تم التحدیث فی: 18 May 2020 - 07:36
لم تکن السی آی إیه مجرد وکالة لجمع المعلومات، وإنما خاضت على مدى ستة عقود حتى نهایة الحرب الباردة وبعدها، حرباً سیاسیة غیر معلنة (undeclared political warfare) فی أرجاء الشرق الأوسط للتصدی للنفوذ السوفیاتی والدفاع عمّا اعتُبِر مصالح لأمیرکا.
رمز الخبر: ۶۱۵۰۶
تأريخ النشر: ۲۴ محرم ۱۴۳۶ - ۱۷:۵۸ - 16November 2014

تاریخ استهداف المشرق العربی من قبل الغرب وأمیرکا

ألبر داغر
فی نص صدر عام 2011، قدم هینبوش عرضاً لموقع «الشرق الأوسط» فی التراتبیة الدولیة، تحت عنوان «الإمبریالیة والمقاومة»، مستخدماً فی ذلک المقاربة البنیویة فی میدان العلاقات الدولیة، بعد إضافة اقتباسات وعناصر من نظریات أخرى. وقد استخدم هذه المقاربة البنیویة «المحدثة» لتعیین موقع بلادنا، کأرض مستهدفة بالعدوان الخارجی الدائم، منذ التاسع عشر وحتى الآن.

تعریف التراتبیة

بیّن هینبوش أن النظریة الواقعیة التی ترى العالم والعلاقات الدولیة کنایة عن فوضى عارمة، لا تعکس واقع العالم الفعلی، بل إن هذا الأخیر ینم عن وجود تراتبیة داخل الفوضى تتمثّل بالتحدید فی وجود بلدان مسیطرة تقود العالم کما سبقت الإشارة، مثّلتها بریطانیا من التاسع عشر إلى الحرب العالمیة الثانیة، ثم الولایات المتحدة مذ ذاک. تعتمد «البنیویة» مفهوم الإمبریالیة ونظریة المرکز والأطراف ونظریة التبعیة، لفهم الطریقة التی تم بها استیعاب مناطق الاطراف ومنها المنطقة العربیة ضمن منظومة التراتبیة الدولیة (هینبوش، 2011: 213). ویعود لها استخدام مفهوم التراتبیة لإظهار حالة عدم التکافؤ الجوهری بین الدول على المستوى العالمی، التی تعود إلى عدم تکافؤهم فی التحکم بالفائض الاقتصادی الذی یحقّقه العالم (هینبوش، 2011: 214). حالة عدم التکافؤ هذه تعود إلى الاختلاف الحاسم على صعید اکتساب المقدرة التکنولوجیة وتطویر القدرة الإنتاجیة بین دول المرکز ودول الأطراف. وقد نجم عن ذلک انعدام توازن فادح على الصعید العسکری بینهما. أتاح انعدام التوازن هذا لدول المرکز أن تسیطر على المجتمعات التقلیدیة وتنهبها. عیّنت «نظریة المنظومات العالمیة» مع فالرشتاین دور الدولتین المسیطرتین اللتین کانتا تباعاً إنکلترا والولایات المتحدة، فی استیعاب مناطق الأطراف ضمن المنظومة الرأسمالیة، بالقوة العسکریة أولاً، وباستقطاب (cooptation) النخب المحلیة. تم ذلک على أساس تقسیم دولی للعمل، احتکرت فیه دول المرکز إنتاج السلع المصنّعة وفرضت على الأطراف التخصّص بإنتاج المواد الأولیة التی تحتاجها. نجم عن ذلک تفاوت فادح فی الثروة بین الطرفین.
رأى هینبوش أن ضعف المقاربة «البنیویة» جاء فی السابق من أنها، مثلها فی ذلک مثل النظریة الواقعیة، جعلت الخارج العنصر الوحید المحدّد لمصائر بلدان العالم النامی، وتجاهلت الدور الذی تلعبه القوى المحلیة، أی النخب والدول المحلیة وسیاساتها فی رسم صورة الواقع. اقتضى بالتالی إیلاء العنصر الآخر فی التراتبیة على المستوى العالمی، أی ارتباط نخب ودول العالم الثالث بعلاقة استزلام تجاه القوى العظمى (client state) والأدوار التی تلعبها هذه النخب (client elite) الأهمیة التی تستحقها (المصدر نفسه: 215). احتاجت هذه النخب التی جعلها استتباعها من قبل القوى العظمى تفقد شرعیتها عند شعوبها، إلى الحمایة التی توفرها لها دول المرکز. أصبح بقاؤها فی السلطة منوطاً بذلک. ولجأت الدولة المسیطرة إلى استخدام القوة على الدوام لحمایة هذه النخب، وللتصدی للقوى التی تناوئها، ولمنع تشکّل قوى إقلیمیة تتحدى سیطرتها (المصدر نفسه: 216). تسارع إلحاق دول الغرب لمناطق العالم الأخرى بها خلال التاسع عشر، إن کمصادر للمواد الأولیة أو کأسواق لتصریف منتجاتها، أو کدول تستوعب رأس مالها الفائض على شکل قروض. کان المشرق العربی ضحیة عملیة الاستتباع هذه. استعرض هینیوش الأدبیات التی تختصر تجربة هذا الأخیر تحت عناوین ربطه بالغرب کاقتصاد تابع وتجزئته وتعریضه للعدوان الخارجی الدائم. وبرزت فی عرضه للأدبیات أسماء لامعة کـ روجر أوین وشارل عیساوی وسمیر أمین وعباس النصراوی وغیرهم.

