تم التحدیث فی: 18 May 2020 - 07:36
ربما یمکن تلخیص العقود الستة من حیاة الشیخ عمر محمود عثمان الشهیر بـ"أبو قتادة الفلسطینی" بأنها تحوّل من التدین الصوفی التقلیدی فی صفوف جماعة التبلیغ والدعوة إلى التأسیس والتنظیر للتیار السلفی الجهادی، الذی بات رقما صعبا فی المواجهة مع النظام الدولی الجدید وحلفائه فی المنطقة العربیة.
رمز الخبر: ۶۱۳۱۲
تأريخ النشر: ۱۷ محرم ۱۴۳۶ - ۱۸:۵۸ - 09November 2014

أبو قتادة.. تبلیغی تحوّل لأبرز منظری الجهادیین

ربما یمکن تلخیص العقود الستة من حیاة الشیخ عمر محمود عثمان الشهیر بـ"أبو قتادة الفلسطینی" بأنها تحوّل من التدین الصوفی التقلیدی فی صفوف جماعة التبلیغ والدعوة إلى التأسیس والتنظیر للتیار السلفی الجهادی، الذی بات رقما صعبا فی المواجهة مع النظام الدولی الجدید وحلفائه فی المنطقة العربیة.

فی بیته المستأجر فی عمان، ووسط تدخلات قطة باتت محببة إلیه یسمیها "سلمى"، روى أبو قتادة للجزیرة نت سیرة حیاته التی لم یروها من قبل لأی جهة إعلامیة أو غیرها، وهو ما یفسر التناقضات التی تتناقلها مواقع عبر فضاء الإنترنت لحیاة الشیخ الذی قضى الأعوام الثلاث عشر الأخیرة فی السجون، منها 12 عاما فی السجون البریطانیة، إضافة لسنة وشهرین فی السجون الأردنیة، لیحصل فی النهایة على حکم بالبراءة من محکمة أمن الدولة الأردنیة عن تهم طالما لاحقته.

ولد عمر محمود عثمان محمد أبو عمر فی مدینة بیت ساحور فی الضفة الغربیة یوم 13 دیسمبر/کانون الأول 1960، وتعود أصوله إلى قریة دیر الشیخ قضاء القدس، وهی مسقط رأس والده، والتی قال إن أهلها هجّروا منها عام النکبة الفلسطینیة 1948، وأمه اسمها عائشة وهی من قریة خربة اللوز أصلا، وهو الابن الثانی لعائلته.

عاش أبو قتادة فی بیت ساحور ثلاث سنوات، قبل أن ینتقل مع عائلته إلى العاصمة الأردنیة عمان، بعد أن رحل إلیها عمه الوحید وأخواله، وسکنوا منطقة رأس العین وسط عمان القدیمة، وکان والده فی ذلک الوقت یسافر للعمل فی الکویت حتى عاد منها عام 1965 وفتح مطعما فی المنطقة التی تعرف حالیا باسم ساحة النخیل.

درس أبو قتادة فی مدارس وکالة غوث وتشغیل اللاجئین الدولیة (أونروا)، ویقول "تفتحت عینای على الحرف فی مدرسة تقع فی آخر منطقة جبل النظیف، وبقیت فیها حتى الصف الرابع، ثم انتقلت إلى مدرسة فی حی نزال، وأذکر هنا أن أکثر معلم أثر فیّ کان نایف مسودة رحمه الله تعالى، الذی علمنی لذة النظر إلى الکلمة والتأمل فی جرسها".

فی المرحلة الثانویة انتقل للدراسة فی مدرسة حی نزال الحکومیة، ومنها حصل على شهادة الثانویة العامة.

    "أول کتاب استمتع به هو کتاب کلیلة ودمنة، وأول کتاب اشتراه بمبلغ خمسة قروش هو روایة الشیخ والبحر لآرنست همنغوای"

صحبة الکتاب
یتحدث أبو قتادة باستفاضة عن علاقته المبکرة بالمطالعة والقراءة، لدرجة أنه یقول إنه ابن الکتاب، فیروی کیف بدأ رحلة المطالعة من الصف الرابع الابتدائی، فقرأ دواوین أحمد شوقی وحافظ إبراهیم، وکان مولعا بقصص الأدب العالمی، ویقول إن أول کتاب استمتع به هو کتاب کلیلة ودمنة، وأن أول کتاب اشتراه بمبلغ خمسة قروش هو روایة الشیخ والبحر لآرنست همنغوای، الذی یقول إن قصته لا تزال تؤثر فیه حتى الیوم.

یروی أبو قتادة رحلته مع کتب طه حسین، الذی یرى أنه کان المفتاح الذی عرفه "على أستاذی الذی لم أره وهو مصطفى صادق الرافعی وعلى کتبه".

ویتابع "لو سئلت من ربّانی لقلت إن شیخی الکتاب، وهذا لا یعنی أننی لم أقابل الشیوخ، أنا ابن الکتاب وهو الذی ربانی وعلمنی، بل إن بدایة التزامی بالصلاة کانت عن طریق کتاب وحی القلم للرافعی، عندما تأثرت بقصة مالک بن دینار وتوبته، وما زال الأستاذ الرافعی یعیش فی داخلی ویؤثر علی فی حیاتی وأحداثها حتى الیوم".

فی الصف الأول الثانوی (العاشر حالیا)، تعرف أبو قتادة على جماعة التبلیغ والدعوة، وبدأ بالخروج معها على طریقتها التقلیدیة، وکانت أول مرة یخرج فیها وعمره 16 عاما، وهناک یقول إن رحلته بدأت مع أهله الذین خافوا علیه أن یتأثر تحصیله العلمی کونه الأول دائما على صفوفه نتیجة هذا الالتحاق.

بعد أن أنهى مرحلة التوجیهی عام 1979، خرج أبو قتادة مع جماعة التبلیغ إلى باکستان ومکث فیها أربعة شهور، ویقول "تعلمت من جماعة التبلیغ والخروج معها کیف یهتم الداعیة بنفسه، وضرورة إصلاحها قبل أن یصلح الآخرین، وتعلمت التواضع، وأعتقد أننی تأثرت ولا أزال بمسیرتی مع جماعة التبلیغ التی أکن لکثیر من أفرادها حبّا أبویا".

وبالعودة لعلاقته بالکتاب، یتحدث کیف تعرف خلال وجوده بجماعة التبلیغ على من یسمیه "شیخ الإسلام الثانی وهو ابن القیم، الذی تعرفت من خلال کتبه على شیخ الإسلام وشیخی ابن تیمیة".

    "یرى أبو قتادة أن لقب عمید الأدب العربی قد یکون أکثر دقة إن أعطی للرافعی"

التبلیغ والإخوان والسلفیة
التحق أبو قتادة بکلیة الشریعة فی الجامعة الأردنیة، التی تخرج منها عام 1983، وفی تلک المرحلة یقول إنه تعمّق بالتعرف على ابن تیمیة من خلال کتبه، ویضیف أبو قتادة "الحقیقة أنه بهرنی، وهنا أؤکد حقیقة أننی عندما قرأت لطه حسین وکنت أردد ما یقوله الناس إنه عمید الأدب العربی، ثم قرأت للرافعی قلت إن هذا من یحق له أن یکون عمید الأدب العربی، فهجرت طه حسین لأصبح رافعیا إن صح التعبیر، وعندما قرأت لابن تیمیة تصاغر لدی ابن القیم رحمه الله، وهذه حقیقة انطباعاتی الشخصیة ولیس بسبب عمق علمی سابق".

فی کلیة الشریعة بدأت رحلة أبی قتادة فی نقد جماعة التبلیغ، التی یقول إنه أخذ علیها نقدها للعلم، واعتبارها أن المرء إذا تعلم ینفلت من الجماعة، لدرجة أن بعض شیوخها یسمی ذلک "فتنة التعلم"، والجماعة فی هذا تقلد مشایخها فی الهند تقلیدا تاما، رغم أن الجماعة کانت تقدمنی فی الدروس والبیانات باعتباری شابا متفتحا.

