وکالة الدفاع المقدس للأنباء: لقد أدّت الصّواريخ الباليستية دورًا مهمًا في معارك القرن الحادي والعشرين، وهذه الصّواريخ هي التي تحدّد إلى حدّ كبير مصير الحرب بين دولتين.

تُعدّ الصّواريخ متوسّطة المدى والعابرة للقارات أحد المكوّنات والعناصر المهمة في قدرة الردع للدول القويّة في العالم، حيث يمكنها في حال نشوب معركة أن تصيب مراكز مهمة في دولة الهدف في نقاط بعيدة بسرعة وقوّة عاليتين.
أحد الصّواريخ الذي أظهر قوّته بجدّية في السنوات الأخيرة هو الصّاروخ الباليستي العابر للقارات "يارس" المعروف أيضًا باسم "آر إس-24". في هذا التّقرير سنتناول خصائص هذا الصّاروخ القوي.
الصّاروخ العابر للقارات "آر إس-24 يارس"
صاروخ RS-24 يارس، المعروف أيضًا باسم الصّاروخ الباليستي العابر للقارات يارس، هو أحد أكثر الصّواريخ تقدّمًا في الترسانة الاستراتيجية الرّوسية. تمّ تطوير هذا الصّاروخ لتعزيز الردع النّووي في فترة ما بعد الحرب الباردة، ويجمع بين حركيّة عالية وقدرة على حمل رؤوس متعدّدة وقدرة على النّجاة في مواجهة أنظمة الدّفاع الصّاروخي.

دخل يارس الخدمة عام 2010، وأصبح منذ ذلك الحين عماد قوّات الصّواريخ الاستراتيجية الرّوسية. يتمتّع هذا الصّاروخ بالقدرة على الإطلاق من منصّات إطلاق تحت الأرض (الأنفاق) وكذلك من أنظمة إطلاق متنقّلة على الطّرق. ما يجعل صاروخ "يارس" مهمًا هو استخدامه لتقنية MIRV (رؤوس حربية مستقلة قابلة للتوجيه بشكل منفصل). تتيح هذه التّقنية لإطلاق واحد أن يحمل عدّة رؤوس نووية إلى أهداف مختلفة. تزيد دقّة "يارس" العالية، إلى جانب أنظمة التوجيه الحديثة، من احتمال اختراق دفاعات العدو بنجاح حتّى في ظلّ ظروف حرب نووية.
في الأشهر الأخيرة، عاد إطلاق "يارس" إلى مركز اهتمام وسائل الإعلام. أظهرت تقارير استخباراتية أوكرانية في مايو 2025 أنّ روسيا كانت تنوي إطلاقًا تدريبيًا قتاليًا لهذا الصّاروخ، على الرغم من أنّه قيل إنّ الإطلاق إمّا فشل أو تمّ إلغاؤه. سواء كان بسبب عطل تقني أو اعتبارات استراتيجية، فإنّ هذا الحدث يشير إلى الوزن الجيوسياسي للصّاروخ الاستراتيجي "يارس"؛ ليس فقط كسلاح، ولكن كأداة لإيصال رسالة سياسية.
مواصفات الصّاروخ الاستراتيجي "يارس"
صاروخ يارس هو نتاج عقود من تطوير الصّواريخ الاستراتيجية في الاتحاد الرّوسي، وصُمّم بهدف تحديث الردع النّووي والتغلّب على أنظمة الدّفاع الصّاروخي المتطوّرة. اسمه الرسمي هو "آر إس 24 يارس"، وهو صاروخ عابر للقارات. يارس هو صاروخ ثلاثي المراحل يعمل بالوقود الصّلب، ويُعتبر تطوّرًا للنّسخة الأقدم توبول-إم. الفرق الرّئيسي بينه وبين الصّاروخ الشّهير "توبول" هو قدرة MIRV. على عكس توبول الذي كان يحمل رأسًا واحدًا فقط، يحمل يارس عدّة رؤوس حربية مستقلة، ممّا يزيد من قدرته القاتلة وقدرته على النّجاة من الاعتراض.
تُظهر تقارير "ميلتاري ديفينس" وبعض وسائل الإعلام العسكرية الغربية أن آر إس-24 هو صاروخ أثقل من "إس إس-27 مود" أي "توبول-إم" الحالي، وتشير بعض التقارير إلى أنّه يمكنه حمل ما يصل إلى 10 رؤوس حربية مستقلة قابلة للتوجيه. نُشر خبر اختبارات عام 2007 لهذا الصّاروخ كردّ على الدرع الصاروخي الذي خطّطت الولايات المتحدة لنشره في أوروبا. تمّ نشر آر إس-24 بشكل عملياتي بدءًا من عام 2010، وأصبح أكثر من 50 منصة إطلاق جاهزة للعمل بحلول يونيو 2017. يتمتّع صاروخ يارس، بمدى يتراوح بين 11 إلى 12 ألف كيلومتر، وسرعة تبلغ حوالي 20 ماخ، ووقود صلب، ودقّة تبلغ حوالي 150 مترًا، وتوجيه بالقصور الذاتي، بقدرة على إصابة الأهداف من مسافات بعيدة جدًا وبقوّة عالية.
في يونيو 2008، أعلن "يوري سولومونوف" المصمّم الرئيسي في معهد موسكو للتكنولوجيا الحرارية، أن آر إس-24 هو صاروخ مطوّر عن صاروخ توبول-إم وذو قدرة على استهداف أهداف متعدّدة بشكل مستقل (MIRV)، وقد اجتاز جميع الاختبارات في ذلك العام. كما أكّد الجنرال "أندريه شوايتشينكو"، القائد آنذاك لقوّات الصّواريخ الاستراتيجية الرّوسية، في مقابلة مع وكالة أنباء إيتار-تاس في 10 أكتوبر 2009، نشر آر إس-24، موضحًا أنّ هذه الصّواريخ تدعم مجموعة الصّواريخ الحالية آر تي-2 بي إم توبول-إم (آر إس-12 إم 2).
اختبر الجيش الرّوسي هذا الصّاروخ بنجاح في وحداته خلال مناورات عام 2017. وذكرت "بيزنس إنسايدر" في تقرير لها في العام نفسه، أنّه تمّ إطلاق الصّاروخ العابر للقارات المجهّز بالوقود الصّلب المسمّى "آر.إس-24 يارس" بنجاح من قبل وحدات إطلاق متنقّلة تابعة لوحدة صواريخ الجيش في تمرين عسكري. وفقًا للتقرير، بلغت المسافة بين موقع إطلاق الصّاروخ ونقطة سقوطه أكثر من خمسة آلاف ميل.

هل تستفيد وحدات الصّواريخ الإيرانية من الصّاروخ العابر للقارات "يارس"؟
تحاول بعض وسائل الإعلام الغربية أن توحي بأنّ إيران لا تملك أيّ صناعة خاصّة بها، وأنّ جميع صناعاتها العسكرية مستوردة؛ في حين أنّه بالإضافة إلى روسيا، قامت الولايات المتحدة الأمريكية بنسخ نماذج من الطائرة المسيّرة الإيرانية "شاهد 136". يقول "سكوت ريتر"، المحلّل السياسي والعسكري الأمريكي في هذا الصّدد: "كنت دائمًا أقول لنفسي: إذا كانت روسيا صديقة لإيران، فلماذا لا تعطيها صاروخ 'يارس Yars'؟!" ثمّ ادّعى قائلًا: "قال الإيرانيون: إنّنا نملك هذا الصّاروخ؛ ولكن ليس بهذا الاسم؛ اسم ذلك الصّارخ في إيران مختلف؛ لكن بنفس القوّة، وإسرائيل لا تملك أيّ دفاع ضده... لا شيء!"
بغضّ النّظر عن صحّة هذا الادّعاء أو زيفه، فإنّ النّقطة الجديرة بالتأمّل هي أنّه إذا كان هدف إيران هو الأراضي المحتلة (إسرائيل)، فهي لا تحتاج إلى هذا الصّاروخ؛ فهناك صواريخ فرط صوتية قوية مثل "فتاح" و"خيبرشكان" وهي صواريخ اجتازت اختبارها في الحرب التي استمرّت 12 يومًا وأظهرت أنّه لا يوجد درع يمكنه التصدي لها. كما تمتلك إيران صاروخ "قاسم بصير" الذي يمكنه، لاستهداف إسرائيل، إصابة الأهداف بدقّة عالية جدًا دون أدنى خطأ. وبناءً على ذلك، فإنّ امتلاك صاروخ "يارس" أو عدم امتلاكه، وبدقّة 150 مترًا، قد لا يكون ذا أهميّة كبيرة.
نقطة أخرى بشأن ادّعاء "سكوت ريتر" الجدير بالتأمّل، هي أنّ إيران حتّى الآن، ومن خلال الكشف عن صواريخها الباليستية، لم تعرض أيّ صاروخ يشبه صاروخ "يارس"؛ إلا إذا كان هذا الصّاروخ من بين الصّواريخ التي توضع على منصّة الإطلاق في أوقات الحاجة وعند الضرورة، ويتمّ إطلاقها نحو الأراضي المحتلة.
انتهی/