براعة الجيش اليمني في «حرب المطارات»

مع دخول الحرب في اليمن عامها العاشر، تمكّن الجيش اليمني، من خلال تنفيذ عمليات صاروخية وهجمات بالطائرات المسيّرة استهدفت مطاري أبها الدولي والملك خالد في الرياض بدقة، من تغيير معادلة الردع الإقليمي بصورة غير مسبوقة.
رمز الخبر: 71522
تأريخ النشر: 12 October 2026 - 10:59 - 02January 2648

وكالة الدفاع المقدس للأنباء - محمد زرجيني: تُعدّ «حرب المطارات»، التي بدأتها حركة أنصار الله خلال الأسبوع الماضي، نقطة تحوّل في الاستراتيجية العسكرية للحركة. فعلى خلاف السنوات الماضية، التي اقتصرت فيها الهجمات إلى حدّ كبير على الأهداف العسكرية والمنشآت النفطية، باتت المطارات المدنية تُختار اليوم بوصفها مراكز ثقل للعمليات. ويعكس هذا التحوّل فهماً عميقاً لدى أنصار الله لنقاط الضعف الهيكلية في الاقتصاد السعودي، وللأهمية الحيوية التي يحتلها قطاع الطيران في المملكة.

براعة الجيش اليمني في «حرب المطارات»

شهدت القدرات الصاروخية وقدرات الطائرات المسيّرة لدى أنصار الله تطوراً نوعياً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة. ووفقاً لتقارير صادرة عن مؤسسات بحثية، تمتلك الحركة حالياً صواريخ باليستية متوسطة المدى يتراوح مداها بين 1200 و1950 كيلومتراً، من بينها صواريخ «ذو الفقار» و«طوفان». كما تتمتع هذه الصواريخ بدقة عالية وسرعات تفوق سرعة الصوت، ما يمنحها القدرة على اختراق منظومات الدفاع الجوي المتقدمة.

أما في مجال الطائرات المسيّرة، فقد تمكنت أنصار الله، من خلال تطوير عائلة طائرات «صماد»، من توسيع مداها العملياتي ليصل إلى نحو 1500 كيلومتر. وتستطيع طائرات «صماد-3»، التي استُخدمت في هجمات استهدفت السعودية والإمارات، التحليق على ارتفاعات منخفضة وتجاوز رادارات العدو.

ويتيح الجمع بين هذين النظامين لأنصار الله الضغط على الدفاعات الجوية السعودية انطلاقاً من عدة محاور في الوقت نفسه. ومن النقاط اللافتة أيضاً تحقيق الحركة قدراً نسبياً من الاكتفاء الذاتي في إنتاج هذه الأسلحة؛ فعلى الرغم من استمرار إيران في توفير المكونات المعقدة، تشير التقارير إلى أن الحركة اكتسبت خلال السنوات الأخيرة القدرة على تجميع بعض المنظومات، بل وتصميم بعضها بصورة مستقلة. وقد جعل هذا الاكتفاء الذاتي أنصار الله أكثر قدرة على مواجهة العقوبات، وأسهم في تعزيز استدامة قدراتها الردعية.

الهجمات على مطاري أبها والملك خالد

تحظى العمليات الأخيرة التي نفذتها أنصار الله ضد مطار أبها الدولي في جنوب غربي السعودية ومطار الملك خالد في الرياض بأهمية تكتيكية واستراتيجية كبيرة.

ففي الهجوم على مطار أبها، استخدمت أنصار الله مزيجاً من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، ما أدى إلى توقف حركة الطيران في المطار بالكامل. ونظراً إلى قربه من الحدود اليمنية، ظل مطار أبها أحد الأهداف الاستراتيجية لأنصار الله، وتعرّض لهجمات متكررة في مناسبات عديدة.

أما الهجمات التي استهدفت مطار الملك خالد في الرياض، فتكتسب حساسية أكبر بكثير؛ إذ لا يُعدّ هذا المطار مركزاً للطيران المدني فحسب، بل يمثل أيضاً رمزاً وطنياً للمملكة العربية السعودية. وأعلنت أنصار الله استهداف المطار بعدد من الطائرات المسيّرة، مؤكدةً أن الإصابات كانت دقيقة. وتشير التقارير إلى سقوط ما لا يقل عن 10 قتلى ومئات الجرحى جراء هذه الهجمات.

