تم التحدیث فی: 21 January 2021 - 02:31
نبذة عن حیاة القائد البطل، الشهید شمران/1
"أذکر أننی کنت أذهب إلى الجامعة، وکان الثلج یتساقط والجو بارداً، وتمرّ علیّ أیام ولم یکن لدیّ من النقود شیء، وکنت أقطع الطریق الطویل من المنزل إلى المدرسة مشیاً مما کان یستغرق أکثر من ساعة ونصف، وهو الأمر الذی کان یجعل یدیّ وقدمیّ تتجمدان من شدة البرد، غیر أننی لم أکن أطلب نقوداً من أحد."
رمز الخبر: ۶۰۴۵۵
تأريخ النشر: ۱۴ ذی الحجه ۱۴۳۵ - ۱۲:۲۹ - 08October 2014

ولادة، طفولة، ترعرع، و الإلتحاق بالجامعة

وجاء من اقصى المدینة رجل یسعى ... من حیث الرخاء أتى .. من حیث الحیاة الدنیا وزینتها أتى .. من بلاد الشهوات واللهو .. نفض غبار الملل والقعود ، واتبع الجهاد الذی یرفع صاحبه إلى مرتبة یفضله الله تعالى بها على القاعدین ، فی عینیه عناء المحرومین ، فی نظراته دموع الیتامى ، فی تواضعه موسى الصدر ، وفی جهاده أمل .

إنه الشهید القائد مصطفى شمران ، وکی نسجل فی التاریخ أننا أوفیاء لشهدائنا وقادتنا المجاهدین وکی لا ننساهم ، لأن سیرتهم تتصل بسیرة قائدنا المغیب السید موسى الصدر وجهاده ، وبتعالیم من الأخ الرئیس الحاج نبیه بری بتصمیم صفحة للشهید القائد مصطفى شمران تروی سیرة أبطال من تربوا فی أمل ، ودافعوا عن قضایا المحرومین فی العالم ... ولم یبدلوا تبدیلا.

وستبقى أمل بإذن الله تعالى حرکة اللبنانی نحو الأفضل .. ولن تهدأ مادام هناک محروم واحد .

أما بعد ..

ولادة قائد

ولد الشهید القائد مصطفى شمران عام (1933م) فی مدینة قم، ثم ما لبث أن انتقلت عائلته إلى طهران للعیش فیها بعد عام واحد من مولده. وکان الشهید القائد طفلاً محباً للعزلة غارقاً فی التأمل والتفکر متجنباً للصخب والضجیج ومستغرقاً فی مشاهدة جمال وجلال الطبیعة والوجود الإلهی. کما کان معجباً بالسماء وعاشقاً للنجوم المتلألئة. وبعد أن أنهى دراسته الابتدائیة فی مدرسة (انتصاریة) بالقرب من (پامنار) فانه انتقل إلى ثانویة دار الفنون، ثم قضى العامین الأخیرین فی ثانویة (البرز) دون مصاریف دراسیة، وکان تلمیذاً ممتازاً على طوال هذه المرحلة. کما کان یتمیز بالرقةوالحساسیة المفرطة، ویتألم من صمیم قلبه لآلام المحرومین ویشارکهم عناءهم بعواطفه المستفیضة. ولقد کتب هو فی مذکراته مصوراً تلک الفترة من حیاته، فقال: 

"عندما کنت عائداً تحت جنح اللیل المظلم، شاهدت شخصاً فقیراً یرتجف من البرد القارس وسط ثلوج الشتاء، غیر أنه لم یکن بإمکانی أن أعد له مکاناً دافئاً، فقررت أن أقضی تلک اللیلة مثله أرتعش من البرد بعیداً عن المأوى، وقد فعلت؛ فقطعت اللیل حتى الصباح وأنا أرتجف من شدة البرودة لدرجة أننی أصبت بالمرض الشدید، وما أجمله من مرض". 

"عندما رسب أحد زملائی فی الامتحان أخذت أذرف الدموع بحرارة لدرجة أنه شعر بالألم الشدید، فأخذ یهدئ من روعی قائلاً: لیس مهمّاً، لا تحزن إلى هذه الدرجة". 

 
الالتحاق بالجامعة

وفی عام 1332هــ.ش التحق الشهید القائد مصطفى شمران بالکلیة الفنیة فی جامعة طهران وبدأ دراسته فی قسم الهندسة الکهربائیة، ولمّا کانت تلک الفترة متزامنة مع مرحلة الانقلاب فإنه اضطلع بالنشاط الواسع فی النضال السیاسی الشعبی والتظاهرات الخطیرة المناوئة للنظام الملکی. 

فحیثما کان الألم والعناء والعمل والمسؤولیة والمشاکل والمخاطر، کان الشهید القائد حاضراً؛ فکان یرکب الخطر وسط التظاهرات العارمة وأمام الإطلاقات الناریة وفی مواجهة الدبابات وفی خضم المسؤولیات الکبرى، وکان دائماً ما یعرض نفسه للخطر من أجل إنقاذ حیاة زملائه. لم یکن یشارک فی مراسم الأفراح والمسرات، وکانت سعادته الکبرى فی إسعاد الآخرین وتحمل آلامهم، لدرجة أنه کان یشعر بالضیق والقلق عندما تسترعیه الضرورة لحضور أحد الأفراح، لأنه کان دائم التفکیر فی شقاء البؤساء والمحرومین من مثل هذه المتع والمباهج. 