 

ربط المشرق العربی بالغرب کاقتصاد تابع

فرضت إنکلترا والدول الأوروبیة الأخرى على السلطنة العثمانیة اتفاقیات تجاریة فتحت بموجبها أسواق هذه الأخیرة أمام الواردات الغربیة، وجنّدت منتجی المواد الأولیة الزراعیة فیها لخدمة أسواقها. ضرب تحریر التبادل المفروض قسراً إمکانیة تشکّل سوق داخلیة والشروع بعملیة «تصنیع متأخّر» على مستوى السلطنة، لأنه ترک المنتجین تحت رحمة المستوردین، وحال دون دعم الدولة لهم، بالحمایة الجمرکیة على الأقل. تبعت ذلک مرحلة استغلال السلطنة وأقالیمها بواسطة القروض التی وفرها لها الأوروبیون. کان فلاحو مصر هم من یسدّد القروض. وحین انتفضوا على ذلک الواقع، احتلّت إنکلترا بلادهم عام 1882. کانت نسبة 80 % من الضرائب التی تحصّلها السلطنة من بلاد الشام تذهب لخدمة الدین العام العثمانی، التی کانت تبتلع نصف الموازنة السنویة للدولة (المصدر نفسه: 218).
ثبّتت الدول الأوروبیة المنتصرة فی الحرب العالمیة الأولى طابع المشرق العربی کاقتصاد زراعی تقلیدی، یُنتِج مواد أولیة للتصدیر. وربطت أفراد النخب المحلیة بها من خلال تثبیت ملکیة الأرض لهم. وربطت لاحقاً نخب المناطق التی ستصبح منتجة للبترول بها بالطریقة ذاتها.

 

التجزئة

کان التطور الأکثر خطورة بعد الحرب العالمیة الأولى، تجزئة المشرق العربی إلى دول عدّة ورسم حدود مصطنعة بین مناطقه. أدى ذلک إلى إلغاء إمکان نشوء سوق إقلیمیة، وربط کلّ دولة بمفردها بالأسواق الغربیة. خلقت تجزئة المشرق العربی على ید الدول الاستعماریة دولاً صغیرة تستحوذ على منابع النفط وآباره، ودولاً کبیرة وفقیرة، ذات إمکانات وموارد بشریة تتیح لها بناء اقتصادات منتجة حدیثة. سوف تتکفّل حالة التجزئة هذه بتبدید الثروات النفطیة من خلال تصدیر الرسامیل المتولدة عنها إلى الغرب، وحرمان بلدان المنطقة التی تحتاجها منها. وهی خلقت حالة غبن وضعت على طرفی نقیض المستفیدین من التجزئة من أثریاء النفط، والدول التی حرمت من مداخیله. لا یتضّح مقدار سلبیة التجزئة التی تمّت وطابعها التدمیری إلا بالمقارنة. ذکر هینبوش کیف استطاعت الهند والصین أن تصونا أرثهما کإمبراطوریتین شاسعتین، وأن تمنعا تقسیمهما وتجزئتهما على النحو الذی حصل فی المشرق العربی (المصدر نفسه: 221).

 

التدخّل العسکری المباشر

سوف یجعل وجود النفط وخلق دولة إسرائیل عام 1948 من المشرق العربی ساحة تدخّل دائم فیه من قبل الدولة المسیطرة، مدعومة فی ذلک من قبل الدول الکبرى الغربیة. أحصى هینبوش 11 تدخّلاً عسکریاً مباشراً فی مناطق الشرق الأوسط المختلفة بین 1956 و1973، وأحصى 17 تدخلاً عسکریاً بین 1985 و1995 (المصدر نفسه: 222). واستعرض أشکال التدخّل الأمیرکی المختلفة ضد المشرق العربی. وهی اتخذت شکل الإتفاقیات المفروضة على الدول المستزلِمة لها، کـ «حلف بغداد»، وإثارة الخلافات وإشراع حرب باردة بین الأنظمة المحافظة التابعة لها وبین الجمهوریات الرادیکالیة التی حملت لواء الوحدة العربیة والخروج من التراتبیة المفروضة على المشرق العربی، بدءاً من 1952. کما اتخذت شکل إثارة الخلافات فی المنطقة بین من هم عرب ومن هم غیر عرب.
کانت ذروة التدخّل العسکری المباشر، الحرب ضد العراق عام 1990، التی أطاحت إمکان نشوء دولة إقلیمیة قویة (regional hegemon)، تُظهِر التجارب المختلفة أن وجودها هو شرط انتظام دول المنطقة فی مشروع یُخرِجها من التخلّف والتبعیة. اقترفت الولایات المتحدة بحربها على العراق عام 1990، الجریمة ذاتها التی اقترفتها إنکلترا قبل 150 عاماً، حین قادت حلفاً غربیاً ضرب عام 1840 مشروع محمد علی باشا فی تحویل مصر إلى دولة حدیثة وقطب إقلیمی (المصدر نفسه: 223). أنزلت إنجلترا جیوشها على الساحل اللبنانی، وهزمت إبراهیم باشا فی معرکة بحر صاف، وجعلته ینکفئ إلى مصر، وفرضت على محمد علی باشا التخلی عن عملیتی التصنیع وبناء الجیش اللتین کان قد حققهما على مدى ثلاثین عاماً من ذلک التاریخ. وأجبرته على اختصار دور مصر إلى دولة منتجة للمواد الأولیة الزراعیة المخصّصة للتصدیر إلى الغرب.
استطاعت الدولة المسیطرة بعد حرب 1990، أن تبسط أیضاً سیطرتها على منابع النفط فی الخلیج بشکل مباشر، کما فی عز الحقبة الاستعماریة، وأن تُعید الکیانات المصطنعة القائمة هناک إلى وضع محمیات فعلیة.
حفلت حقبة الحرب الباردة بأشکال من تدخّل الولایات المتحدة فی المشرق العربی غیر التدخّل العسکری المباشر. اعتمدت الولایات المتحدة العملیات السریة (covert actions) التی تعاطت بها مع العالم العربی بدءاً من خمسینیات القرن العشرین، واستراتیجیات الثورة-المضادة التی دفعت الأنظمة المستزلمة لها لاعتمادها، وخیار «التقسیم الإیدیولوجی» لحمایة الأنظمة والنخب التابعة لها.

حروب أمیرکا السریة

استخدم المؤرخ الأمیرکی دوغلاس لیتل وثائق الخارجیة الأمیرکیة التی اُفرِج عنها لاستعادة تجربة العملیات السریة التی قامت بها الاستخبارات المرکزیة الأمیرکیة فی أرجاء الشرق الأوسط والعالم العربی بدءاً من الانقلاب على مصدّق فی إیران عام 1952. لم تکن السی آی إیه مجرد وکالة لجمع المعلومات، وإنما خاضت على مدى ستة عقود حتى نهایة الحرب الباردة وبعدها، حرباً سیاسیة غیر معلنة (undeclared political warfare) فی أرجاء الشرق الأوسط للتصدی للنفوذ السوفیاتی والدفاع عمّا اعتُبِر مصالح لأمیرکا (لیتل، 2005: 664). تراوحت عملیاتها السریة بین محاولات تغییر الأنظمة القائمة بواسطة الانقلابات العسکریة، أو بافتعال انتفاضات ضدها، وباللجوء إلى تخویف أو شراء الرؤساء المعارضین لسیاساتها، واغتیالهم أحیاناً. لا شک فی أن الأنظمة العربیة التی لم تکن مستزلمة عند أمیرکا، کانت تخاف منها وتتحسّب لمؤامراتها أکثر مما تخاف من شعوبها. یرجّح لیتل ضلوع السی آی إیه فی اغتیال عدنان المالکی فی سوریا. وقد جعلت محاولات الولایات المتحدة المتکرّرة خلال الخمسینیات إحداث تغییر فی سوریا لمصلحتها، النخبة العسکریة تلجأ إلى عبد الناصر لتحقیق الوحدة (المصدر نفسه: 677). وکانت السی آی إیه على علم مسبق بکل الانقلابات ومحاولات الاغتیال التی تعرّض لها عبد الکریم قاسم فی العراق. وهی قرّرت منعه من الانعطاف أکثر نحو المعسکر السوفیاتی، وأرسلت له محارم یؤدی استخدامها للشلل (المصدر نفسه: 695). ووفّرت لفرق البعثیین فی مناسبة الانقلاب الدامی على قاسم عام 1963، لوائح اسمیة بالشیوعیین، مستغلة مناسبة الانقلاب لتصفیتهم (المصدر نفسه: 696). وحین توصلت إیران الشاه عام 1975 إلى اتفاق مع العراق، أوقفت السی آی إیه دعمها للبشمیرکة بعد أن کانت قد حرّضتهم على الثورة على الحکم فی بغداد، بطلب من الشاه. وحین سألت لجنة من الکونغرس کیسنجر عن مصیر 300 ألف کردی هربوا إلى العراء على الحدود الإیرانیة بعد تحرّک الجیش العراقی، أجابهم بأن العملیات السریة أمر مختلف عن البعثات الإنسانیة، وأنه لا ینبغی الخلط بین الاثنین (المصدر نفسه: 698). ولم تتوقف السی آی إیه لحظة بعد حرب الخلیج عن محاولة إسقاط صدام حسین. وکلّفت محاولة الانقلاب الفاشلة التی کانت تعدها، توقیف 800 ضابط عام 1996، أُعدِم ثلاثون منهم. واستخدمت مجدداً الأکراد لتشکیل ائتلاف ضد صدام فشل هو الآخر، وأدى إلى اعتقال 150 من أعضائه، وتهریب 600 آخرین إلى المنفى فی الولایات المتحدة (المصدر نفسه: 700).

 

الثورة المضادة للتصدی لموجة القومیة العربیة

استعاد بول تشامبرلن فی دراسة شیقة واقع الإدارة الأمیرکیة فی ظل نیکسون وکیسنجر مطلع السبعینیات (تشامبرلن، 2008). رأت تلک الإدارة نفسها معنیة بالتصدی لموجة الرادیکالیة، التی وجدت تعبیراً عنها بین الطلاب الجامعیین وفی الحرکات الاجتماعیة التی عمّت أنحاء العالم الثالث. ورأت «عقیدة نیکسون» وخطة هوستون» اللتین تمت بلورتهما أن استخدام الدین للتعبئة هو السلاح الأمضى فی وجه الرادیکالیة على المستویین المحلی والدولی (المصدر نفسه: 453). وکان فی تفکیر نیکسون وکیسنجر المشترک، أنه لا ینبغی الفصل بین ما هو محلی وما هو دولی، وأن حرکة التحرّر الفلسطینیة مثلاً والطلاب الیساریین الأمیرکیین مظهران للتحدی نفسه الذی یواجهه النظام الدولی وتواجهه سلطة الدولة داخل الولایات المتحدة (المصدر نفسه: 456). ورأت الإدارة الأمیرکیة أن الثورة-المضادة (counter-insurgency) هی الوسیلة لمواجهة التحدی الداخلی الذی تطرحه هذه الحرکات الاجتماعیة فی کل دولة بمفردها، وذلک بالتزامن مع مواجهتها للتحدی الداخلی فی بلادها بالذات (المصدر نفسه: 451). وقد جعل کیسنجر من «عقیدة نیکسون» مبدأً ناظماً للسیاسة الخارجیة لأمیرکا (المصدر نفسه: 450).
أظهرت قراءة تشامبرلن أن صعود الحرکات الأصولیة الدینیة المحافِظة فی الولایات المتحدة وفی مصر بدءاً من مطلع السبعینیات، جاء ردة فعل اعتمدتها الدولة ووفرت لها شروط نجاحها. وهی وجدت تعبیراً عنها فی السیاسة التی بدأها الرئیس السادات لجهة التحالف مع القوى المحافظة وفتح الباب لعودة «الإخوان المسلمین» من الخارج وتکوین مجموعات من الطلاب المنتمین إلى هذا التنظیم للتصدی بالسلاح للناصریین والیساریین داخل الجامعات (المصدر نفسه: 460). وقد استمرّت هذه السیاسة وترسّخت على مدى عقد السبعینیات. وهی کانت مرادفاً للدور الذی أعطاه نیکسون للمسیحیین الإنجیلیین، وللصعود اللاحق الذی حققه هؤلاء فی الولایات المتحدة (المصدر نفسه: 466). رأى تشامبرلن أن «صدام الحضارات» الذی طغى فی قراءة الواقع الدولی لحقبة ما بعد الحرب الباردة، لم یکن نتیجة أحقاد أملتها الاختلافات الثقافیة العمیقة بین الشرق والغرب، بقدر ما کان نتیجة لاستراتیجیة الثورة-المضادة التی اعتمدت، ووفرت فی بلدین کمصر والولایات المتحدة، نفوذاً کبیراً للقوى التی تستخدم الدین فی السیاسة (المصدر نفسه: 469).

 