وجاء الرد السعودي على هذه الهجمات مزيجاً من الإقرار بالخسائر ومحاولات لم تنجح في إظهار القوة. فقد زعم المتحدث باسم التحالف السعودي تدمير منصة لإطلاق صاروخ باليستي في صنعاء، قال إنها كانت معدّة للاستخدام في هجوم آخر على السعودية. ومع ذلك، يبدو أن هذه الإجراءات لم تتمكن من منع أنصار الله من تنفيذ عملياتها.

المكاسب الاستراتيجية لأنصار الله

حققت الهجمات التي استهدفت المطارات السعودية مجموعة من المكاسب لأنصار الله، يمكن تحليلها على مستويات عدة:

أولاً- فرض تكاليف اقتصادية: تؤدي المطارات دوراً حيوياً في الاقتصاد السعودي، باعتبارها بوابات لدخول الاستثمارات والسياح وحركة التجارة. ومن خلال استهداف هذه البنى التحتية، تسعى أنصار الله إلى رفع كلفة استمرار الحرب على الرياض. وقد أكّد معهد دراسات الحرب في واشنطن، في أحد تحليلاته، أن استهداف أنصار الله للبنى التحتية المدنية يمكن أن يرفع التكاليف الاقتصادية على السعودية إلى أقصى حد، ويدفع الرياض إلى الرضوخ لمطالب الحركة.

ثانياً- فرض معادلة ردع متبادل: أظهرت أنصار الله من خلال هذه الهجمات قدرتها على الوصول إلى عمق الأراضي السعودية وتحدي أمنها الجوي. ويؤسس هذا التحرك لنوع من الردع المتبادل، يدفع السعودية إلى توخي مزيد من الحذر في حساباتها العسكرية. وقد وصف محللون عسكريون هذه الخطوة بأنها امتداد لاستراتيجية الردع المتبادل التي تتبعها أنصار الله.

ثالثاً- الضغط على المفاوضات: في ظل العمليات العسكرية التي تنفذها السعودية والحكومة اليمنية ضد أنصار الله، تشكل هذه الهجمات أداة لتعزيز القدرة التفاوضية للحركة في أي مفاوضات مقبلة. فإظهار القدرة على تعطيل الرحلات الجوية الدولية، بل وتهديد أمن المجال الجوي، يمنح أنصار الله ورقة ضغط مهمة على طاولة المفاوضات.

رابعاً- تعزيز المكانة الداخلية والإقليمية: تسهم هذه الهجمات في تعزيز مكانة أنصار الله لدى مؤيديها في الداخل والمنطقة. كما أن القدرة على استهداف العاصمة السعودية توجّه رسالة إلى الحلفاء والخصوم على حد سواء، مفادها أن أنصار الله قوة فاعلة لا يمكن تجاهلها في معادلات اليمن والمنطقة.

خامساً- إعلان منطقة حظر طيران: من خلال تحذير شركات الطيران الدولية من مخاطر المجال الجوي السعودي، تسعى أنصار الله عملياً إلى فرض «منطقة حظر طيران» غير رسمية في المملكة. ويؤدي هذا التحرك إلى زيادة الضغوط النفسية والاقتصادية على الرياض.

إن الهجمات التي استهدفت مطاري أبها والملك خالد بالصواريخ والطائرات المسيّرة التابعة لحركة أنصار الله لا تمثل مجرد تحرك عسكري، بل تحمل أيضاً رسالة سياسية واقتصادية مفادها أن الحركة قادرة على تغيير قواعد اللعبة. فمن خلال الاعتماد على ترسانتها المتطورة من الصواريخ والطائرات المسيّرة، أثبتت الحركة قدرتها على الوصول إلى عمق الأراضي السعودية، ورفعت بصورة ملحوظة كلفة استمرار الحرب على الرياض.

وفي ظل وصول الجهود الدبلوماسية الرامية إلى إنهاء الحرب في اليمن إلى طريق مسدود، باتت هجمات أنصار الله على المطارات أداة ضغط تهدف إلى دفع السعودية إلى التراجع عن مواقفها. وفي نهاية المطاف، لا تقتصر أهمية «حرب المطارات» على أبعادها العسكرية فحسب، بل تمتد إلى تداعياتها الاستراتيجية على الأمن الإقليمي. فمن خلال هذه التحركات، رسّخت أنصار الله مكانتها بوصفها قوة لا يمكن إنكارها في معادلات اليمن والمنطقة.

انتهى/

تعليقك
captcha
الأكثر مشاهدة
احدث الاخبار