ومع انخراطه الکامل فی کل هذه المشاکل ومشارکته الفعالة فی میادین الصراع السیاسی والاجتماعی ألاّ أنه تخرج من الجامعة بدرجة ممتاز وکان الأول على دفعته حتى إن أساتذة وطلاب تلک الکلیة ظلوا یتناقلون اسمه على ألسنتهم عدة سنوات؛ ویقول الشهید القائد مصوراً مشاعره وعواطفه فی تلک الأیام: 

"أذکر أننی کنت أذهب إلى الجامعة، وکان الثلج یتساقط والجو بارداً، وتمرّ علیّ أیام ولم یکن لدیّ من النقود شیء، وکنت أقطع الطریق الطویل من المنزل إلى المدرسة مشیاً مما کان یستغرق أکثر من ساعة ونصف، وهو الأمر الذی کان یجعل یدیّ وقدمیّ تتجمدان من شدة البرد، غیر أننی لم أکن أطلب نقوداً من أحد. وکان والدی کثیراً ما یلحّ علیّ بإعطائی النقود ولکنی لم أکن لأقبل ذلک، حیث کان من العسیر علیّ جداً أن أتقبل شیئاً من أحد، ولاسیما عندما کنت أتعرض للضغوط الشدیدة مع قسوة الحیاة. وظل هذا الإحساس ینمو ثم یلقی بظلاله على کل حیاتی ویؤثر بشکل فلسفی عمیق على شتى أفکاری وأفعالی". 

لقد کان الشهید القائد یمارس التدریس منذ الصغر ویسدّ بعض حاجیاته من ذلک الطریق؛ لقد کان عبقریاً فی الریاضیات وخصوصاً فی الهندسة لدرجة لا یشق له فیها غبار، وعندما کان الاستاذ یعرض حلاً لإحدى المسائل کان هو سرعان ما یعرض حلاً أفضل. وعلاوة على ذلک فإنه کان یحضر درس تفسیر القرآن الکریم لدى المرحوم آیة الله الطالقانی فی مسجد (هدایت) کما کان یحضر دروس الفلسفة والمنطق عندما کان طالباً جامعیاً لدى الأستاذ الشهید آیة الله مرتضى المطهری، وکان عضواً نشطاً فی اتحاد الطلبة المسلمین عندما کان یتهم المسلم المتدین بالرجعیة والتخلف. ومع أن الجامعة فی تلک الفترة کانت خاضعة للسیطرة السیاسیة الشیوعیة من جانب حزب (توده) وعندما کان مسجد الجامعة لا یتجاوز حجرة صغیرة مهملة فی الکلیة الفنیة لا یدلف إلیها ألاّ قلة من الطلبة مع الکثیر من الخوف جراء ما یمارس ضدهم الیساریون من إهانة وتصفیة سیاسیة، ألاّ أنه کان أحد الذین أضفوا رونقاً وبهاءً على ذلک المصلى بحضورهم المتواصل، لدرجة أن أول کلیة استطاعت أن تعبئ قواها الدینیة والوطنیة ضد قواعد الیساریین (أعضاء حزب تودة) وتقضی علیها فی اتحاد الطلاب کانت فی الواقع هی الکلیة الفنیة فی جامعة طهران. 

وبعد الحرکة الانقلابیة فی الثامن والعشرین من شهر مرداد وتأسیس جمع من رجال الدین والسیاسة لنهضة المقاومة الوطنیة، فإنه أصبح ممثل الکلیة الفنیة فی هذه النهضة. وعندما وقعت تلک الحادثة الدمویة فی السادس عشر من شهر آذر سنة 1333هــ.ش التی أطلق خلالها جلاوزة الشاه الرصاص على الطلبة فقتلوا ثلاثة منهم فی ممرات الکلیة الفنیة لدى قدوم الرئیس الأمریکی نیکسون، فإن الشهید القائد کان أحد الذین أصیبوا بجراح طفیفة فی ذلک الیوم. کما کان هو الذی کتب مقالاً فی ذلک الزمان وصور فیه شتى أبعاد ومشاهد حادثة یوم السادس عشر من آذر، وهو ذلک المقال الذی نُشر فی أمریکا فیما بعد فی مطبوعة بنفس هذا الاسم. وفضلاً عن کفاءته الدراسیة والعلمیة العالیة فإنه کان یتمتع أیضاً بذوق فنی وحس عرفانی ممتاز. فخطه الجمیل ورسومه الرائعة وکتاباته السلسة وکذلک خصوصیاته العقائدیة البارزة فی قوله وسلوکه تجعله متمیزاً عن أترابه منذ شبابه المبکر. ومع أنه کان یبدو نحیفاً ألاّ أنه کان یبز أقرانه فی المصارعة والریاضة المیدانیة. ولهذا فإنه کان یحب المصارع البطل (تختی) وکتب مقالاً تجلیلاً له بعد موته تحت عنوان (المصارع الشهم تختی).

یتبع...

المصدر: موقع حرکة أمل

الكلمات الرئيسة: الشهید شمران
رایکم
الاسم:
البرید الإلکتروني:
* التعلیق:
الأکثر قراءة