معهد «ناشيونال إنترست»: الصناعة النووية الإيرانية لا يمكن القضاء عليها
وكالة الدفاع المقدس للأنباء: في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة تحديات كبرى وهواجس أمنية وتكنولوجية على المستوى الدولي، تحظى السياسات العامة التي تنتهجها الإدارة الأمريكية تجاه القضايا الاستراتيجية باهتمام المراقبين والخبراء السياسيين هذه الأيام. وقد كشف النهج المتزامن للبيت الأبيض إزاء الملف النووي الإيراني والظاهرة الناشئة المتمثلة في الذكاء الاصطناعي عن أبعاد جديدة للتحديات التي تواجه أجهزة السياسة الخارجية والأمنية الأمريكية، وهي قضايا لم تُظهر واشنطن في التعامل معها ما يكفي من الحكمة والكفاءة.

وفي هذا السياق، قدّم معهد «ناشيونال إنترست» تحليلاً تناول فيه هذا الموضوع. ويتطرق التحليل، إلى جانب استعراض المواقف المثيرة للجدل للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن ضرورة منع إيران من امتلاك أسلحة نووية ومقارنة ذلك بالسيناريو الكوري الشمالي، إلى التناقضات في نهج واشنطن تجاه مخاطر الذكاء الاصطناعي وسبل السيطرة عليه في ظل المنافسة المحتدمة مع الصين، كما يستعرض وجهات النظر المختلفة بشأن التداعيات الأمنية والتحديات الرقابية المرتبطة بهذين المجالين الرئيسيين.
وفيما يلي النص الكامل للتحليل:
لا يزال هناك سؤال افتراضي يُطرح من حين إلى آخر: هل تفضّل أن تتعرض لهجوم من تمساح أم من سمكة قرش؟ ورغم أن «الخبراء» يرون أن التماسيح تعتبر البشر فريسة مألوفة، في حين تعضّ أسماك القرش البشر عادةً عن طريق الخطأ، فإن أياً من الخيارين لا يبدو مرغوباً فيه ولو بالقدر اليسير.
وبعد سلسلة من التطورات السياسية والتكنولوجية التي شهدها العالم، بات بالإمكان طرح سيناريو افتراضي جديد: هل تفضّل الولايات المتحدة مواجهة خطر اندلاع حرب نووية مع إيران أم خطر الانقراض المحتمل على يد الذكاء الاصطناعي؟ يبدو كلا الأمرين تهديداً بالغ الخطورة. ومع ذلك، يتصرف دونالد ترامب في تناقض واضح، إذ يرى أن تحميل المواطنين الأمريكيين أعباء اقتصادية لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي أمر مقبول، في حين يقلّل من شأن مخاطر الذكاء الاصطناعي.
وخلال زيارته الأخيرة إلى أيرلندا، قال الرئيس الأمريكي للصحفيين: «لقد تفوقنا على الصين في مجال الذكاء الاصطناعي، وأصبحنا الدولة الأكثر تقدماً في العالم، كما أننا عازمون على الحفاظ على هذا الوضع، لأن من ينتصر في سباق الذكاء الاصطناعي سيكون الفائز النهائي في المنافسة العالمية. ويمكننا وضع أطر تنظيمية وضمانات وقائية واتخاذ إجراءات من هذا القبيل، لكنني أعتقد أن الذين يطالبون بضرورة إخضاع الذكاء الاصطناعي للرقابة لا ينطلقون من نوايا إيجابية في مطالبهم».
لطالما مثّل امتلاك إيران سلاحاً نووياً كابوساً أمنياً للولايات المتحدة، ولا سيما لأقرب حلفائها في غرب آسيا، أي إسرائيل. ولم يكن ترامب أول رئيس أمريكي يتحدث عن ضرورة منع إيران من امتلاك سلاح نووي، ولن يكون بالتأكيد آخرهم.
