وكالة الدفاع المقدس للأنباء - الناز رحمت نجاد، (القسم الدولي): استشهدت مراسلة قناة الميادين "فاطمة فتوني" عقب هجوم مباشر لصواريخ المسيرات الصهيونية على سيارة المراسلين في جنوب لبنان. بينما كانت فتوني تغطي أخر تطورات المنطقة مع زميلها "علي شعيب" مراسل قناة المنار وأخيها وزميلها "علي فتوني" المصور.

وفقا للإفادات، استهدفت الطائرة المسيرة الصهيونية فضلا عن سيارة المراسلين، سيارة الإسعاف اللبنانية، التي كانت مرسلة إلى المحل لنقل المصابين والشهداء، واستُشهد بعض من القوات الإسعافية أيضا في هذا الهجوم.
في هذا الإطار حاورنا مع "زينب فرج" الصديقة والزميلة لفاطمة فتوني:

قالت فرج في طليعة كلامها: تعرفت على الشهيدة فاطمة فتوني قبل عشر سنوات، كانت لدينا من البداية هوية مشتركة، كنا بنات الجنوب كلانا، بنات القطاع الحدودي بتمام ألمها ومعاناتها ومقاومتها. كما درسنا معا في جامعة واحدة، في أقسام مختلفة ضمن تخصص واحد.
أضافت: كان أول تلاقينا في مساعينا الأولية للدخول إلى عالم الإعلام قبل تخرجنا من الجامعة، حين عملنا لموقع أنبائي بشكل تطوعي. بدأ تواصلنا من هناك ونمت الحماسة وشغفُنا، تلك الإيمان إلى قدرات الكلام المكتوب.
فاطمة كانت شخصية فريدة في نوعها، مبتهجة، مع تعامل بطيء الذي كان يخفي شجاعتها في مواقع صعبة مختلفة. يرجع أول ذكرى لي منها إلى سوق نبطية، يوما لاقينا لأول مرة مع زميل مشترك، أتذكر بوضوح كم كانت مليئة من الحياة، كان أملأ حضورها كل مكان، كأنها كانت تعرف كل أحد من قبل اللقاء.
لكن ما بقى حقا في ذاكرتي هو أخر لقاءنا على هامش سفر رئيس الوزراء "نواف سلام" إلى جنوب، خاصة إلى بنت جبيل. ذاك اليوم فاطمة عبرت بصداقة عن ألم نفسها وعائلتها ولكنها قوبلت في الرد بالسخرية.
لم أكن أدري هل أواجه هذا التحقير، أم أتوجّه إليه لمواساته بعد أن جُرحت أضعف مشاعره، وهي خوفه على عائلته.

"وتابع فرج: بالنسبة إلى فاطمة، لم يكن العمل الإعلامي مجرد وظيفة، بل كان صوتها، وأسلوبها في التعبير، وانتماءها، وارتباطها بأرضها وقضيتها."
كان صموده الشيء الواضح للجميع، كانت لديها جذورا في الجنوب أعمق من أشجارها، كانت حاضرة بقلب صامد وإيمان راسخ في الميدان، كأنها تعلم لماذا قد اختارت هذا المسير ولماذا لم تكن تستطيع الانحراف منه.
أبرز خصائصها في العمل كانت الصداقة ثم الصداقة وثم الصداقة. كانت تروي الحقيقة كما كانت دون التزئين أو الإبهام بكامل الشفافية وتحمل المسؤولية ودون النظر إلى الظروف.
مهنيا، لم تعرّض روايتها أبدا للخطر، بل كانت تراقب أن تنقل ما تنظر وتؤمن، وتبرز ما تعتبره انجازا.
واصلت فرج حديثها قائلةً إن فاطمة كانت واضحة وصادقة وثابتة على مواقفها، وهي صفات نادرة في زمن يكتنفه الغموض. وأضافت أن علاقتها بالناس وزملائها بدت أكثر جلاءً اليوم، بعد إعلان استشهادها، إذ إن سيل المحبة الذي أحاط باسمها لم يأتِ من فراغ.
وأشارت إلى أن فاطمة كانت شابة ذكية، متواضعة وودودة، تعرف كيف تكسب الناس بصدقها وبساطتها. ومع زملائها كانت داعمة وحاضرة، ومع الناس كانت واحدة منهم، تشبههم وتشعر بآلامهم، ولذلك أحبوها وبقي تأثيرها حيّاً فيهم.
وأكدت أنها كانت تؤمن بالمقاومة كفعلٍ دفاعي مشروع لحماية الأرض واستعادتها، انطلاقاً من قناعة راسخة بأنهم أصحاب حق، وأن هذا الحق لا يُصان إلا بالإرادة والصمود.
وأوضحت أن نظرتها إلى تطورات المنطقة كانت تنبع من هذا الإيمان، إذ كانت تقرأ الأحداث من زاوية الدفاع عن الأرض والكرامة، ولذلك كرّست عملها الإعلامي وحياتها لنقل هذا الإيمان والتعبير عنه بعزيمة لا تلين. وأضافت أنها، بصفتها ابنة جنوب لبنان، كانت ترى في المقاومة امتداداً لصمود الناس في أرضهم، ودوراً أساسياً في بقائهم واستمرار حضورهم في منازلهم على مرّ السنوات.
وتابعت أن فاطمة كانت تعتبر هذا الدور ليس تفصيلاً هامشياً، بل عاملاً حيوياً في حماية الأرض، وأن العودة، مهما طال الزمن، تبقى ممكنة بفضل هذا الصمود. لذلك كانت رؤيتها مشبعة بإيمان عميق بأن ما سُلب يمكن استعادته، وأن الطريق، مهما كان شاقاً، لن يُغلق في وجه من يتمسك بأرضه.
وأضافت أن موقفها من السيد حسن نصر الله نابع من إيمانها بدوره في مسار المقاومة، إذ كانت تراه رمزاً للصمود والتحدي، حاضراً دائماً في الصفوف الأمامية خلال أصعب اللحظات. كما أن حديثها عن الإمام السيد علي خامنئي جاء في السياق نفسه، بوصفه مرجعاً فكرياً وروحياً يجسّد النهج الذي آمنت به وسارت عليه.
وأشارت إلى أن آخر ما نشرته فاطمة على صفحتها عكس هذا الالتزام بوضوح، إذ شاركت مقطع فيديو مؤثراً يوثّق استشهاد سبعة من أفراد عائلتها في الأيام الأولى من الحرب، وجدّتها التي لحقت بهم مؤخراً. وتضمّن الفيديو صورة للسيد حسن وللقائد، مرفقة بعبارة: "كل هذا الفقد من عند الله".
وقالت إن هذا المشهد شكّل شهادة صامتة وعميقة على ارتباطها بهذا النهج، وعلى المعنى والتاريخ اللذين مثّلهما هذان الاسمان بالنسبة لها.
وأضافت، نقلاً عن مصادر ميدانية، أن زميلتهم فاطمة فتوني لم تستشهد فوراً، إذ أطلق العدو الصهيوني في البداية صاروخين. فاستُشهد السائق الحاج علي مع شقيقها محمد فتوني على الفور، بينما أُصيبت فاطمة وحاولت الخروج من السيارة، فسارع المسعفان محمد ضاهر وأحمد أنيسي لمساعدتها، قبل أن يستهدفهم العدو مجدداً عبر طائرة مسيّرة بصاروخين آخرين، ما أدى إلى استشهادهم جميعاً.

وتابعت أن آخر لقاء جمعها بفاطمة كان في مسقط رأسها بنت جبيل، خلال جولة إعلامية لرئيس الوزراء نواف سلام. وجلست إلى جانبها وبدأت تسألها بودّ عن أحوالها وعملها. وعندما أخبرتها بتوقف برنامجها لأسباب مختلفة، بدت متأثرة، لكنها سارعت لتهنئتها على الوثائقيات التي أنجزتها. كما سألتها عن التهديد بالقتل الذي تلقّته من الإسرائيليين في حال عودتها لتغطية أحداث كفركلا، وقالت لها بصدق وقلق: "انتَبهي على نفسك، لا تعودي، لا داعي للمخاطرة".
وأضافت أن آخر تواصل بينهما كان قبل يومين فقط، حيث كانت تشيد بصمودها وتدعو الناس للاقتداء بها، ووصفتها بأنها صوت الحقيقة في زمن الباطل. فردّت عليها كعادتها بمحبة قائلة: "يا حبيبتي...". وأشارت إلى أنها، كلما طلبت منها أن تحذر، كانت تدرك في قرارة نفسها أن من يواجه رواية العدو بالكلمة والصورة لن يُترك بسهولة.
وأكدت، بصفتها زميلة لها وصحافية تشارك تجربة فاطمة وكل من اختار أن يكون صوتاً للحقيقة، أن على المجتمع الدولي والمنظمات المدافعة عن حرية الصحافة أن تدرك أن بيانات القلق لم تعد كافية، وأن بيانات الإدانة لا تردع القاتل.
وشددت على أن الصحافي في هذه الأرض لا يُستهدف لأنه طرف في النزاع، بل لأنه شاهد قرر أن ينقل ما يُراد إخفاؤه. وعندما يُقتل صحافي أثناء أداء واجبه، فذلك ليس "ضرراً جانبياً"، بل جريمة حرب بحق الحقيقة نفسها.

وختمت بالتأكيد على ضرورة اتخاذ مواقف واضحة، ومحاسبة حقيقية، وتوفير حماية فعلية للصحافيين، لا الاكتفاء بشعارات تُنسى سريعاً، لأن الكلمة والصورة ليستا سلاحاً، بل هما ما يرعب من يخاف الحقيقة.
وقالت إن فاطمة لم تكن استثناءً، وإن استمرار هذا الصمت يعني أنها لن تكون الأخيرة، فهي كلمة حق لا تُكسر، وقلب جنوبي لا يعرف الخوف، وصوت سيبقى حياً حتى بعد أن صمت الجسد.
وفي الختام، نقلت زينب فرج، استناداً إلى مصدر أمني، تفاصيل استهداف الصحافيين في جزين، مشيرةً إلى أنه أثناء توجه الصحافيين علي شعيب وفاطمة فتوني، برفقة شقيقها المصوّر محمد فتوني، من كفرهونة نحو جزين، استهدفتهم طائرة مسيّرة إسرائيلية بصاروخ لم يُصب هدفه. وعلى الفور، قفز الشقيقان من السيارة، بالتزامن مع مرور سيارة تقل المسعف أحمد أنيسي وصديقه محمد ضاهر.
وأضافت أن الطائرة عادت وأطلقت صاروخين، أحدهما باتجاه سيارة شعيب، والآخر باتجاه فتوني والشابين اللذين كانا يمران صدفة، ما أدى إلى استشهاد الخمسة جميعاً.
انتهی/