رغم ما تمتلكه من تقنيات متطورة.
المسيّرات كسلاح ردع هجومي:
لم تعد الطائرات المسيّرة مجرد أدوات استطلاع، بل تحولت إلى منظومة هجومية دقيقة قادرة على تجاوز الدفاعات الجوية، واستهداف المواقع الحساسة وتجمعات الآليات والقوات العسكرية بمرونة وكفاءة عالية، الأمر الذي قيّد جزءًا مهمًا من حرية الحركة العملياتية لجيش الاحتلال.
ثالثًا: ترابط الجبهات وثبات طهران في إفشال مخطط الاستفراد
تحاول الدوائر الأمريكية والإسرائيلية، عبر المناورات السياسية والتسويف في المفاوضات مع طهران، إيجاد صيغة لفصل الساحات وعزل جبهة لبنان تمهيدًا للاستفراد بالمقاومة. غير أن هذه المحاولات تصطدم بثبات الموقف الإيراني وتماسك محور المقاومة.
تلازم المسارين الإيراني واللبناني:
إن تأكيد الخارجية الإيرانية أن أي تفاهم يتعلق بإنهاء الحرب يجب أن يتضمن وقف العدوان على لبنان، يُسقط الرهانات الإسرائيلية على إمكانية فصل المسار الإيراني عن جبهة حزب الله.
رسائل القوة من بيروت:
جاءت مواقف قيادة حزب الله لتؤكد أن المقاومة لن تقبل بأي ترتيبات أمنية تنتقص من السيادة اللبنانية أو تمنح الاحتلال مكاسب سياسية عجز عن تحقيقها عسكريًا، مشددة على أن جبهة لبنان ما تزال تمتلك القدرة والاستعداد لمواصلة المواجهة ضمن معادلات الردع القائمة.
تؤكد المعطيات الراهنة أن جيش الاحتلال الإسرائيلي يعيش حالة ارتباك بين رغبته في مواصلة العدوان لحفظ صورته الردعية، وبين واقع الاستنزاف المتصاعد الذي تفرضه عمليات المقاومة الإسلامية في الميدان.
كما أن تفعيل المقاومة لمعادلة المسيّرات وحرب الاستنزاف الذكية، بالتوازي مع التنسيق الإستراتيجي الثابت مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، يضع تل أبيب أمام مسارين أحلاهما مرّ: إما القبول بشروط وقف العدوان وفق توازنات الردع الجديدة، أو الانخراط في مواجهة مفتوحة تستنزف ما تبقى من قدرة الاحتلال على فرض معادلاته العسكرية والسياسية في المنطقة.
انتهى/