أمیرکا وتجربة «التقسیم الإیدیولوجی» فی لبنان

تقاطعت مصلحة الولایات المتحدة فی ضرب حرکة التحرّر الفلسطینیة مع مصلحة نخبة الستاتیکو فی لبنان فی الحفاظ على النظام القائم، لإشراع الحرب الأهلیة عام 1975. استمرّت هذه الأخیرة 15 سنة من دون أن تجد أمیرکا نفسها محرجة بسبب دیمومة تلک الحرب من دون طائل أو تجد مبرّراً لدیها لوقفها. کانت انتفاضة ضحایاها من اللبنانیین خلال 1988-1990 هی ما أجبر الفرقاء الخارجیین الذی افتعلوا الحرب قبل 15 سنة على وضع حد لها. کان المشترک بین تدخَلی الولایات المتحدة فی حربی لبنان الأهلیتین فی 1958 و1975، هو عمل هذه القوة العظمى على حمایة النخبة الموالیة لها، لتستخدمها فی ما بعد فی تنفیذ أجنداتها الخاصة. عام 1958، تدخّلت أمیرکا بإنزال عسکری دام ستة أشهر، لمنع انتصار المعارضة، والإبقاء على النخب المستفیدة من النظام القائم على التقاسم الطائفی لمواقع السلطة. فهم الأمیرکیون منذ نهایة الأربعینیات أن الإبقاء على النظام القائم یحفظ النخبة المرتبطة بهم (غندزیر، 1998). الأمر نفسه تکرّر فی 1975. صانت الولایات المتحدة النخبة التی ستتولى تنفیذ الأجندات العائدة لها ولحلفائها.الأرجح أن النخبة المحلیة لم تکن لتذهب إلى خیار الحرب الأهلیة، لو لم توفر لها الأفکار المجرمة التی حملها کیسنجر والإدارات الأمیرکیة المتعاقبة، مسوغات إیدیولوجیة من نوع الانحیاز إلى أحد معسکری «الحرب الباردة» والتصدی لـ»الیسار الدولی». أشار المؤرخ کمال الصلیبی إلى «أن الأکثر عقلانیة بین الزعماء المسیحیین کان یمکن أن یقبلوا بإعادة صوغ «المیثاق الوطنی» بحیث یتضمّن تنازلات فی ما یخص الانتماء العربی للبنان، لکنهم کانوا یفضّلون «التقسیم» على إعادة صیاغة له تتضمّن الأخذ بمطالب الرادیکالیین»، أی «الیسار» (الصلیبی، 1976: 145). وفی أول عدد لها صدر فی باریس عام 1977، نشرت «النهار العربی والدولی» مقابلة مع رئیس حزب الکتائب، کان فحواها أن النصر المحقّق هو نصر ضد قوى «الیسار الدولی»، وهو نصر مُهدى إلى العرب أولاً (العمل الشهری، 1977: 9-22).
فی کتابها الرائع الذی خصصته لحرب البوسنة والهرسک واتفاقیة دایتون التی أنهت الحرب بالتقسیم، وضعت الباحثة رادا کومار تجربة التقسیم تلک، ضمن سیاق طویل من تجارب التقسیم التی حصلت خلال القرن العشرین، وطاولت بلداناً کالهند وإیرلندا وقبرص وفلسطین (کومار، 1997). بیّنت أن تجارب التقسیم على مدى ذلک القرن، کانت وراءها على الدوام القوى العظمى، خصوصاً انکلترا، وخضعت لقاعدة «التقسیم قبل الانسحاب» (divide and quit)، بعد أن کانت تلک القوى قد حضّرت الأرض لـ «التقسیم الاثنی» خلال فترة استعمارها لتلک البلدان، وفقاً لقاعدة «فرّق تسد» (divide and rule). برّرت القوى العظمى الذهاب إلى التقسیم بطریقتین مختلفتین، الأولى مستوحاة من مقاربة الرئیس الأمیرکی ویلسون تحت عنوان «حق تقریر المصیر»، والثانیة باعتبار أن التقسیم هو الحل الأقل ضرراً (a lesser evil)، لأنه ینجز بطریقة سلمیة ما سوف یصل إلیه المتنازعون، الذی یُفترض أنه لا یمکن التوفیق بینهم، بالحرب. أی لم تکن تجارب التقسیم التی حصلت مرّة نتیجة إرادة شعوب تلک البلدان فی»تقریر المصیر»، ولو أن القوى التی کانت وراءها تحجّجت بذلک. وهی کانت نتیجة إرادة القوى الاستعماریة فی الإبقاء على مناطق نفوذ لها فی تلک البلدان. وکما خضعت تجارب التقسیم خلال حقبة تصفیة الاستعمار القدیم لمصالح القوى الاستعماریة السابقة، فإن تجارب التقسیم خلال حقبة الحرب الباردة، خضعت لمنطق «التقسیم الإیدیولوجی» (ideological partition)، الذی کانت وراءه الدول الغربیة، وعلى رأسها الولایات المتحدة. وهو ما عکسته على وجه الخصوص، تجارب کوریا وفیتنام وألمانیا بعد الحرب العالمیة الثانیة. وقد تم تقسیم هذه البلدان لأسباب إیدیولوجیة، فی ما اعتبرته الولایات المتحدة تصدیاً من قبل «العالم الحر» للتمدّد الشیوعی.
إلى هذه الفئة یمکن نسبة «التقسیم» التی تحقّق فی لبنان عبر «حرب السنتین» (1975-1976)، والذی ضمنت الولایات المتحدة من خلاله بقاء النخبة المرتبطة بها. وهی حفظت نفوذها فی لبنان من خلال تأمین استمرار نخبة الستاتیکو، ونظام الحکم القائم. عبّر کیسنجر عن ذلک الإنجاز بعد حرب السنتین فی آخر لقاء له مع الرئیس فورد قبل الخروج من الحکم، فی 4 تشرین الأول 1976، بالقول أن لبنان «کان نجاحاً کبیراً آخرَ» (رایت، 2013: 174).
أظهر الدکتور غالب أبو مصلح فی تأریخه لـ»حرب الجبل» بعد 1982، آخذاً فی الاعتبار المعلومات الاستخباراتیة التی تضمنها کتابا ألآن مینارغ، أن هدف الولایات المتحدة آنذاک کان إرساء واقع سیاسی یسمح لها بإنشاء قاعدة عسکریة عملاقة على ساحل لبنان، تکون «مقراً للقیادة الاستراتیجیة الأمیرکیة للمنطقة الممتدة من الخلیج إلى لبنان» (أبو مصلح، 2014: 9). ولا ینسى اللبنانیون السفیر الأمیرکی رافعاً سبابته أمام شاشات التلفزیون ومستهجناً تأخّر دخول المیلیشیات عام 1990 فی الصدام مع الجیش. کلفت تلک الحلقة الأخیرة من الحرب هجرة ما بین 200 إلى 300 ألف مسیحی وفقاً لتقدیرات فالونیه (فالونیه: 1995: 369).
(المراجع منشورة على الموقع الالکترونی)
(هذا النص هو الجزء الثانی من مادة أمس،
الولایات المتحدة والمشرق العربی: بیان للاستنهاض القومی، على أن یتبعه لاحقاً الجزء الأخیر)

المراجع:

Hinnebusch R., “Empire and after : toward a framework for comparing empires and their consequences in the post-imperial Middle East and Central Asia”, Journal of Historical Sociology, Vol. 27, n. 1, 2014, pp. 103-131.
Hinnebusch R., “Hegemonic Stability Reconsidered: Implications of the Iraq War”, in Rick Fawn, Raymond Hinnebusch (eds.), The Iraq war: causes and consequences , Boulder : Lynne Rienner Publishers, 2006b , pp. 283-322.
Hinnebusch R., “Identity in International relations: Constructivism versus Materialism and the Case of the Middle East”, Review of International Affairs, Vol. 3, n. 2, 2003, pp. 358-362.
Hinnebusch R., “The Iraq War and International Relations: Implications for Small States”, Cambridge Review of International Affairs, 19, 3, 2006a , pp. 451-463.
Hinnebusch R., “ The Middle East in the world hierarchy: imperialism and resistance”, in: Journal of International Relations and Development , vol 14, n. 2, 2011, pp. 213 - 246.

Gendzier Irene, Notes from the Minefield: United States Intervention in Lebanon and the Middle East, 1945-1958 , N.Y., Columbia univ. press, 1997.
Kumar Radha, Divide and Fall: Bosnia in the Annals of Partition, U. K., Verso, 1997.
Little Douglas, “Mission Impossible: The CIA and the Cult of Covert Action in the Middle East”, Diplomatic History , (2004) 28 (5), pp. 663-701.
Salibi Kamal, Crossroads to civil war: Lebanon, 1958-1976 , Delmar NY: Caravan Books, 1976, 178 pages.

Valognes Jean-Pierre, Vie et mort des chrétiens d’orient, éditions Fayard, 1995 .
Wight David M, “Kissinger’s Levantine Dilemma: The Ford Administration and the Syrian Occupation of Lebanon”, in Diplomatic History , Vol. 37, Jan., 2013, pp. 144-177.

غالب أبو مصلح، " الفشل الأمیرکی" ، فصل من کتاب سیصدر قریباً عن "حرب الجبل " ، 28 صفحة .

* أستاذ جامعی

المصدر: جریدة الأخبار

رایکم
الاسم:
البرید الإلکتروني:
* التعلیق: