تم التحدیث فی: 07 June 2020 - 07:10
ستدرِّبُ السعودیة الجیش الحر، هکذا یقول الخبر، ولو أن وزیر خارجیة السعودیة الأمیر سعود الفیصل نفى الأمر أکثر من مرّة وعبر صحفٍ سعودیة عدة (عکاظ وغیرها) لکن مسألة نشره فی «واشطن بوست» و»نیویورک تایمز» یقودنا إلى التأکد من أن الخبر صحیح.
رمز الخبر: ۶۰۲۷۴
تأريخ النشر: ۸ ذی الحجه ۱۴۳۵ - ۱۴:۰۲ - 02October 2014

حب محرّم: المملکة والجیش الحر!

عبدالرحمن جاسم

ستدرِّبُ السعودیة الجیش الحر، هکذا یقول الخبر، ولو أن وزیر خارجیة السعودیة الأمیر سعود الفیصل نفى الأمر أکثر من مرّة وعبر صحفٍ سعودیة عدة (عکاظ وغیرها) لکن مسألة نشره فی «واشطن بوست» و»نیویورک تایمز» یقودنا إلى التأکد من أن الخبر صحیح. وعلى عادة الساسة فی البلاد العربیة، یصدقون أمام الصحف الغربیة (الناطقة بأیة لغة غیر العربیة) ویکذبون ملء شدقیهم أمام تلک الناطقة بالعربیة. لکن ما کان غریباً ولا بد هو التساؤل الحقیقی: لماذا عادت المملکة إلى الدور الذی کانت علیه إبان حرب الخلیج الأولى فی تسعینیات القرن الماضی، وبدلاً من عدائها المباشر لعراق صدام حسین، تعادی وبالقوة نفسها سوریا بشار الأسد؟
السؤال الأکثر أهمیة بالتأکید هو لماذا تسمح السعودیة لجیشٍ أجنبی بالتدرّب على أرضها، وهو الأمر الذی لم تسمح بحدوثه من قبل إلا للجیش الأمیرکی (وقوات تحالفه) سابقاً وذاک أمرٌ یختلف جملةً وتفصیلاً. فالجیش الأمیرکی کان جیشاً للحمایة والدفاع والهجوم، أما فی حالة الجیش الحر فإن الموضوع ذو أبعادٍ أخرى تماماً. فالسعودیون الذی یفضلون عادةً أن یدفعوا لأیة دولةٍ أخرى کی تحمل «الهم» عنهم لم یجدوا أی عونٍ فی هذه المسألة. ماذا عن مصر؟ السیسی لا یزال یتلقى التقریع «الشعبی» حتى اللحظة على موقفه المتردد وغیر الواضح من غزّة، فهو نفذ کل ما طلب منه «أمیرکیاً /سعودیاً»، إلا أن الشارع المصری لا یزال لمّا یفهم لماذا لم یحمِ الجیش المصری غزّة بعد تصریحات «الجنرال» الشهیرة إبان انتخابه بأن الموضوع «فرکة کعب ونصبح هناک»؟ ماذا لو استضاف الجیش الحر لیدربه؟ الجنرال أوضح للسعودیین أکثر من مرةٍ وبکل بیان: لا أستطیع تحمّل أی ضغطٍ خارجی من هذا النوع. فمراکز التدریب هذه ستعج بالقادمین والذاهبین، وهذا یزید من شعور الشارع المصری بأن بلاده مع رئیسه الحالی أصبحت «نادیاً» أو «دکاناً» خلیجیاً لا أکثر ولا أقل.
ماذا عن لبنان مثلاً؟ یمکن احتضان مشروعٍ کهذا فی شماله حیث یمکن لحاضنةٍ شعبیة من نوعٍ ما استقبال تلک «المعسکرات» مع غض البصر من قبل السلطات الحاکمة (أیاً کانت) وبالوقت نفسه تکون المعسکرات قریبةً من سوریا وجاهزة للانضمام للمعارک سریعاً. لبنان أیضاً بدا بعید المنال، فالحاضنة الشعبیة «السنیة» کما یحلو للبعض تسمیتها، فقدت کثیراً من قوتها بعد الهزائم المتعددة للمعارضة السوریة، فضلاً عن تفککها إثر صراعات تلک القوى مع بعضها، بدءاً من صراع الجیش الحر مع بعضه (أو مع القوى الإسلامیة) أو صراع جبهة النصرة مع داعش من جهة أخرى. أضف إلى ذلک أن «الحاضنة الشعبیة نفسها» لا تمیل أبداً للحر، بل تفضّل علیه الحرکات الإسلامیة کداعش والنصرة، بالتالی أبعد لبنان من الصورة نهائیاً.

ماذا عن الیمن؟ کلا، الأمر لیس ممکناً البتة؛ فالحوثیون یعرقلون أی شیءٍ مشابه، ماذا عن البحرین؟ لا یمکن تطبیقه فی ظل الحراک الشعبی الحالی. أما دول المغرب العربی؟ فهی بعیدةٌ وبالتأکید لا یمکنها الدخول فی مهاتراتٍ کهذه. على الجانب الآخر ظلت المملکة معتقدةً بأنّها تستطیع أن تجعل الأتراک یتحملون هکذا «معسکرات» سواء عبر لعبة «المال» أو عبر لعبة «غض البصر» السیاسی. ترکیا أردوغان التی تجید دائماً اللعب على التناقضات والحبال، لم تجد السعر المناسب بعد کی توافق على هکذا «خیار»، فکل ما قدمه وسیقدمه السعودیون یمکن للترکی الحصول علیه من الأمیرکی مبشرةً. مال؟ قطر یمکن أن تقدمه بضوابط خاصة وعلاقاتٍ أکثر خصوصیة، نفوذ داخل مصر؟ یمکن للأمیرکی أو للصهیونی تقدیمه حال قدمت ترکیا تنازلات معینة للدولة العبریة، ماذا إذاً عن رضا سعودی عن الإخوان المسلمین؟ وإعادتهم إلى مکانتهم الأولى سیاسیاً؟ لکن من قال بأن أردوغان یرید هذه الورقة الآن؟ الواضح أنه لا شیء لدى السعودی یمکنه أن یغری ترکیا بالموافقة على تلک «المعسکرات» على أرضها.
یوافق السعودیون على مضض على تلک المعسکرات، وقد لا یعلنون عنها البتة، ولکنها ستحدث، کیف؟ لأن الأمیرکی لن ینزل إلى الأرض «القذرة» (التعبیر الأمیرکی لأرض المعارک) کی یحارب بنفسه، والسعودی کذلک، إذاً یجب أن یکون هناک «ضحایا» حال احتیاجها، أما رأس الحربة فیمکن الحصول علیه من الشرکات الخاصة التی ستتولى المملکة دفع «المال» کبدلات لخدماتها، فالحر کما هو معروف عنه لا یمتلک بأساً قتالیاً خارقاً، أو تنظیماً، أو حتى تدریباً یستحق الحدیث عنه، بالتالی فإن أی مواجهة مباشرة مع داعش (أو أی جهة محترفة قلیلاً) ستکبده خسائر بالجملة، وتجعل الهجوم البری مستحیلاً، لکن إذا ما أضفنا غطاء جویاً کاملاً، مع قصفٍ صاروخی دقیق، وقیادة محترفة، وبعض «فرق» خاصة للتدخل السریع، یمکننا القول بأن الأمور قد – ویجب الترکیز ههنا على کلمة «قد» - تکون فی مکانها الصحیح أمیرکیاً. ویبدو أن هذا الطموح «السعودی/ الأمیرکی» هو أقرب السیناریوهات المتوقعة بحسب مراکز دراساتٍ کثیرة.
لکن ماذا عن «المفاجآت» غیر المتوقعة؟ ماذا عن عدم انضباطیة الجیش الحر المعروفة سواء داخل معسکراته أو خارجها؟ ماذا عن قیادته الهشة والتی یعرف عنها سهولة «شرائها» بالمال وصراعها الدائم على «نفوذٍ» أشد. إذ لم یشهد الحر أی قائدٍ حقیقی، ما عدا قیاداتٍ اسمیة یجرى التخلّص منها بسرعة وبهدوء من دون أن یتضایق أحدٌ أو یتأثر حتى البنیان «الوهمی» للجیش الحر نفسه. هل ستتحمّل المملکة سلوکات رجالٍ مسلحین یجولون بأعتدتهم داخل المملکة؟ کیف یمکن التفاهم مع «مقاتلین» من نوع کهذا، خصوصاً مع تجاربٍ مماثلة «للمسلحین» الخارجین عن إطار الدولة الحاکمة فی کثیرٍ من الدول العربیة المجاورة.
فی إطارٍ آخر یکمن سؤالٌ شدید الخطورة: ماذا عن «السلطة» الدینیة فی المملکة؟ یعرف الجمیع بأنّ تلک السلطة تحکم فعلیاً، بینما یهتم «أبناء عبد العزیز» بالأمور السیاسیة الخارجیة وشؤون عائلاتهم، فهل سیتقبّل أحفاد محمد بن عبدالوهاب وجود «سلطةٍ» ولو حتى «صغیرة» (أو قلیلة التأثیر) على أرضهم؟ حین تواجد الجیش الأمیرکی على الأراضی المقدّسة، تعاملوا معه على أنه جیشٌ «کافر» و»مرتزق» یجرى استخدامه، هکذا بهذه الحیلة تم تقبّل فکرته، لکن ماذا عن «الحر» هل سیتم دمغه بهذه الصفة کی یحتمله «المطاوعون»؟ أم أن الأمر لم یمر فی عقل أصحاب الفکرة تحت منطق أن «الحر» سیتدرب فی مناطقه بعیداً من أی تداخل «مدنی» من أی نوع؟ أو أنه تنظیمٌ مسلحٌ «مسلم» مقبول ویمکن احتماله؟ هل ستنطلی هذه الصبغة على وهابیی السلطة أم أنهم سیعرفون خلبیتها سریعاً؟
وفی انتظار ذلک؛ تبدو مملکة عبدالله السعودی مترنحةً للغایة أمام خیارٍ مرٍ بطعم العلقم، فهی فعلاً لا تریده، وحلیفها الأمیرکی لیس هو الضاغط الوحید لحدوثه بل هو «داعش» الذی تخشاه المملکة لأنه أولاً وآخراً: الابن المجنون «العاق» الذی لم تعد الأم قادرةً على تقییده!
* کاتب فلسطینی

المصدر: جریدة الأخبار
رایکم
الاسم:
البرید الإلکتروني:
* التعلیق: