حكمة الشارع ونداء المعركة: القومية الإيرانية بعد ٢٨ فبراير
وكالة الدفاع المقدس للأنباء - أميرعلي شعباني: الحرب على إيران فجر ٢٨ فبراير بهجمات أميركية وصهيونية مشتركة على طهران. وأدت هذه الهجمات التي استشهد على إثرها سماحة آية الله «السيد علي الخامنئي» إلى تغيير كبير في طريقة ظهور رد الفعل الاجتماعي للناس مقارنة بحرب الـ ١٢ يوماً. بعد الإعلان الرسمي لخبر استشهاد قائد الثورة الإسلامية فجر يوم ١ مارس ٢٠٢٦، خرجت قطاعات واسعة من الناس بشكل تلقائي إلى الشارع وأقامت مراسم عزاء للقائد الشهيد. شكل هذا الحضور مقدمة لتجمعات الناس الليلية في الليالي التالية، والتي استمرت حتى الآن لأكثر من ٧٠ ليلة، ولم تتوقف بأي حال من الأحوال في جميع الظروف بما فيها العطلات المختلفة والبرد والقصف.

ما يتشكل في الأسابيع والأشهر الأخيرة في شوارع إيران لا يمكن تفسيره فقط بالمفردات السياسية المعتادة. في غضون ذلك، تحاول وسائل الإعلام الرئيسية العالمية تجاهل وتغطية هذا الحدث المهم، وامتنعت عن أي تغطية لهذه التجمعات، على أمل أن تهدأ حماسة هذه الروح الوطنية مع الوقت، وأن يتلاشى حضور الناس تدريجياً. بعد استمرار حضور الناس في الشارع، رأت وسائل الإعلام العالمية نفسها مضطرة لتغطية هذا الحدث، فاتبعت خط «الجدران العازلة» و«التقييد». حاولت وسائل إعلام مثل «سي إن إن» حصر هذا التجمع الوطني بطيف سياسي معين من خلال إنتاج سردية مشوشة ومشوهة عن التجمعات الليلية، لكي تتمكن من خلال ذلك من محاولة خلق الخلاف بين الناس في إيران.
السردية السائدة لوسائل الإعلام العالمية، التي تحاول اختزال هذه الظاهرة إلى صراعات الأجنحة، أو تحركات فصائل سياسية محددة، أو حتى مجرد ردود فعل عاطفية ناجمة عن ظروف الحرب، ترتكب خطأ تحليلياً في فهم الطبيعة الحقيقية لهذه التجمعات. الحقيقة هي أن إيران تشهد اليوم نوعاً من إعادة ترتيب اجتماعي وهويائي، يجب البحث عن جذورها في أعماق أبعد بكثير من الصراعات السياسية اليومية؛ إنها إعادة ترتيب وُلدت من رحم التجربة المشتركة للخطر والضغط الخارجي والحرب وانعدام الأمن، وتظهر الآن في شكل تجمعات شوارع، أهم ما يميزها ليس الغضب أو الكراهية أو التفكك الاجتماعي، بل الرغبة في التآزر الوطني.
شهدت إيران خلال العقود الأربعة الماضية العديد من التجمعات والاحتجاجات والحركات والأزمات؛ حمل كل من هذه الأحداث جزءاً من واقع المجتمع الإيراني، ومثل كل منها أيضاً انقسامات حقيقية في إيران. السمة المشتركة لكل هذه التجمعات أنها كانت تضع المجتمع في حالة استقطاب؛ حيث كانت الفئات الاجتماعية تتحرك ليس في اتجاه إيجاد لغة مشتركة، بل في اتجاه تكثيف التباعد. في مثل هذا الجو، حتى عندما كانت تُطرح مطالب اجتماعية مشروعة، كان البنية النفسية للمجتمع تتجه نحو الازدواجية؛ ازدواجيات تؤدي مع الوقت إلى تآكل رأس المال الاجتماعي، وإضعاف الثقة العامة، وزيادة القلق الوطني.
لكن ما يحدث اليوم في إيران يتميز بخصائص مختلفة من عدة نواحٍ. ولأول مرة منذ سنوات، لم يتحول الشارع إلى ساحة إقصاء متبادل، بل إلى ساحة لإعادة تعريف نوع من التضامن الجديد. هذه التجمعات، على عكس العديد من الأحداث السابقة، لا تتشكل على محور نفي بعضها البعض، بل على محور إعادة بناء «نحن» الإيرانية. هذه الخاصية تحديداً تجعل من هذه التجمعات ظاهرة غير مسبوقة في تاريخ إيران المعاصر.
الخطأ الكبير الذي ترتكبه وسائل الإعلام الخارجية يبدأ تحديداً من هذه النقطة. فوسائل إعلام مثل «سي إن إن»، بسبب أطرها التحليلية الراسخة، تفهم التطورات في إيران بشكل أساسي من خلال عدسة الصراع على السلطة داخل النظام الحاكم. في هذا الإطار، يجب بالضرورة أن يكون أي تحرك شعبي إما امتداداً لصراع الإصلاحيين والأصوليين، أو يُنسب إلى كتل أيديولوجية محددة. ولهذا السبب، يُحاول تعريف التجمعات الأخيرة باسم بعض الفصائل السياسية، وكأن ما يجري في الشارع هو مجرد تعبئة لجناح سياسي معين.
في حين أن الواقع الاجتماعي الحالي أكثر تعقيداً واتساعاً من هذه السرديات. إن التركيبة السكانية لهذه التجمعات، وحضور الشرائح المتنوعة، وتنوع الأذواق السياسية، وحضور الأجيال المختلفة، وحتى الاختلافات الواضحة في أنماط حياة المشاركين، تُظهر أننا لا نواجه حركة فصائلية فقط. ما يظهر بالأحرى هو نوع من «القومية المُعاد إنتاجها» في سياق الأزمة؛ قومية تحاول، بعد سنوات من الانقسام، إعادة بناء مفهوم «إيران» كنقطة ارتكار لمختلف الفئات.
في هذا السياق، تكتسب مسألة المذهب أهمية خاصة. كثير ممن يعتبرون أنفسهم «إيرانيين» أكثر من كونهم متدينين، لا يزالون يتواصلون مع اللغة والرموز الشيعية؛ لأن هذه الرموز في إيران لا تحمل معنى دينياً فقط، بل تحمل الذاكرة التاريخية، والملحمة، والمقاومة، والحداد الجماعي، والعدالة الاجتماعية، والاستمرارية التاريخية.
من منظور علم الاجتماع السياسي، يمكن اعتبار ما يحدث الآن نوعاً من «إعادة بناء الهوية الوطنية في ظل التهديد الخارجي». في العديد من المجتمعات، تؤدي الحرب أو التهديد الخارجي إلى انهيار اجتماعي، لكن هذا التهديد نفسه في إيران أدى إلى تسريع عملية إعادة تعريف الوحدة الوطنية. حدث هذا الاختلاف في المجتمع الإيراني بسبب خصائصه الفريدة التي استطاع استمرارها أن يحطم جدار الرقابة العالمي وينعكس في وسائل الإعلام الدولية.
إذا كان لهذه التجمعات أن تتحول إلى نقطة انطلاق لمرحلة جديدة في تاريخ إيران، فيجب إبعادها عن أي مصادرة فصائلية واحتكار. لقد أظهرت التجربة التاريخية أن أي حركة اجتماعية شاملة تتعرض للتآكل عندما يحاول فصيل معين تقديم نفسه على أنه المالك الحصري لها. إن مثل هذه العملية تجعل الفئات الاجتماعية الأخرى تشعر سريعاً بالإقصاء والاغتراب، وتدمر رأس المال الاجتماعي للحركة من الداخل؛ لذا فإن الضرورة الأولى هي الحفاظ على تعدد الأصوات المتزامن مع الوحدة. هذا يعني أن هذه الحركة يجب أن تكون قادرة على إبقاء المتدينين وغير المتدينين، والتقليديين والحديثين، والمحافظين والناقدين، والحضريين والريفيين، ومختلف الفئات العمرية تحت مظلة هوية وطنية مشتركة.
الضرورة الثانية هي تشكيل سردية إعلامية مستقلة ووطنية. طالما أن سردية هذه التجمعات تنعكس فقط بواسطة وسائل الإعلام الخارجية أو وسائل الإعلام الفصائلية، فإن الصورة الحقيقية لها ستتعرض للتشويه عن قصد أو عن غير قصد. المجتمع الذي يريد الدخول في مرحلة جديدة يجب أن يكون قادراً على إنتاج سرديته الخاصة عن نفسه. يجب أن تركز هذه السردية على التنوع البشري، وحضور مختلف الشرائح، والتجربة المشتركة للحرب والأزمة، والإرادة العامة للحفاظ على التماسك الوطني.
المسألة الثالثة هي تجنب الراديكالية الإقصائية. أي حركة وطنية إذا أرادت أن تستمر، فهي مضطرة لأن تكون قادرة على الاستيعاب. لغة الإقصاء، ووضع العلامات، وتدمير المعارضين الداخليين، وتقسيم المجتمع إلى «نحن» و«هم» هي بالضبط ما يمكن أن يدمر هذه الفرصة التاريخية ويحقق الخط الإعلامي لوسائل الإعلام الدولية. الوحدة الوطنية لا تصبح مستقرة إلا عندما يشعر الأفراد أنهم ما زالوا جزءاً من «نحن» الجماعية دون الحاجة إلى التوحيد القسري.
المسألة الرابعة هي إعادة تعريف مفهوم الوطن للجيل الجديد. إيران المستقبل لا تُبنى فقط بتكرار الشعارات القديمة. الجيل الشاب يحتاج إلى أن يشعر بأن له دوراً حقيقياً في هذا المشروع الوطني ليس فقط كقوة شوارع، بل كباني للمستقبل. هذا يتطلب انفتاحاً ثقافياً، والاستماع إلى الأصوات الجديدة، وقبول التغيرات الاجتماعية، وإتاحة إمكانية المشاركة الحقيقية.
في النهاية، إذا استطاع هذا المسار تجاوز الفخاخ الكلاسيكية للتاريخ السياسي الإيراني، أي الاستقطاب والإقصاء والاحتكار والاختزالية، فبإمكانه أن يدخل إيران في مرحلة جديدة؛ مرحلة يتشكل فيها، بعد سنوات من التآكل الاجتماعي، مرة أخرى نوع من الوعي الوطني المشترك. وعي لا يقوم على نفي الاختلافات، بل على تحويل الاختلافات إلى مكونات كلية أكبر.
لعل أهم خاصية للحظة الراهنة هي هذه تحديداً. إذا تم الحفاظ على هذا الشعور، فما يُرى اليوم في الشوارع سيكون بداية فصل جديد في التاريخ الاجتماعي والسياسي لإيران.
انتهى/