لكن كلمة «أبداً» تعني فترة زمنية طويلة جداً؛ فلم تعد آلية صنع السلاح النووي سراً بالغ الصعوبة ومحاطاً بأشد إجراءات الحماية. وإذا كانت دولة تمتلك مستوى متوسطاً من القدرات العلمية والتكنولوجية مصممة على صنع سلاح نووي، فسيكون من الصعب للغاية منعها من ذلك. وقد صُنعت الأسلحة النووية الأولى قبل ظهور الذكاء الاصطناعي، ولذلك فإن تطوير أسلحة لاحقة بمساعدته سيكون أسهل بكثير.
فعلى سبيل المثال، صنعت باكستان أسلحة نووية خلال ثمانينيات القرن الماضي وتسعينياته، من دون الاستعانة بالتقنيات المتاحة اليوم. وفي المقابل، تمتلك إيران قدرات حسابية أكثر تعقيداً، ومستوى علمياً أعلى بكثير، وخبرة تمتد لسنوات في النشاط النووي، فضلاً عن إمكانية الاستفادة من الذكاء الاصطناعي.
ومن المؤكد أن الذكاء الاصطناعي لن يضع سلاحاً نووياً متكاملاً في يد طهران، لكن العلماء الإيرانيين يستطيعون بلا شك الاستفادة بصورة متزايدة من الأدوات المعززة بالذكاء الاصطناعي للعمل بوتيرة أسرع، وتحليل كميات أكبر من المعلومات، واختبار الحلول المحتملة، ومعالجة المشكلات التقنية بكفاءة تفوق ما كان متاحاً لعلماء الأجيال السابقة.
إضافة إلى ذلك، فإن القول إن طهران لن تتمكن أبداً من امتلاك سلاح نووي هو قول غير واقعي. والحقيقة أنه إذا كانت إيران عازمة على تطوير أسلحة نووية، فستتمكن من ذلك عاجلاً أم آجلاً، رغم جميع الجهود الأمريكية والإسرائيلية.
صحيح أنه يمكن قصف المنشآت النووية وتدمير أجهزة الطرد المركزي، لكن لا يمكن القضاء على العلماء الإيرانيين الذين يمتلكون المعرفة النووية. فقد عمل المهندسون الإيرانيون لسنوات على مختلف جوانب هذا البرنامج، وراكمت البلاد خبرة تمتد لعقود. وإذا قررت طهران إعادة بناء منشآتها النووية، فستجد واشنطن نفسها أمام قرار بشأن شن هجوم جديد من عدمه. كما تستطيع إيران نقل مزيد من أنشطتها إلى باطن الأرض، وتوزيعها على مواقع أصغر، وتعزيز إجراءات السرية، وانتظار اللحظة الأكثر ملاءمة للإعلان عن أنشطتها.
وقد يكون التاريخ بصدد تكرار نفسه بالنسبة إلى إيران. ففي تسعينيات القرن الماضي، أنشأت كوريا الشمالية مفاعلات لإنتاج البلوتونيوم في مركز يونغبيون للأبحاث العلمية النووية. ووقّعت البلاد اتفاقيات دولية لمنع انتشار الأسلحة النووية، ثم انتهكتها.
وبعد أن هددت بيونغ يانغ مراراً، خلال تسعينيات القرن الماضي، بالانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، انسحبت منها رسمياً في عام 2003. وبعد عامين، أعلنت للمرة الأولى علناً أنها صنعت أسلحة نووية قابلة للاستخدام، ثم أجرت أول تجربة نووية لها في أكتوبر 2006. واليوم، بعد أن أصبحت كوريا الشمالية دولة نووية، باتت الخيارات المتاحة أمام الولايات المتحدة أكثر تعقيداً بكثير.
وقد أدى امتلاك كوريا الشمالية أسلحة نووية إلى اضطرار ترامب إلى القبول بالتفاوض معها، إذ لا يستطيع تحمل مخاطر تدمير شبه الجزيرة الكورية في حرب نووية مدمرة. ولذلك، يتعايش مع الترسانة النووية لبيونغ يانغ. ولا يريد ترامب أن تتحول إيران إلى دولة أخرى تضطر واشنطن إلى تعلم كيفية التعايش مع ترسانتها النووية.
ومع ذلك، فمن الواضح أنه رغم إدراك ترامب لمفهوم القوة، فإنه لم يستوعب على نحو صحيح حدود صلاحيات الرئيس الأمريكي وقدراته. فمنذ سنوات، يكرر أن إيران لن تمتلك سلاحاً نووياً أبداً، لكنه لا يدرك أنه، رغم كل المعاناة التي تسبب بها للمواطنين الأمريكيين جراء الحرب الإقليمية التي خاضتها الولايات المتحدة، لن يكون قادراً على منع دولة مستقلة من بلوغ مستوى معين من تكنولوجيا الأسلحة.
وفي الوقت نفسه، لا يجد ترامب رداً على ارتفاع أسعار الوقود، الذي يمهّد لارتفاع أسعار سلع أخرى في الولايات المتحدة، سوى إلقاء المسؤولية على أوكرانيا. فهو، من خلال التقليل من شأن الحرب الإقليمية وإغلاق القوات المسلحة الإيرانية مضيق هرمز، يعزو ارتفاع أسعار الوقود إلى الهجمات الأوكرانية على البنية التحتية للطاقة في روسيا. كما وصف تراجع القدرة المالية للمواطنين الأمريكيين خلال الأشهر الأخيرة بأنه كذبة وخداع كبيران. غير أن ما يصفه ترامب بالخداع بدأ يقوّض سيطرة الجمهوريين على مجلس النواب، وربما مجلس الشيوخ أيضاً.
ومع ذلك، فإن ما يثير حيرة الخبراء والمحللين هو لامبالاة ترامب إزاء تهديد الذكاء الاصطناعي. إن وصف المخاوف المتعلقة بالذكاء الاصطناعي بأنها خدعة من جانب البيت الأبيض يترك البلاد من دون موقف متماسك إزاء تهديد موثّق ومتنامٍ.
ومن المستغرب أنه في الوقت الذي تحذّر فيه شركات تطوير الذكاء الاصطناعي من التوسع غير المحدود في هذه التكنولوجيا، يرى رجل أعمال في قطاع العقارات أنه أكثر فهماً من المتخصصين في هذا المجال، ويصف مخاطر الذكاء الاصطناعي بأنها خدعة.
ومع ذلك، يرى كيفن سوراس، الرئيس التنفيذي لشركة «توكن كور» المتخصصة في توفير حلول الأمن البيومتري، أن إدارة ترامب لم تتجاهل هذا التهديد بالكامل. وشدد في هذا الصدد على أن «آلية صنع القرار داخل البيت الأبيض أكثر تعقيداً من أن يؤدي تصريح واحد للرئيس إلى إغلاق ملف قضية متخصصة. فالأمر التنفيذي الصادر في يونيو يعترف صراحة بمخاطر الهجمات السيبرانية المتقدمة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، ويضع آليات للاختبار والتقييم في هذا المجال. وفي ظل هذه الظروف، لا يمكن لتصريح يصدر عن الرئيس أن يؤثر كثيراً في هذا المسار».
ويتمثل الفارق الرئيسي بين وضع تطوير الذكاء الاصطناعي والبرنامج النووي الإيراني في أن الولايات المتحدة تخوض منافسة محتدمة مع منافسين محتملين، مثل الصين. وما لم يتم التوصل إلى تفاهم عالمي بشأن تطوير الذكاء الاصطناعي، فسيظل التهديد قائماً حتى لو فرضت الولايات المتحدة تدابير رقابية وضمانات وقائية، تُعرف باسم «الحواجز الوقائية» (Guardrails).
يشهد العالم سباقاً كبيراً لتحديد الدولة الرائدة في واحدة من أهم تقنيات العصر؛ وهي تقنية يمكن استخدامها لأغراض تخريبية، وكذلك لتحقيق اكتشافات علمية عميقة من شأنها أن تغيّر التوازن الجيوسياسي بصورة جوهرية. ويتطلب هذا السباق امتلاك قدرات هندسية قوية. وفي ظل هذه الظروف، لن تبادر أي دولة طوعاً إلى إبطاء تقدمها في مثل هذه المنافسة من خلال فرض قواعد مقيّدة تعرقل تطورها.
وحتى لو تباطأ تطوير الذكاء الاصطناعي غداً، فلا بد أن تتسارع الإجراءات الأمنية التي تتخذها الدول. فلا يمكننا التحرك بالسرعة نفسها التي تتقدم بها التكنولوجيا التي نعمل على حمايتها. وبصرف النظر عن القرارات التي تتخذها شركات الذكاء الاصطناعي، فقد أصبحت مهمة تأمين هذه الأنظمة أصعب بنحو عشرة أضعاف.
ومع ذلك، فمن المستبعد أن نشهد تباطؤاً عالمياً منسقاً في تطوير الذكاء الاصطناعي. ويعود أحد أسباب عدم حدوث ذلك إلى صعوبة التحقق من الالتزام بمثل هذه القيود أو فرضها، في ظل تنافس الدول والشركات على تطوير النماذج الأكثر تقدماً. وهذا يشبه تماماً ما حدث مع كوريا الشمالية، التي واصلت تطوير أسلحتها النووية رغم معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وهو ما يمكن لإيران فعله أيضاً إذا قررت ذلك.
وبعبارة أخرى، لا تكمن القضية الأساسية في إمكانية وقف تطوير الذكاء الاصطناعي من عدمها، لأن ذلك غير ممكن، بل في ما إذا كانت صلاحيات الوصول والتراخيص وآليات التحقق من الهوية مصممة بطريقة تمنع أنظمة الذكاء الاصطناعي من تشكيل خطر على البشرية.
وكان ترامب قد ادعى أن إيران «على بعد أسبوعين أو ربما ثلاثة أسابيع من امتلاك سلاح نووي»، واستند إلى هذا الادعاء لتبرير الهجمات العسكرية. لكن، وفقاً للوكالة الدولية للطاقة الذرية والخبراء، لم تكن هناك أدلة على وجود برنامج نشط ومنظم لتصنيع الأسلحة النووية أو على قرب إيران من صنع سلاح نووي.
ويعتقد ترامب أيضاً أن طهران ستستخدم السلاح النووي إذا امتلكته، لكن الأدلة تشير إلى عكس ذلك. إذ يرى معظم الخبراء وأجهزة الاستخبارات أنه من المستبعد أن تشن إيران هجوماً نووياً على دولة أخرى. وبدلاً من ذلك، قد تتبع النهج الكوري الشمالي، أي استخدام الأسلحة النووية كخيار أخير لضمان عدم محاولة أي طرف خارجي تغيير نظام الحكم.
إن امتلاك إيران سلاحاً نووياً ليس نتيجة حتمية، لكن منعها من ذلك من دون تغيير نظام الحكم، وهو أمر يبدو مستبعداً في الوقت الراهن، أمر مستحيل. وفي المقابل، تستطيع إيران مواصلة التعلم وإعادة البناء وتعزيز السرية والاستفادة من التطورات التكنولوجية التي تجعل حل المشكلات العلمية والهندسية أكثر سهولة. وينبغي التعامل مع تهديد الذكاء الاصطناعي بجدية أكبر من البرنامج النووي الإيراني، لكن خشية ترامب من تفوق الصين تعرقل الجهود الرامية إلى إبطاء وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي.
والخبر الجيد هو أنه حتى الآن، لم تُرصد عوامل في أنظمة الذكاء الاصطناعي تمتلك القدرة على إحداث خطر جسيم على البشر، إذ طُوّرت هذه النماذج بالاستناد إلى أبحاث أمنية وأكواد برمجية أنشأها البشر.
ولن يشكّل جيش من الروبوتات خطراً على البشر في المستقبل القريب، لكن مكمن الخطر هو أن الذكاء الاصطناعي يتقدم بوتيرة لا يمكن تصورها، فيما لا يتوافر هامش أمان كافٍ فيما يتعلق بمستقبل هذه التكنولوجيا. ومن ناحية أخرى، تجاوزت هذه التكنولوجيا، خلافاً للتكنولوجيا النووية، مرحلة إمكانية السيطرة عليها، ولا تلوح في الأفق إمكانية للتحكم في تطورها أو وقفها. وحتى لو أُقرت لوائح تنظيمية، فلن يكون بوسعها وقف تطور الذكاء الاصطناعي بالطريقة التي نجحت بها معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.
انتهی/