ویشیر إلى أنه عاش فی صراع ذاتی فی ذلک الوقت وحوار ذاتی وعمیق بین الصوفیة القادمة من سوریا شمالا، والسلفیة القادمة من الجزیرة العربیة جنوبا، فکنت أتوسع بالقراءة للأشاعرة وکتب ابن تیمیة، وأذکر أننی قرأت أغلب الکتب التی تتحاور حول السلفیة والصوفیة، وأُصبت بحیرة، خرجت منها بالدعاء وذهبت للعمرة وعدت منها مطمئنا لاتباع منهج ابن تیمیة مع قدرة علمیة على محاورة وجدال المخالفین والخصوم، وقد عرفت بهذا فی أوساط علمیة متعددة.

وأضاف بالقول "أنا إذا ولدت من خلال الحرف مع مصطفى صادق الرافعی، فإن ولادتی الثانیة کانت مع شیخ الإسلام ابن تیمیة".

ویرى أبو قتادة أن أول صدماته فی الجامعة کانت جماعة الإخوان المسلمین، التی قال إنها کانت تهیمن على کلیة الشریعة فی ذلک الوقت، وإنه قلما وجد دکتورا لا ینتمی للجماعة أو لیس مقربا منها، وإنه کان تحت الضغط للانتساب للإخوان.

ویتابع "ما منعنی من دخول الجماعة أمور، منها أن عقلیتی قد صیغت تبلیغیة فاهتمامی کان بالدعوة للتدین أکثر من الجانب السیاسی".

ویذهب أبو قتادة إلى أنه لم یتأثر فی ذلک الوقت کثیرا بأساتذة کلیة الشریعة، لکنه یذکر هنا تأثره بالدکتور أحمد نوفل، الذی یقول إنه تأثر بأسلوبه الجذاب، کما تأثر بالدکتور عبد الله عزام الذی درّسه مادة علوم القرآن.

ویدافع أبو قتادة عن أهمیة التحاق الطالب بالجامعة لنیل الشهادة على عکس رؤیة کثیر من مشایخ السلفیة التقلیدیة، ویرى أن ذلک یدفع الإنسان للحصول على شهادة أصبحت جزءا مهما من نسبه، والأمر الثانی أن الانسان فی الجامعة یتفتح ذهنه، "کما أن جلوس الطالب لتلقی العلم على ید أستاذ یعطی معنى التواضع، والحقیقة أن السلفیین ممن لم یجلسوا هذا المجلس یعانون من الغرور والترفع أن یکونوا تلامیذ".

وعن تحوله للمنهج السلفی، یقول أبو قتادة إن ذلک لم یکن تأثرا بالشیوخ المعاصرین، وإنما تأثرا بالصراع الفکری من خلال الکتب وانحیازه أخیرا لمنهج شیخ الإسلام ابن تیمیة.

ویشر إلى أنه خلال هذه الفترة طاف على کل من یعرفه من مشایخ الصوفیة، وأنه حاورهم فی مساجدهم، وبدأ یُعرف من وقتها بـ"عمر السلفی"، ویقول "الحقیقة أن أمثالی فی الأردن عانوا من عدم وجود مشایخ سلفیین لدیهم رؤیة وإجابات عن الأسئلة الکبرى، ومنهم محمد شقرة وناصر الدین الألبانی، فلم تکن لدینا أی السلفیین إجابات عن أسئلة مشروعیة التنظیم والبیعة للإمام المجهول، والعلاقة مع الحاکم والانتخابات البرلمانیة، وفی حواراتی مع أغلب من عرفوا بأنهم مشایخ السلفیة وقتها لم أجد منهم من یحرم أصل الانتخابات بل کانوا یقولون بعدم جدواها".
المحکمة الأردنیة برأت أبا قتادة من تهم الدعم المعنوی لجماعات إرهابیة (الجزیرة)
الإفتاء العسکری
عام 1983 بدأت مرحلة جدیدة فی حیاة أبی قتادة، حیث کان مخیرا إما بالالتحاق بالخدمة الإلزامیة فی الجیش لعامین مما سیدفعه لحلق لحیته والانصیاع للانضباط العسکری، وإما بالالتحاق بالإفتاء العسکری لمدة أربعة أعوام، فاختار الثانیة.

ویتحدث عن هذه المرحلة بالقول "تعرفت فی تلک المرحلة على شیخی الافتاء العسکری فی الأردن وهما نوح القضاة وعلی الفقیر، ولم یکن بینی وبینهما ود ولا اتفاق، وکنت على خلاف معهما فی المنهج، فهم کانوا شافعیة مقلدون وأشاعرة العقیدة، ورغم أنه لم یکن هناک أی امتزاج بینی وبین الشیخ نوح الذی أکنّ له کل الاحترام، فإننی کنت على خلاف دائم مع علی الفقیر، وهنا بدأت معالم کتابی الأول هو "الرد الأثری المفید على البیجوری فی شرح جوهر التوحید"، والرد جاء على کتاب البیجوری الذی کان مطلوبا للامتحان به فی الافتاء العسکری، ولا أقول إنه کتاب عمیق ولکنه کان بدایة التفتح وتشکل المنهج بالنسبة لی".

ویتابع "قاسیت خلال هذه السنوات، ونقلت لأقصى الأماکن، وفی إحداها رحلت للسجن العسکری إماما، وهذه کانت فترة مفیدة لی لأننی تحاورت خلالها مع البعثیین والمنتسبین للتنظیمات الفلسطینیة، وکثیر منهم ولله الحمد تأثر بمحاوراتی والتزم الصلاة وبعضهم ترک انتماءاته الحزبیة، وخلال فترة الافتاء تزوجت من زوجتی التی رزقت منها ولدان وثلاث بنات".

من السلفیة التقلیدیة للجهادیة
بعد انتهائه من الخدمة العسکریة، عمل أبو قتادة فی تحقیق بعض الکتب لصالح دار القلم لمدة عامین، ویعلق "لم أجد الأمر تحقیقا علمیا حقیقیا بل کان أشبه بعمل الوراقین"، وعملت بعدها إماما لمسجد لفتا فی عمان مدة ستة أشهر، وفی هذه السنوات بدأت رحلتی فی التحول من السلفیة الساکنة والتقلیدیة، وبدأت تظهر معالم سلفیة لها قول فی السیاسة والعمل التنظیمی، وهذا لم یکن یعجب التیار الذی یقوده الشیخ الألبانی وقتها والمعروف باسم "السلفیة العلمیة"، وبدأ هنا الفصام والمناکفات مع هذا التیار.

أنشأت مع مجموعة من الإخوة فی ذلک الوقت مجلة ورقیة صغیرة اسمها المنار، کنت أکتبها أنا ویطبعها حسن أبو هنیة، وبدأ وقتها العمل السیاسی المفتوح فی وقت عودة الانتخابات البرلمانیة للأردن، وهذا کان أیضا وقت ظهور جبهة الإنقاذ فی الجزائر، والتی أحدثت زلزالا فی حقل العمل الإسلامی.

    "کان الناس فی الأردن وقتها أجمعوا على إمامة صدام وإدانة السعودیة لاستقدامها القوات الأمیرکیة، وکان موقفی وقتها لا یعجب غالبیة الناس، فکنت أدعو لطریق ثالث یرفض تأیید صدام على فعلته کما أرفض فعل السعودیة"

مغادرة الأردن
فی عام 1990 کانت مرحلة یصفها أبو قتادة بـ"المهمة فی حیاته"، عندما احتلت القوات العراقیة الکویت، ویقول "کان الناس فی الأردن وقتها أجمعوا على إمامة صدام وإدانة السعودیة لاستقدامها القوات الأمیرکیة، وکان موقفی وقتها لا یعجب غالبیة الناس، فکنت أدعو لطریق ثالث یرفض تأیید صدام على فعلته أو أنه لا یمثل الإسلام أو اعتباره إماما، کما أدین استقدام السعودیة للقوات الغربیة وأن ذلک لا یمثل الإسلام أیضا، وتعرضت وقتها لمحاولات الضرب ومقاطعة خطبی والشتم".

وزاد "انتهت هذه المرحلة بیقینی بضرورة وجود التنظیم من أجل العمل الإسلامی وکانت بدایة تشکل السلفیة الجهادیة عندی".

ویلفت أبو قتادة إلى أنه غادر الأردن عام 1991 بعد نصیحة بعض المقربین منه بضرورة مغادرة الأردن لأنها مرحلة استنفدت، فسافر إلى مالیزیا، ومکث هناک عند الجماعة الإسلامیة وکان أمیرها فی ذلک الوقت الشیخ عبد الحلیم (أمیرها الیوم هو الشیخ أبو بکر باعشیر).

مکث أبو قتادة فی مالیزیا ثلاثة شهور، أعطى خلالها المنتسبین للجماعة دورات شرعیة، وکان ینوی دراسة الماجستیر والدکتوراه، ولکن غلاء المعیشة حال بینه وبین ذلک.

بیشاور والجهاد الأفغانی
انتقل أبو قتادة فی العام ذاته (1991) إلى بیشاور فی باکستان، والتی کانت قبلة الجهاد الأفغانی وقتها، والتحقت به عائلته هناک، فدرس الماجستیر فی لاهور، وبدأ رحلة جدیدة من العمل.

ویقول إنه طلب أن یتفرغ للتدریس فی مدرسة دینیة، ویشیر إلى أنه ذهب لدورة شرعیة فیها عدد من الطلبة اللیبیین الذین انخرطوا لاحقا فی الجماعة الإسلامیة المقاتلة، فدرستهم الفقه والأصول والتوحید، وأنهیت الدورة بعد ستة شهور وتبعها مزید من الدورات لجماعات کثیرة من دول عدة، وکان أحد الحضور فی إحداها الشیخ أبو حفص المصری.

یتحدث أبو قتادة عن لقائه فی تلک المرحلة بشخصیات کثیرة منها الدکتور أیمن الظواهری وسامی الساعدی (أبو المنذر) وغیرهما الکثیر، وتعرفت على إخوة کثر من الجزیرة العربیة والیمن والجزائر وغیرهم، وأقل علاقة لی کانت مع أهل الشام.

وینفی أبو قتادة أی دور له بالعمل الجهادی أو العسکری خلال تلک الفترة، ویقول "کان دوری فی بیشاور علمیا تثقیفیا ولم یکن جماهیریا ولا عسکریا، وکنت مهتما ببناء القواعد العلمیة وصناعة الفرد، ولم أزر أفغانستان إلا مرات قلیلة، ومنها زیارتی لنورستان التی کانت أول منطقة تتحرر فی أفغانستان، وجلست مع أمیرها محمد فاضل، وهو رجل فاضل کاسمه، وتحاورت معهم".

    "مرحلة من التضییق على العرب فی بیشاور بدأت بعد سقوط العاصمة الأفغانیة کابل بید الفصائل الأفغانیة، حیث بدأت مرحلة ملاحقتهم فی الشوارع"

الخروج من بیشاور
یقول أبو قتادة إن مرحلة من التضییق على العرب فی بیشاور بدأت بعد سقوط العاصمة الأفغانیة کابل بید الفصائل الأفغانیة، حیث بدأت مرحلة ملاحقتهم فی الشوارع، وتعرض عدد منهم لمحاولات اعتقال فی الشارع، لکن ما کان یشفع له دائما أن معه ورقة تثبت أنه کان یدرس فی جامعة العلوم التقنیة لفترة من الوقت.

فی تلک الفترة -یقول أبو قتادة- بدأ الجمیع یعودون لبلادهم، وعاد الأردنیون واعتقلوا وحوکموا، والکل عاد إلا من لا یحمل أوراقا أو یشعر بالخطر لعودته کالمصریین الذین لا ملاذ لهم، وفکرت فی الخروج من بیشاور، وکان القرار بالتوجه لبریطانیا باعتبارها الأوسع والأقرب لقوة الإعلام والنشاط ووجود حاضنة مسلمة هناک.

وعن طریقة خروجه یقول "تحصلت على جواز سفر (لم یذکر نوعه) وتوجهت للمالدیف ومنها إلى لندن، وما أن وصلت هناک حتى طلبت اللجوء السیاسی، الذی حصلت علیه بعد تسعة أشهر فقط وهذه مدة قصیرة هناک، والسبب أننی أثبت شخصیتی ودرجتی العلمیة وکنت أحمل کل أوراقی العلمیة، وهو ما أفادنی".

