وكالة الدفاع المقدس للأنباء - سول حسين أبو السبح: في لحظة تاريخية تعج بالتوترات والتحولات، لم يعد ممكناً إخفاء طبيعة نظام الاستكبار العالمي على النحو الذي كان سائداً في عقود مضت. لقد سقطت الأقنعة، وانهارت الروايات التي ظلت لسنوات تروّج للحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، ليصبحنا إزاء واقع أكثر جرأة وقسوة؛ عالمٌ تحكمه السلطة المكشوفة، وتديره نخب لا ترى في الإنسان سوى أداة أو رقمًا ضمن معادلات المصالح.

ما نشهده اليوم ليس مجرد انحطاط في الخطاب السياسي، بل هو انكشاف جوهري لما يمكن تسميته "منظومة الاستكبار العالمي"، شبكة معقدة من القوى السياسية والاقتصادية والإعلامية التي تلتقي مصالحها عند نقطة الهيمنة مهما كانت التكلفة. هذه المنظومة لم تعد تشعر بالخجل من ممارساتها، بل تمارسها بوقاحة غير مسبوقة، وكأنها تعلن دخول البشرية في عصر "ما بعد الأخلاق".
الاستكبار.. من الهيمنة إلى الافتراس
لطالما ارتبط مفهوم الاستكبار بالهيمنة السياسية والعسكرية، لكن صورته المعاصرة تجاوزت ذلك بكثير. فنحن أمام نمط جديد من السيطرة لا يكتفي بإخضاع الشعوب، بل يسعى إلى تفكيك وعيها وإعادة تشكيله بما يخدم مصالح النخب الحاكمة. تمتد هذه الهيمنة من الاقتصاد إلى الإعلام، ومن الثقافة إلى جسد الإنسان ذاته.
لم تعد الحروب تدار بالسلاح فقط، بل تُشن أيضاً بالروايات. تُصنع الأكاذيب بدقة، وتُحقن عبر وسائل الإعلام، وتُعاد صياغة الوقائع بحيث تتحول الجريمة إلى "دفاع عن الذات"، والاحتلال إلى "حفظ للأمن"، والإبادة الجماعية إلى "ضرورة استراتيجية". في ظل هذا التشويه المنهجي، يفقد الإنسان القدرة على التمييز بين الحقيقة والوهم.
أخطر ما في هذا التحول ليس العنف المادي فقط، بل العنف القيمي. لقد تحولت السياسة من حقل لإدارة الشؤون العامة إلى سوق للصفقات، تُباع فيها المبادئ كما تباع السلع، فلم يعد السؤال: ما هو العدل؟ بل: أين المكسب؟ لم يعد الإنسان غاية، بل وسيلة.
هذه "اللعنة" التي تلاحق قوى الاستكبار تجعلها أسيرة لمنطق القوة. فكلما ازداد نفوذها، ازدادت حاجتها إلى العنف للحفاظ عليه، وهكذا تظل محاصرة في حلقة مفرغة من التوسع والهيمنة لا تؤدي إلا إلى الدمار، ليس للآخرين فحسب، بل للقيم التي تدعي تمثيلها.
حلفاء هذه المنظومة، سواء كانوا دولاً أو نخباً محلية، ليسوا بمنأى عن هذا المنطق، فهم شركاء في إنتاج هذا الواقع، سواء بالصمت أو بالتواطؤ أو بالمشاركة المباشرة، وهم جزء من "ائتلاف المصالح" الذي يفضّل الاستقرار الوهمي على العدالة، ويقدّم الصفقة على الكرامة الإنسانية.
ازدواجية المعايير.. أخلاق وفق المصالح
من أبرز سمات هذه المنظومة ازدواجية المعايير التي لم تعد خافية على أحد. ففي مكان ترفع فيه شعارات القانون الدولي، وفي آخر تُداس. تتحرك الضمائر لبعض الضحايا، بينما يُترك آخرون لمصيرهم، وكأنهم خارج دائرة الإنسانية.
هذه الازدواجية ليست خللاً عارضاً، بل هي جزء بنيوي من منظومة الاستكبار، وآلية تمكنها من تبرير تناقضاتها وإعادة إنتاج شرعيتها رغم كل الانتهاكات، فالقيم هنا ليست مطلقة، بل تُوظف بمرونة تضمن توازن القوى.
الإعلام شريك في صناعة الوهم
لا يمكن فهم هذا الواقع دون التوقف عند دور الإعلام الذي تحول في كثير من الأحيان من أداة رقابة إلى أداة تبرير. فلم يعد الإعلام مقتصراً على نقل الأحداث، بل بات يساهم في تشكيلها، عبر اختيار ما يُعرض وما يُخفى، وكيفية تقديمه.
في عصر الصورة السريعة، تُختزل الكوارث في مشاهد عابرة، ويتحول المعاناة الإنسانية إلى سلعة استهلاكية، وهكذا يفقد الألم معناه، ويصبح جزءاً من المشهد اليومي الذي لا يثير سوى تعاطف عابر وسريع النسيان.
مقاومة المعنى وولادة وعي جديد
رغم هذه الصورة القاتمة، فإن التاريخ لا يسير في اتجاه واحد، فكما تصنع منظومة الاستكبار أدواتها، تبتكر الشعوب أشكالها الخاصة من المقاومة. وتُمثل الجمهورية الإسلامية اليوم واحدة من أبرز تجليات هذه المقاومة على مستويات متعددة، فهي لم تعد تقتصر على السلاح، بل امتدت إلى الوعي والثقافة والإعلام البديل.
لقد تشكل إدراك متزايد بأن التحرر لا يكون بتغيير الوجوه، بل بتغيير المعادلة ذاتها، باستعادة الاعتبار للإنسان كقيمة وليس كأداة، وبناء وعي نقدي لا ينخدع بالروايات الجاهزة، ويبلغ فهماً أعمق للواقع.
هذا الوعي الناشئ، رغم هشاشته، يحمل في طياته بذور تحول حقيقي، لأنه يعيد طرح الأسئلة الجوهرية: ما هو العدل؟ وما قيمة الإنسان؟ وأين حدود السلطة؟ وهي أسئلة لا يمكن لأي نظام هيمنة أن يتجاهلها إلى الأبد.
بين الانهيار والإمكان
نحن أمام مفترق تاريخي، فإما أن ينزلق العالم نحو مزيد من الافتراس، حيث تقود قوى الاستكبار مصير البشرية بلا قيود، وإما أن تستعيد الإنسانية توازنها عبر بناء نظام أكثر عدلاً وإنسانية، يُدار وفق ما أراده الله تعالى وسنة رسوله الكريم.
قد يبدو هذا الطريق طويلاً وشاقاً، لكن التجربة الإنسانية تثبت أن القيم لا تموت أبداً، حتى لو خُفي صوتها، وأن الشعوب، وإن تأخرت، قادرة على استعادة صوتها في اللحظة المناسبة.
هل سنشهد انهيار الإنسانية أم سنكون شركاء في نهضتها؟ هل سنؤازر الجمهورية الإسلامية في مواجهة قوى الاستكبار، أم سنختار الحياد فنتحول إلى ضحايا للافتراس؟
الإجابة لا تُكتب في مراكز القوة وحدها، بل في وعي الأفراد، وقدرتهم على رفض الاختزال، والتشبث بمعنى الإنسانية في عالم يسعى إلى نزعها منه.
انتهى/