آية الله السيد ياسين الموسوي: العراق يمتلك مقومات قيادة الأمة وعلينا مغادرة "الأساليب الشيطانية" في العمل السياسي

في خطبة عيد الأضحى المبارك، قدّم آية الله السيد ياسين الموسوي، إمام جمعة بغداد وأحد أبرز أساتذة الحوزة العلمية في النجف الأشرف، تشريحاً سياسياً واجتماعياً مكثفاً لآخر تطورات المشهد العراقي، مؤكداً أن الواقع الذي نعيشه يكتنفه "خلل بنيوي عميق" ذو جانبين؛ يرتبط الأول بطريقة الحكم وأمراض السلطة، ويتعلق الثاني بالشعب وعلاقته مع السلطة.
رمز الخبر: 70887
تأريخ النشر: 30 May 2026 - 11:35 - 21August 2647

وأفادت وكالة الدفاع المقدس للأنباء أن في مستهل خطبته، أشار آية الله الموسوي إلى أن العراق يمتلك عمقاً تاريخياً عظيماً يؤهله لقيادة العالم، وله مستقبل عقائدي كبير يكمن في الاعتقاد بأنه سيقود الدنيا في مستقبل الأيام بعد ظهور بقية الله (عجل الله تعالى فرجه الشريف). وأعرب عن أسفه الشديد لأن عظمة هذا البلد الحبيب لا تتناسب مع سلوك السياسيين والقادة المعزولين تماماً عن الأهداف الكبرى.

آية الله السيد ياسين الموسوي: العراق يمتلك مقومات قيادة الأمة وعلينا مغادرة

وأضاف أن الساحة السياسية لم تشهد حتى الآن طرحاً واقعياً يجعل العراق بلداً عظيماً وقائداً للمنطقة والأمة، مقارناً ذلك بجهود أهل الباطل؛ حيث يشتغل المجرم ترامب على شعار "أمريكا عظيمة"، ويتحرك قادة الكيان الصهيوني ليل نهار لتحقيق وهمهم الديني بما يسمى "إسرائيل الكبرى" على حساب دماء الشعوب المظلومة واغتصاب أراضيها. وتساءل مستنكراً: «أيتها السلطة، وأيها الحكام.. هل وضعتم أمام أعينكم هدفاً بأن يكون العراق هو البلد القائد؟».

التشتيت وأساليب الشيطان في المشهد السياسي

وفي سياق حديثه عن الثروات، أكد آية الله الموسوي أن العراق يمتلك ثروة هائلة من التاريخ والإمكانيات والمنح الإلهية الطبيعية؛ من نفط وكبريت وفوسفات ومياه وزراعة، فضلاً عن كونه يضم شعباً يعد من أعظم شعوب الأرض شجاعةً وجرأةً وكرماً.

وانتقد سماحته الطروحات الضيقة للساسة الذين ينحصر تفكيرهم في كيفية الوصول إلى السلطة والاستفادة المادية والاقتصادية خلال سنوات الحكم الأربع، سواء كأفراد أو أحزاب وتيارات. وأوضح أن هذه الشعارات الضيقة ولدت تصادماً وشتتت أبناء الشعب العراقي، واصفاً إياها بـ"الأساليب السخيفة والشيطانية" القائمة على الأنا والذات. وحذر من تحويل العناوين المقدسة، ولا سيما الانتساب إلى المرجعية الدينية الرشيدة وتعدد المقلدين، إلى أدوات لتقسيم المجتمع وبث الفرقة بين أبنائه.

وأشار آية الله الموسوي إلى أن الناس على دين ملوكهم؛ فبدلاً من التركيز على بناء جيش عظيم، واقتصاد سليم، وتقديم الخدمات، والقيام بالواجبات الفكرية والثقافية والدينية، انشغلت السلطة بقضايا جانبية جزئية أدت إلى الضعف والهوان وتفتيت الشعب.

التكليف الشرعي بالانتخاب والتغيير الموضوعي

وفي ملف المسؤولية الشعبية، شدد الأستاذ البارز في حوزة النجف الأشرف على أن عملية الانتخاب تكليف شرعي ومهمة صعبة لبناء المجتمع والدولة التي يحكمها مولانا صاحب العصر والزمان. وانتقد تهاون البعض في هذا التكليف خلال السنوات العجاف الماضية، داعياً الشعب العراقي إلى الاقتداء بنبي الله إبراهيم وإسماعيل (عليهما السلام) في التضحية والعطاء والعمل لله لا للأنفس.

وحثّ الموسوي على ضرورة انتخاب العلماء القادة الذين يخشون الله تعالى وزهدوا في الدنيا، مستذكراً التضحيات الجليلة للمراجع الشهداء كالصقرين (الشهيد الصدر الأول والشهيد الصدر الثاني)، والإمام الخوئي، والشيخ الغروي، والبروجردي، ومشيراً إلى أن القدوة الحاضرة تتجسد في الإمام السيستاني (حفظه الله) الذي نزع حب الدنيا من قلبه.

ودعا آية الله الموسوي إلى مغادرة أسلوب "التذمر والنقد لأجل النقد" الذي يحاول الأمريكيون بثه عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمنابر والمحادثات، مستبدلين ذلك بـ"الانتقاد الذاتي والموضوعي من أجل التصحيح والإصلاح". واستحضر خطب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في نهج البلاغة وهو يتألم من تفرق أصحاب الحق واجتماع أهل الشام على باطلهم.

الخدمات واجب وليست "منحة من المسؤول"

وفي محور آخر، هاجم السيد الموسوي المظاهر الإعلامية المصاحبة لتقديم الخدمات من قبل الوزراء والمحافظين والمسؤولين، مستنكراً كتابة عبارات من قبيل "بأمر المحافظ فلان" أو "بجهد الوزير فلان" على الجدران. وأكد أن تقديم الخدمات للمواطنين واجب أصيل على السلطة وليس "منحة أو تلطفاً"، محذراً من هذه الأساليب الشيطانية والفوقية التي تصنع حواجز تفصل بين المسؤولين والشعب المحتاج والمظلوم.

ودعا المواطنين إلى الكف عن التصفيق والركض وراء المسؤولين وتشجيعهم على الباطل، مستشهداً بجرأة وشجاعة صدر الإسلام حين قال الناس للحاكم: «نقومك بسيوفنا» إذا أخطأت، مؤكداً أن العمل السياسي ليس مكسباً شخصياً بل فريضة وتكليف شرعي لمحاسبة السلطات.

ميزان المَنَعة والزهد: مقارنة بين جهاد النفس في إيران وسلوك السلطة في العراق

وفي الجزء الأخير والـحسّاس من خطبته، عقد آية الله السيد ياسين الموسوي مقارنةً بنيوية عميقة أجاب فيها عن تساؤلٍ طُرِح عليه قبل أيام حول الفارق الجوهري بين الواقع السياسي والقيادي في العراق وبين القادة في الجمهورية الإسلامية في إيران، بالرغم من أن الهوية الشيعية والتدين والشرعية الحوزوية قواسم مشتركة تجمعهما، بل إن بعض الحكام والمسؤولين في العراق هم من رجال الدين أيضاً.

وأوضح السيد الموسوي أن سر منعة الجمهورية الإسلامية وقوتها في مواجهة قوى الاستكبار العالمي يكمن في معادلة "جهاد النفس وتطويع الهوى" قبل ممارسة السياسة، مستعرضاً حجم التضحيات الإيرانية في الحرب الشرسة التي شنها المجرم ترامب والإدارات الأمريكية، والتي أسفرت عن استشهاد كبار القادة والزعماء، وعلى رأسهم قائد الثورة الإسلامية ورؤساء الجمهورية كالشهيد العظيم السيد رئيسي، فضلاً عن العشرات من قادة الحرب والصفوف الأولى.

وأكد الخطيب أن هذه الاستهدافات لم تدفع قادة إيران إلى الخوف أو الاستسلام، بل رفضوا عروض ترامب الذي ساومهم قائلاً: «أطيعوني أُبقِكم وأدافع عنكم وأجعلكم قادة المنطقة»، فاختاروا المواجهة وأركعوا الاستكبار، وباتت معادلتهم العسكرية قائمة على الرد الفوري والمباشر: «إن ضَرَبوا ضَرَبوا، وإن قُتِلوا قُتِل فيهم وفي أصحابهم»، حتى أصبحت إيران اليوم رقماً صعباً يحسب له الشرق والغرب مئة ألف حساب، والتف الشارع حول قيادته لأنهم وجدوا فيهم نموذجاً حقيقياً لأهل العبادة والورع والتقوى.

بيوت الإيجار مقابل قصور الطاغية على نهر دجلة

وفي نقد لاذع ومفصل للرفاهية التي يعيشها بعض قادة السلطة في العراق، كشف الأستاذ البارز في حوزة النجف الأشرف عن مظاهر البذخ التي تفصل المسؤول العراقي عن شعبه المحتاج؛ حيث أشار إلى أن أغلب مسؤولي وقادة الجمهورية الإسلامية يعيشون حياة بسيطة للغاية، ويسكنون في شقق صغيرة أو بيوت مستأجرة ومستعارة بالرغم من قدرتهم على التملك.

وفي المقابل، استشهد السيد الموسوي بنموذج صارخ لأحد المسؤولين العراقيين الذين شغلوا موقعاً رسمياً رفيعاً، حيث سارع إلى السكن في أحد قصور الطاغية المقبور صدام حسين، واصفاً فخامة ذلك القصر المزود بشاشات داخلية تطل على أعماق نهر دجلة من الأسفل ليرى الساكن حركة الماء والأسماك تحت قدميه. واستنكر سماحته تبرير هؤلاء المسؤولين لسكنهم في "مساكن الذين ظلموا" بادعاء التزامهم الديني وقولهم: «الفرق بيننا وبين صدام أننا نصلي صلاة الليل»، معقباً بغضب: «أي صلاة ليل هذه؟! وهل تمنّون على الناس بصلاتكم؟! إن كنتم متدينين حقاً فالعقيدة تأمركم أن تعيشوا كما عاش علي بن أبي طالب (عليه السلام) حين كان الخليفة الأعظم وسادته يده أو التراب، ولذلك سُمي بأبي تراب».

وأضاف الموسوي أن قصور شاه إيران الخيالية التي تشبه قصور "ألف ليلة وليلة" لم يسكنها أي مسؤول في الجمهورية الإسلامية بعد الثورة، بل حُوّلت بالكامل إلى متاحف عامة يدخلها عامة الشعب ليتذكروا جرائم الطغاة، بينما جاء بعض المسؤولين في العراق ليأخذوا ذات الموقع والمظاهر التي كان يمارسها الظالم والغاصب.

واختتم آية الله الموسوي خطبته بتوجيه نداء حازم وصريح إلى طرفي المعادلة في البلاد قائلاً:

«الفارق الحقيقي هو أن أولئك جاهدوا أنفسهم.. فأنتم أيتها السلطة جاهدوا أنفسكم وعيشوا حياة طبيعية، وأنتم أيتها الأمة جاهدوا أنفسكم أيضاً لبناء العراق العظيم».

انتهى/

تعليقك
captcha
الأكثر مشاهدة
احدث الاخبار
الأکثر تعلیقاً