وكالة الدفاع المقدس للأنباء - الناز رحمت نجاد: أظهرفشل محادثات إسلام آباد مجدداً أن الفجوة بين توقعات الطرفين وأهدافهما تجاوزت المستوى التكتيكي إلى خلاف هيكلي في المجالات الأمنية والاستراتيجية. فبينما سعت واشنطن إلى وضع إطار متعدد المستويات لاحتواء ملفات مختلفة، شددت طهران على ضرورة رفع الضغوط دون التراجع عن مقومات قوتها. كما أن إضافة ملفات مثل مضيق هرمز والدور الإقليمي زادت من تعقيد مسار المفاوضات. ولم تقتصر تداعيات هذا الفشل على طاولة الحوار، بل انعكست بسرعة على المعادلات الأمنية والسياسية في العراق ولبنان.

في هذا السياق، أجرى مراسل مجموعة "دفاع برس" الدولية حواراً مع عباس زلزلي، وجاء نصه كما يلي:
قال زلزلي في بداية حديثه: "العامل الأهم هو التناقض في السقوف السياسية والاستراتيجية بين الجانبين. دخلت أميركا المفاوضات برؤية شاملة تهدف إلى تقييد البرنامج النووي الإيراني، وكبح البرنامج الصاروخي، والحد من النفوذ الإقليمي. بينما تعاملت إيران مع المفاوضات كمسار لرفع العقوبات في المقام الأول، دون تقديم تنازلات تمس عناصر قوتها الأساسية. هذا الاختلاف العميق جعل الوصول إلى نقطة وسطى أمراً صعباً".
أضاف زلزلي: "برز مضيق هرمز كورقة ضغط استراتيجية بيد طهران، باعتباره شرياناً حيوياً لإمدادات الطاقة العالمية. وإدراج هذا الملف في إطار المفاوضات زاد من مستوى التعقيد، لأن أي تفاهم بشأنه يتطلب ضمانات أمنية دولية ليس من السهل حلها، مما ساهم في دفع الحوار نحو الركود".
تابع الصحافي اللبناني: "نهج الصمود الأقصى يعكس استراتيجية إيرانية تقوم على امتصاص الضغوط بدلاً من الرد المباشر عليها، بهدف تحسين شروط التفاوض بمرور الوقت. هذا النهج يمنح طهران القدرة على تجنب الإملاءات الخارجية، وتعزيز موقعها التفاوضي عبر إظهار التماسك الداخلي والقدرة على التحمل. لكن فعاليته تبقى نسبية، إذ يحقق مكاسب تكتيكية يمكن البناء عليها. قد يؤدي استمرار هذا النهج دون مرونة إلى تآكل اقتصادي، لكن إيران اعتادت على العقوبات والاكتفاء الذاتي بناءً على تجربتها".
طرح زلزلي: "يمكن وصف المطالب الأميركية بأنها طموحة جداً، بل وقريبة من الطمع، لأنها لم تقتصر على الملف النووي، بل شملت منظومة القوة الإيرانية بأكملها. من وجهة نظر واشنطن، هذه المطالب تهدف إلى تحقيق استقرار طويل الأمد في المنطقة، لكن من وجهة نظر طهران، هي تدخل مباشر في أدوات الردع التي تعتمد عليها إيران لحماية أمنها القومي". وأضاف أن رفض إيران نابع من قناعة بأن قبول مثل هذه الشروط يؤدي إلى إضعاف موقعها الاستراتيجي، وهو ما تعتبره خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه في أي اتفاق، خاصة بعد الصمود في جولتين شديدتين من المواجهة والرد، وتوجيه ضربات لإسرائيل وأميركا، إضافة إلى النجاح في تحويل المواجهة من الشكل العسكري إلى الشكل الاقتصادي والجيوغرافي ومرتبط بالطاقة.
أكد أستاذ الإعلام في الجامعة اللبنانية الدولية أن فشل المفاوضات يحمل رسالة واضحة بأن الصراع لا يزال في مرحلة إدارة التوتر لا حله. بالنسبة للعراق، يعني ذلك استمرار حالة الصراع بين النفوذين الأميركي والإيراني على أراضيه، مع احتمال تصاعد الضغوط الأمنية والسياسية. أما في لبنان، فهذا الفشل يعزز ربط الوضع الداخلي بالموازين الإقليمية، ويجعل الساحة اللبنانية عرضة للاستخدام كورقة ضغط في إطار الصراع الأكبر، سواء عبر التصعيد المحدود أو عبر ترسيخ قواعد اشتباك جديدة.
أضاف: السيناريو الأكثر ترجيحاً هو عودة التوتر، لكن في إطار مضبوط؛ بمعنى أن الطرفين قد يلجآن إلى إجراءات تصعيدية محدودة لتحسين شروط التفاوض، دون الوصول إلى مواجهة شاملة. في الوقت نفسه، لا يمكن القول إن باب الدبلوماسية أغلق؛ بل لا يزال مفتوحاً، لكن بشروط أكثر تعقيداً. في هذه الحالة، قد يكون التصعيد أداة للعودة إلى طاولة الحوار وليس بديلاً عنها.
قال زلزلي: أي استئناف للمفاوضات سيعتمد على نهج تدريجي يقوم على اتفاقات مرحلية بدلاً من اتفاق شامل. ومن بين القضايا التي قد تشكل أرضية مشتركة: تخفيض محدود للعقوبات مقابل التزامات نووية قابلة للتحقق، بالإضافة إلى تفاهمات حول أمن الملاحة في الخليج. كما قد تشمل هذه التفاهمات إجراءات لبناء الثقة المتبادلة تمهد لاحقاً للانتقال إلى ملفات أكثر تعقيداً مثل الدور الإقليمي أو البرامج الصاروخية".
بحسب هذا الصحافي اللبناني، تلعب الدول الوسيطة دوراً مهماً في الحفاظ على قنوات الاتصال ومنع الانزلاق نحو تصعيد غير محسوب، حيث تساعد في نقل الرسائل وتوفير منصات للحوار، خاصة في المراحل التي لا يوجد فيها ثقة مباشرة بين الأطراف. لكن هذا الدور يبقى محدود التأثير، لأن نجاح الوساطة يعتمد أساساً على مدى استعداد الأطراف المتنازعة لتقديم تنازلات. بعبارة أخرى، الوسيط يمكنه تسهيل الحل، لكنه لا يمكنه فرضه.
أضاف: على المدى القصير، من المتوقع أن يستمر وضع التوتر المحسوب، حيث يحاول كل طرف تعزيز موقعه دون الانجرار إلى مواجهة شاملة. على المدى المتوسط، تتأرجح السيناريوهات بين التوصل إلى اتفاق محدود ومرحلي، أو استمرار التآكل المتبادل، أو تصعيد محدود يتبعه استئناف المفاوضات. السيناريو الأكثر ترجيحاً هو بقاء العلاقة في إطار "لا حرب ولا سلم"، مع استمرار إدارة الصراع بدلاً من حله نهائياً.
طرح زلزلي: "فشل المفاوضات يعني عملياً انهيار أحد الأطر التي كانت تنظم إيقاع الميدان في لبنان؛ مما قد يؤدي إلى ارتفاع مستوى التوتر، خاصة في الجنوب. مع غياب التفاهمات، تصبح الساحة اللبنانية أكثر عرضة للاستخدام كأداة ضغط في إطار الصراع الإقليمي. لكن احتمال الانزلاق نحو حرب شاملة لا يزال محدوداً، بسبب الضغوط الدولية والإقليمية لتفاديه، إضافة إلى إدراك الأطراف المختلفة لكلفة أي مواجهة واسعة. لذا، فإن السيناريو الأقرب هو تصعيد محدود ومحسوب، في انتظار ما ستسفر عنه المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في أميركا، والمقرر أن تبدأ الثلاثاء المقبل".
انتهى/