تکاثر موجات الغضب فی القارة الخضراء، أزمة التعلیم والمعیشة في أوروبا
وكالة الدفاع المقدس للأنباء: تشهد شوارع أوروبا فی خریف ۲۰۲۶ جولة جدیدة من التوترات الاجتماعیة؛ احتجاجات بدأت أولاً من الأوساط التعلیمیة وسرعان ما تحولت إلى ساحة لتجلی استیاء الشباب العمیق من الظروف الاقتصادیة والسیاسات العامة. ما بدأ فی منتصف سبتمبر بتجمعات محدودة لطلبة الثانویة فی ضواحی باریس ومنطقة بریتانی، أصبح الآن حرکة واسعة النطاق تجاوزت حدود فرنسا وجرّت معها ست دول أوروبیة أخرى على الأقل. ویقیّم المحللون هذه الظاهرة لا کحدث عابر وعفوی، بل کنتيجة مباشرة لتراکم التحدیات الاقتصادیة وضغوط الموازنة على الحکومات وتدهور الخدمات العامة فی جمیع أنحاء القارة.

الموجة الاحتجاجیة الحالیة التی برزت فی البدایة تحت غطاء مطالب مثل نقص الموازنة التعلیمیة، والفصول الدراسیة المکتظة، وتدهور البنى التحتیة المادیة للمدارس، سرعان ما ارتبطت بأزمات أکبر مثل التضخم الجامح، وتکالیف المعیشة الباهظة، وأزمة الإسکان. وأظهرت التقاریر المیدانیة من ضواحی باریس أن الطلبة یدرسون فی فصول مبنیة مسبقاً غیر مقاومة فی درجة حرارة صفر فی الشتاء وحرارة لا تُطاق فی الصیف، ویعانون من أنظمة صحیة غیر فعالة، ویتصارعون مع مشکلة النقص الحاد فی الکادر التعلیمی والمعلمین المتخصصین.

مع ذلک، عندما واجهت هذه الاحتجاجات رداً حاداً وأمنیاً من قوات الشرطة، وفی حالات أدت إلى اشتباکات عنیفة فی الشوارع، وتوقیف آلاف الشباب والمراهقین الذین کان معظمهم دون السن القانونیة، وحوادث مؤلمة مثل الإصابة الشدیدة لطالب فی الخامسة عشرة من عمره، تسارع محرک الغضب العام بشدة مضاعفة.

لم یلبث هذا التحول أن تجاوز الحدود الجغرافیة لفرنسا وانتقل إلى دول أوروبیة أخرى. کانت بلجیکا من أولى الوجهات التی لامست الموجة الاحتجاجیة بکل قوتها. فی مدینتی «لییج» و«بروکسل»، سیطر الطلبة والتلامیذ الغاضبون، اقتداءً بنظرائهم الفرنسیین، على المراکز التعلیمیة ونظموا احتجاجات فی الشوارع.
فی مدینة لییج، بلغ التوتر حداً جعل البلدیة مضطرة لفرض قوانین طارئة صارمة، بما فی ذلک حظر التجمع لأکثر من ثلاثة أشخاص فی النقاط المفصلیة فی المدینة، واستخدمت القوات الأمنیة الغاز المسیل للدموع ومدافع المیاه لتفریق المحتجین. وأظهر تسجیل مئات حالات التوقیف فی بلجیکا أن استیاء الشباب له جذور أعمق من مجرد قضایا محلیة.

فی هذا السیاق، انضمت الحرکات الطالبیة والطلابیة فی إیطالیا والیونان أیضاً إلى الخط الأول للإضرابات. فی مدن مثل «روما» و«تورین»، رفع الشباب الإیطالی لافتات تحمل شعاراً رمزیاً «لنعمل کما فی فرنسا»، معلنین تضامنهم مع محتضی باریس، وثاروا ضد تدهور البنى التحتیة التعلیمیة، والغلاء المتزاید للرسوم الدراسیة، ونقص الموازنة.
فی الوقت نفسه، فی الیونان وألمانیا وأیرلندا والنمسا أیضاً شکلت احتجاجات مماثلة بمطالب محددة مثل زیادة الموازنات الجامعیة، وتعدیل تکالیف الإسکان الطالبی، وإصلاح الأنظمة التعلیمیة غیر الفعالة. على سبیل المثال، حذرت الاتحادات الطالبیة فی النمسا من قرار الحکومة بفرض عجز فی الموازنة بقیمة ملیار یورو على النظام الجامعی، ودفعت الأجواء فی الجامعات نحو التوتر.

یکشف التأصیل الاقتصادی لهذه الأزمة الشاملة أن الحکومات الأوروبیة وقعت فی مأزق هیکلی. وفقاً لتوقعات المفوضیة الأوروبیة، تعانی دول رئیسیة مثل فرنسا وبلجیکا والنمسا هذا العام من عجز کبیر فی الموازنة یتجاوز السقوف المسموح بها، أی أعلى من ۴ إلى ۵ بالمئة من الناتج المحلی الإجمالی.
فی ظل إجبار تکالیف الاقتراض الثقيلة وسداد الدیون العامة الثقيلة الحکومات على تطبیق سیاسات انکماشیة وفرض أشد القیود على موازنات الرفاه والخدمات العامة، یُعدّ قطاع التعلیم أول وأکبر ضحیة لهذه العملیات الجراحیة المالیة. فخفض النفقات الحکومیة یتناقض تناقضاً مباشراً مع مطالب الفئات الشبابیة التی تنحنی یوماً بعد یوم تحت العبء الأثقل للتضخم، والتکالیف الباهظة للإسکان، ومستقبل غامض.

الآن، ترصد العواصم الأوروبیة التطورات الجاریة بترقب خفی. ما یجری فی شوارع باریس وبروکسل وروما ودبلن هو تحذیر جدی لصناع السیاسة فی القارة الخضراء؛ تحذیر بأن الاستیاء الاجتماعی لم یعد مقتصراً على دولة واحدة أو فئة معینة، بل تحول إلى ظاهرة متسلسلة ومعدیة. وإذا لم تتمکن الحکومات الأوروبیة من تقدیم رد هیکلی ومقنع لهذه المطالب الاقتصادیة والتعلیمیة المتراکمة، فإن استمرار هذه الاحتجاجات یمکن أن یواجه الاستقرار السیاسی والاجتماعی للاتحاد الأوروبی فی الأشهر المقبلة بتحدیات جوهریة وغیر متوقعة.
انتهى/