مرحلة "الأربع ریشات"
سکن أبو قتادة فی البدایة فی بولتون شمال مانشستر لمدة ستة شهور، ثم انتقل إلى لندن، وکان أول أعماله الجماهیریة أن فتح بیته یوم الجمعة لخطبة وصلاة الجمعة وکان یحضرها 25 شخصا تقریبا.

ویبرر ذلک بالقول إنه سار على قاعدة وهی أن لا ینافس أحدا فی مکانه، لذا کان یرفض أن ینافس أی جهة فی مساجدها، لا المنتدى الإسلامی ولا غیره من المراکز.

بعد خطب عدة فی بیته، انتقل أبو قتادة لصالة "فور فیثرز" (الریش الأربع) فی لندن التی استأجرها شبان مسلمون لغایات صلاة الجمعة عام 1993، وهو الاسم الذی اشتهر فی دوائر المخابرات. ویذکر أبو قتادة أنه لم یتخلف عن الصلاة هناک فی أی خطبة جمعة من وقتها حتى بدء ملاحقته عام 2002، عوضا عن عمل الدورات الشرعیة یومی السبت والأحد.

ویلفت هنا إلى واحدة من أهم ما میّز مرحلة لندن فی حیاته وهی إعطاؤه لـ"دورة الإیمان" التی انتشرت وقتها انتشارا کبیرا، وکان لها تأثیر کبیر على أتباع التیار السلفی الجهادی حول العالم، ویعلق أبو قتادة "لا أعرف أحدا دخل فی التیار الجهادی وفهمه علمیا إلا استمع لأشرطتها بعد أن فرغت وانتشرت فی کل البلاد العربیة والأجنبیة".

ویستطرد هنا بالقول "أذکر أننی فی الأردن وبیشاور کنت لا أقبل تسجیل أی حدیث لی، ولکن فی بریطانیا أصر أبو عیاض أمیر جماعة أنصار الشریعة فی تونس لاحقا على تسجیل هذه الدورات صوتا وصورة".

"کما أذکر أننی لم أتجول فی لندن التی لا أعرف معالمها حقیقة، لأن تنقلی کان مقتصرا بین هذه القاعة وبیتی".

    "أیدت الجماعة الجزائریة المسلحة قبل أن یدخل فیها الغلو ویفسدها کما یحدث الآن من قبل تنظیم الدولة الإسلامیة فی العراق وسوریا"

دعم "الجهاد" الجزائری
خلال هذه الفترة یقول أبو قتادة إنه تعرف على الجزائریین، وصدرت وقتها نشرتهم "الأنصار"، التی وصل عددها إلى مائة عدد بالتمام والکمال، و"کانت تنصر الجهاد فی الجزائر وتسمى بین منهجین، وجمعها أحد الشباب فی کتاب سمی الجهاد والاجتهاد".

ویؤکد أنه فی هذه المرحلة کان داعما لـ"الجهاد الجزائری، وأیدت الجماعة الجزائریة المسلحة قبل أن یدخل فیها الغلو ویفسدها کما یحدث الآن من قبل تنظیم الدولة الإسلامیة فی العراق وسوریا".

وزاد "أیدت الجماعة الإسلامیة المقاتلة بفعل تزکیات الجماعات الإسلامیة المجاهدة ومنها اللیبیة، ولکن عندما انحرفت هذه الجماعة وسیطر علیها أصحاب الغلو، أصدرت مع بعض الأخوة بیانات فی البراءة منها عام 1997، وهذه فترة ورثت فیها مرض السکری، ولا یزال البعض یلاحقنی باتهامات باطلة أترکها فی صحیفتهم عندما یسألون عنها أمام الله".

ویضیف "تعرضت لاتهامات باطلة لا أرد علیها لأن مطلقیها الآن إما موتى وإما فی السجون، وأنا لن أرد على من فی السجون".

ویشیر إلى أن هذه الفترة "فتحت علینا عیون المخابرات، وانتقال صورة بیشاور إلى لندن، من حیث اللحى واللباس وخاصة بعد تعرض فرنسا لسلسة تفجیرات من قبل الجماعات الجزائریة، حتى إن بعض الصحف الفرنسیة باتت تسمی لندن بأنها لندنستان، ولکنها فترة کانت مهمة فی نشر التدین والفکر والوقوف أمام جماعات قویة تقلیدیة لها تاریخها وتمویلها، واستطعنا أن ننشئ تیارا جدیدا مساندا للجهاد فی الشیشان وأفغانستان والجزائر، وأنا حرصت على أن لا یکون لی أی دور بالعمل المادی بل فی العمل الفکری والدعوی فقط".

أمیر القاعدة وممثل ابن لادن بأوروبا
ینفی أبو قتادة ما أطلق علیه من ألقاب فی الإعلام الغربی، فیقول "لیس صحیحا إطلاق لقب أمیر القاعدة وممثل ابن لادن علی فی أوروبا، لأن القاعدة فی بیشاور کانت أصلا مکانا لتجمیع الشباب القادم للجهاد فی أفغانستان، ثم فتتها الشیخ أسامة بن لادن، وانفک من بیعة الکثیرین ممن بایعوه وقتها، وهؤلاء أسسوا جماعات فی بلادهم، وعندما انتقل إلى السودان لم یکن معه إلا قلة قلیلة کان أکثرها من المعنیین بالعمل فی أفریقیا، ولم یکن هناک التزام بإمارة ابن لادن فی الشیشان أو أفغانستان أو الجزائر وغیرها".

بعد تفجیرات الجزائریین فی فرنسا بدأت مرحلة التضییق الأولى على أبی قتادة، حیث تم التحقیق معه مرات عدة قبل أحداث 11 سبتمبر/أیلول 2001، خاصة بعد أن أصبح هناک نشاط للمخابرات الفرنسیة فی لندن، والتی کانت تراقبه -کما یقول- ومارست ضغوطا على السلطات البریطانیة لوقف خطبه ودروسه فی صالة فور فیثرز، ونجحت الضغوط بعد أن اعتذر صاحب القاعة عن إکمال عقده معنا بعد تسع سنوات کاملة من العمل فی قاعته.
السلطات البریطانیة ضیقت على أبی قتادة بعد هجمات 11 سبتمبر (الفرنسیة)

13 عاما
یتحدث أبو قتادة عن بدء التضییق الفعلی علیه بعد أحداث سبتمبر/أیلول التی یقول إنها غیرت وجه العالم ومنها لندن، وقال "تم وضع القانون السیئ الذکر عام 2001 الذی یمنح بریطانیا حق سجن أی شخص ومحاکمته بالأدلة السریة، وسمی هذا القانون بقانون أبی قتادة، ولم تتمکن بریطانیا من إثبات أی تهمة ضدی، وأصر الشباب على أن أختفی، واختفیت داخل بریطانیا عشرة شهور، وحاولت فعلا أن أخرج من بریطانیا ولم أفلح".

وأردف "بعدها عرفت أن لا جدوى من الاختفاء خاصة أن المعرکة کانت ستطول، ولم أتمکن من مغادرة بریطانیا، والأمر الثالث کانت المسؤولیة کبیرة على الإخوة الذین أتنقل فی بیوتهم، والشیء الرابع کان التهم التی رددتها الصحف الأمیرکیة والفرنسیة بأن المخابرات البریطانیة هی من یخفینی، فصرت أتحرک تحرکات مکشوفة وخاصة عبر البیانات على شبکة الإنترنت، إلى أن تم اعتقالی عندما حضر الأمن ذات لیلة وکسر باب البیت الذی کنت فیه وتم اعتقالی".

ویختم أبو قتادة "مکثت فی رحلة الاعتقال والمحکمة الأوروبیة لحقوق الإنسان مدة 12 عاما، وأخیرا جئت للأردن بعد مذکرة قضائیة أردنیة بریطانیة فی یولیو/تموز 2013 واعتقلت مدة ٢٦ شهرا أعیدت خلالها محاکمتی بقضیتی الإصلاح والتحدی والألفیة اللتین حکم علی غیابیا فیهما بالسجن، وصدرت قرارات برائتی فی سبتمبر/أیلول من العام الجاری 2014". 

المصدر : الجزیرة

الكلمات الرئيسة: أبوقتادة الفلسطینی
رایکم
الاسم:
البرید الإلکتروني:
* التعلیق: