بين صرامة الميدان وانزلاق الدبلوماسية: قراءة استراتيجية في أروقة الدورة 81 للأمم المتحدة
وكالة الدفاع المقدس للأنباء - سبطين الجبوري، الخبير الأول في الشؤون السياسية و الدولية:

إن قراءة الخارطة السياسية والأمنية الصادرة عن نيويورك تتطلب تفكيك المشهد إلى جزيئاته الأساسية: خطاب الاقتدار والسيادة الصادر من طهران، والاستعراض المأزوم للبيت الأبيض، والمناورة الفرنسية المكبلة بالفشل، وصولاً إلى الواقعة الأشد إثارة للجدل في الصالونات السياسية، والتي تجسدت في لقاء رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي بالرئيس السوري أحمد الشرع.
صمود الثوابت واقتدار الموقف: قراءة في خطاب مسعود بزشكيان
جاء حضور الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ليقدم نموذجاً للدبلوماسية التي تتكئ على أنياب الميدان وثبات العقيدة. لم يكن الخطاب الإيراني يبحث عن استجداء المهادنة مع الغرب، بل انطلق من رؤية استراتيجية واضحة تستمد قوتها من التوجيهات الحكيمة للقيادة العلياء والمسار الرسالي الأصيل.
طرح بزشكيان معادلة غير قابلة للتجزئة: الحق النووي السلمي والتطور التكنولوجي ليسا محل تفاوض أو مساومة، وأن سياسات العقوبات والأحلاف العدوانية لم تزد الجمهورية الإسلامية إلا صلابة وتطوراً في الترسانة الردعية. كما وجه الخطاب رسالة حازمة بشأن أمن الإقليم، مفادها أن استقرار غرب آسيا ينبع من التضامن الإسلامي الداخلي ورفض الوصاية الأجنبية، مؤكداً أن دعم المستضعفين وقوى المقاومة في وجه المشاريع التفتيتية هو واجب استراتيجي وأخلاقي لا يتغير بتغير الظروف الدولية.
استعراض القوة المتآكلة: المنظور الأمريكي في خطاب دونالد ترامب
في المقابل، عكس خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المأزق العميق الذي تعيشه الإمبريالية الأمريكية. اعتمد ترامب على لغة التهويل والوعيد، محاولاً اختزال السياسة الدولية في صفقات تجارية وإملاءات مباشرة، وهو سلوك ينم عن عجز استراتيجي في إدارة الصراعات المعقدة.
إن التهديدات المكررة التي وجهها ترامب لإيران ولمحور المقاومة لم تعد تملك قدرة التأثير على حسابات الردع في المنطقة؛ إذ تدرك المؤسسات الأمنية والعسكرية في واشنطن أن أي خطوة غير محسوبة ستقابل بضربات استراتيجية تجعل الوجود الأمريكي برمته تحت المرمى المباشر. وهكذا أطل الخطاب الأمريكي كاستعراض إعلامي موجه للداخل المنقسم، ومحاولة مكشوفة للتغطية على تراجع الهيمنة الأمريكية أمام صمود القوى الحرة.
النفاق السياسي والتردد الأوروبي: المقاربة الفرنسية لإيمانويل ماكرون
أما الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، فقد قدم خطاباً يجسد مأزق القارة الأوروبية المتذبذبة بين التبعية المطلقة للقرار الأمريكي وبين محاولة ادعاء الاستقلالية. ظهر ماكرون بمظهر الوسيط التقليدي الذي يرفع شعارات الحوار والسلام، بينما تظل حكومته شريكاً فعلياً في حصار الشعوب وتأييد السياسات العدوانية.
يعكس هذا الموقف الانكماش التاريخي للنفوذ الفرنسي في المشرق العربي وإفريقيا؛ حيث أدركت الشعوب الحية أن المبادرات الدبلوماسية الغربية لا تحمل حلولاً حقيقية، بل تُستخدم كأدوات لكسب الوقت وإعادة ترتيب أوراق الهيمنة، مما جعل الخطاب الفرنسي مجرداً من أي وزن جيوسياسي في المعادلات الميدانية الحاكمة.
انزلاق الدبلوماسية وغياب الحذر: قراءة نقدية في "عناق نيويورك"
شكلت لقطة المصافحة والعناق الحار بين رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي والرئيس السوري الحالي أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني) خطأً سياسياً واستراتيجياً جسيماً لا يمكن التغاضي عنه تحت أي مبرر.
من الناحية التكتيكية، لا يختلف اثنان على أن للعراق مصالح حيوية مع الجارة سوريا، تفرضها الطبيعة الجغرافية والحدود الممتدة والملفات المشتركة كالأمن، والمياه، ومكافحة التسلل، وتبادل السجناء والتجارة. إن إدارة هذه الملفات من موقع الواقعية السياسية أمر مفهوم وتقتضيه إدارة الدولة، ولكن وسائل تحقيق هذه المصالح هي التي تحدد ثقل الدولة وكرامتها.
إن العتب والنقد الشديد الموجه للزيدي ينطلق من الثوابت التالية:
التاريخ الملوث بالدم العراقي: إن أحمد الشرع ليس مجرد شخصية سياسية طرأت على المشهد، بل هو قيادي سابق في تنظيمات تكفيرية أراقت دماء آلاف العراقيين البرداء، واستهدفت المقدسات والمدن بالسيارات المفخخة والانتحاريين. إن غسل هذا التاريخ عبر "عناق دبلوماسي" أمام كاميرات العالم يعد مجانية سياسية غير مقبولة.
الفرق بين البروتوكول الرسمي والود المجاني: كان بإمكان رئيس الوزراء العراقي أن يدير اللقاء – إن كان لا بد منه – بجمود بروتوكولي صارم، ورسمية جافة تعكس حجم السخط العراقي الشعبي والعقائدي تجاه الشخصيات المتورطة بالإرهاب، دون الاندفاع نحو مصافحة حارة وعناق يرسلان رسائل خاطئة وتفهم على أنها غفران سياسي لتاريخ ملوث بالدماء.
الاستهانة بتضحيات الشهداء والجرحى: إن هذا التصرف السلوكي أدى إلى تجريح مشاعر عوائل شهداء الحشد الشعبي والقوات المسلحة والأجهزة الأمنية الذين قدموا أرواحهم لدحر الفكر التكفيري. إن مكتسبات النصر الذي تحقق بالدماء الزكية لا يجوز التفريط بآثارها المعنوية على منصات نيويورك الدبلوماسية.
وجوب الحذر الاستراتيجي: إن المصلحة العراقية الحقيقية تقتضي التعامل مع النظام الجديد في دمشق بحذر شديد وبيدٍ على السلاح، وتفعيل التنسيق الاستخباري والأمني عبر اللجان المختصة وفي الغرف المغلقة، وليس عبر الاستعراضات الدبلوماسية التي قد تُستغل مستقبلاً للالتفاف على أمن العراق والمنطقة.
تؤكد الدورة الحادية والثمانون للجمعية العامة للأمم المتحدة أن موازين العالم صاغتها الأفعال لا الكلمات، وأن الانتصارات الميدانية لخط المقاومة هي التي فرضت واقعاً جديداً لا يمكن تجاوزه.
إن المرحلة الراهنة تتطلب من القيادة السياسية في بغداد الاستناد إلى مكامن القوة الذاتية، والالتزام الصارم بالثوابت العقائدية والوطنية، وتغليب جانب الحذر والحرص في إدارة العلاقات الإقليمية. إن أمن العراق وسيادته وحفظ دماء أبنائه لن تحققها المصافحات الدبلوماسية ولا العلاقات الشاغرة، بل يُصان بالتمسك بمسار المقاومة، ودعم الحشد الشعبي والقوات المسلحة، واليقظة التامة ضد أي مخطط يهدف إلى إعادة إنتاج الخطر التكفيري بأسماء وعناوين جديدة.
انتهى/
