طوفان الأقصى؛ ضربة في رأس الكيان الشيطاني من مسافة صفر
وكالة الدفاع المقدس للأنباء: لم تكن عملية «طوفان الأقصى» المذهلة في السابع من أكتوبر مجرد حدث عابر في سجل الصراعات، بل كانت زلزالاً هائلاً ضرب الأسس العقائدية والاستخبارية والاستراتيجية للكيان الصهيوني، وأسقط وهم تفوق تل أبيب واستحالة هزيمتها. وبدأت هيبة الكيان الصهيوني تتهاوى منذ الساعات الأولى لاختراق قوات المقاومة تحصينات غلاف قطاع غزة؛ إذ أدى انهيار منظومة القيادة والسيطرة وتعطّل منظومات المراقبة الإلكترونية وأجهزة الاستخبارات التي طالما أُحيطت بهالة أسطورية، مثل «أمان» و«الشاباك»، إلى شلل في عملية صنع القرار في تل أبيب. ولولا التدخل المباشر للبنتاغون، لما تمكنت حكومة الكيان الصهيوني وجيشه من تجاوز الصدمة العنيفة أو حتى التعامل مع أبسط تداعيات هذه الضربة الموجعة.

لم يكن هذا التحول التاريخي العميق، خلافاً للروايات الاختزالية التي روّجت لها وسائل الإعلام السائدة، انفجاراً عفوياً أو حدثاً مفاجئاً بلا مقدمات، بل كان رداً من شعب عانى لأكثر من سبعة عقود من وطأة الاحتلال والاستيلاء على أرضه والجرائم المنظمة والتهجير. فالحصار الخانق الذي فُرض على قطاع غزة لأكثر من 16 عاماً وحوّله إلى سجن مفتوح، إلى جانب الاقتحامات المتكررة للضفة الغربية والانتهاكات اليومية لحرمة المسجد الأقصى، بدّد أي أمل في انتزاع حق تقرير المصير عبر المسارات الدبلوماسية.
ومن جهة أخرى، تكشف الوثائق التي جرى تسريبها أن الآلة العسكرية الإسرائيلية كانت قد أعدّت منذ وقت طويل مخططاتها الرامية إلى التطهير العرقي، والسيطرة على غزة، والقضاء التام على البنية التحتية للمقاومة. وانطلاقاً من ذلك، مثّلت «طوفان الأقصى» تجسيداً واضحاً للدفاع المشروع، وخطوة استباقية مدروسة لحماية الوجود التاريخي والكيان الوطني الفلسطيني في مواجهة مشروع يستهدف القضاء عليهما.
لكن رد تل أبيب على هذه الضربة التاريخية تمثّل في التنصل الكامل من قواعد القانون الدولي، واللجوء إلى سياسة الأرض المحروقة والقتل الجماعي. فقد شنّ الجيش الصهيوني هجوماً وحشياً وانتقامياً، أمطر خلاله قطاع غزة بوابل غير مسبوق من النيران والقنابل؛ إذ تجاوزت، وفقاً للإحصاءات الدولية الرسمية، كمية القنابل التي أُلقيت على القطاع 200 ألف طن من الذخائر والقنابل الثقيلة الخارقة للتحصينات.
وقد خلّف هذا القصف المكثف، الذي يُقدّر بأن قوته التدميرية تعادل قوة عدة قنابل نووية، دماراً واسعاً طال أكثر من 80 بالمئة من النسيج العمراني والسكني في غزة، وألحق أضراراً جسيمة بجميع البنى التحتية الحيوية في القطاع. ونتيجة لهذه الجرائم الوحشية، تجاوز عدد الشهداء 75 ألفاً، كان الأطفال والنساء الأبرياء يشكلون أكثر من 70 بالمئة منهم، فيما فُقد عشرات الآلاف تحت الأنقاض أو أُصيبوا بإعاقات وإصابات دائمة.
وبالتوازي مع العدوان العسكري على الأرض، أطلقت الآلة الدعائية وغرف العمليات الإعلامية الغربية والإسرائيلية، منذ الساعات الأولى للعملية، حملة تضليل واسعة النطاق، اعتمدت على نشر الشائعات واستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق (Deepfake).
وكانت الأخبار الملفقة بشأن قطع رؤوس الرضّع جزءاً من مخطط مدروس لتصوير عملية المقاومة المشروعة على أنها جريمة حرب، وتهيئة غطاء أخلاقي لتبرير الإبادة الجماعية في غزة. وقد نجحت هذه الحرب النفسية المعقدة، في ساعتها الأولى، في التأثير على الرأي العام الغربي وتضليله، لكنها سرعان ما انكشفت بفعل التحقيقات المستقلة وغياب أي أدلة تثبت تلك المزاعم، فضلاً عن تراجع وسائل إعلام كانت قد روّجت لبعض هذه الادعاءات ونفيها لها، الأمر الذي كشف زيف تلك الروايات وألحق فضيحة جديدة بالآلة الدعائية للاحتلال.
وعلى الصعيد الجيوسياسي، أطاحت هذه العملية بالمعادلات الإقليمية القائمة على التسوية، والتي كانت واشنطن تدفع بها قدماً تحت مظلة «اتفاقيات أبراهام». ففي الوقت الذي كانت فيه بعض الحكومات العربية تسعى إلى تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني، والتغاضي عن القضية الفلسطينية، ومنحه شرعية إقليمية، جاءت «طوفان الأقصى» لتدق ناقوس اليقظة في مختلف أنحاء العالم الإسلامي وبين الشعوب العربية.
وأعادت هذه العملية القضية الفلسطينية من هامش الاهتمام إلى صدارة النقاش السياسي العالمي، وأطلقت موجة غير مسبوقة من التضامن الدولي، امتدت من شوارع الدول الإسلامية إلى حرم الجامعات الكبرى في الغرب، وأسهمت في إسقاط الأقنعة عن الجهات التي تتشدق بالدفاع عن حقوق الإنسان، ودفع الضمير الإنساني الحي إلى إدانة الطبيعة الاحتلالية للكيان الصهيوني وممارساته.
إن التقييم العميق لعجز تل أبيب يقتضي التوقف عند الأبعاد العملياتية للمعركة؛ فقد عجز جيش يمتلك أحدث منظومات الدفاع وأجهزة الاستشعار الذكية عن التصدي للتخطيط المعقد والمتعدد الأبعاد الذي اعتمدته المقاومة، وفقد قدرته على أداء مهامه بفاعلية. وفي ظل هذه الظروف، سارعت واشنطن إلى إنقاذ تل أبيب من خلال تقديم دعم مباشر لها والتدخل في غرف عملياتها العسكرية، لتؤدي دور المنقذ لهذا الكيان الذي تصفه أدبيات المقاومة بالورم السرطاني. وقد أثبت هذا الاعتماد الشامل والمكشوف أن أسطورة الجيش الإسرائيلي القادر على الاعتماد على نفسه لم تكن سوى فقاعة دعائية فارغة، وأن بقاء هذا الكيان واستمرار قدرته على المواجهة يعتمدان اعتماداً كاملاً على الدعم الشامل الذي تقدمه الإمبريالية الأمريكية.
ومع مرور الوقت واتضاح أبعاد الهزيمة، لجأت المؤسسات السياسية والإعلامية التابعة للكيان الصهيوني إلى طرح رواية متأخرة في محاولة للتنصل من المسؤولية عن الإخفاق الاستخباري الكبير. وتمثّل ذلك في الادعاء بأن تفاصيل عملية «طوفان الأقصى» كانت معروفة لدى رئيس الوزراء والأجهزة الأمنية منذ فترة طويلة، لكنها أُهملت بسبب تقصير نتنياهو. ولم يكن هذا الادعاء، وفقاً لهذا الطرح، سوى محاولة مصطنعة لتبرئة الأجهزة الاستخبارية من مسؤولية إخفاقها.
وقد حاولت هذه الجهات اختزال الفشل الاستراتيجي الذريع والمفاجأة الكاملة التي مُني بها الكيان في السابع من أكتوبر في خطأ في التقدير أو إهمال أو قصور إداري داخل حكومة الكيان الصهيوني، بهدف التخفيف من وطأة الفضيحة التي كشفها العجز البنيوي للمؤسسة العسكرية. وهي رواية زائفة غذّتها الصراعات السياسية الداخلية وتبادل الاتهامات بين الأجنحة النافذة في الكيان الصهيوني، سعياً إلى التنصل من المسؤولية وتفادي المحاسبة القضائية.
وفي نهاية المطاف، جاءت التطورات التي أعقبت اتفاقات وقف إطلاق النار المؤقتة، إلى جانب تعثر الاتفاقات التي رُوّج لها بوصفها اتفاقات سلام دولية، لتوجّه ضربة قاصمة إلى الصورة الإنسانية المزعومة للولايات المتحدة والكيان الصهيوني، وتكشف زيف الضمانات الغربية أمام العالم. فعلى الرغم من الخطط المعلنة والتعهدات الدولية الصريحة، لم يلتزم الكيان الصهيوني بأي من بنود اتفاق وقف إطلاق النار، بدءاً من ضمان دخول قوافل المساعدات الإنسانية بحرية، وصولاً إلى وقف الاعتداءات والجرائم اليومية، بل واصل تشديد الحصار الخانق والقاتل المفروض على قطاع غزة.
واليوم، تواجه غزة شكلاً صامتاً من الإبادة، يترافق مع تدمير بيئي واسع النطاق. فقد أدى الانهيار المتعمد والكامل للمنظومة الصحية، وتدمير البنى التحتية للمياه والكهرباء، وتلوث التربة والمياه الجوفية بكميات غير مسبوقة من السموم ومخلّفات المتفجرات الثقيلة، وشلّ الشرايين الاقتصادية، إلى تعريض حياة جميع سكان القطاع لتهديد مباشر. ومن خلال استخدام التجويع الممنهج سلاحاً، ومنع دخول الأدوية، ومواصلة الغارات الجوية المتفرقة، وإن كانت مميتة، يسعى الكيان الصهيوني إلى فرض واقع يستحيل معه العيش في غزة، بهدف إجبار سكانها على الهجرة القسرية واستكمال مشروع التطهير العرقي، أو مواصلة قتلهم تدريجياً وسط صمت المؤسسات الدولية.
ومع سقوط الأقنعة الدعائية وانكشاف حقيقة المعركة، دخلت عملية «طوفان الأقصى» التاريخ بوصفها نقطة تحول في التاريخ المعاصر. فقد أثبتت هذه الملحمة أن القوة العسكرية، والحرب النفسية التي تقودها الدول الغربية، والتفاهمات الدبلوماسية الإقليمية، لا تستطيع القضاء على الإرادة الوطنية لشعب يسعى إلى التحرر من الاحتلال.
وعلى الرغم من أن الكيان الصهيوني، مستنداً إلى الدعم الأمريكي المباشر وغير المباشر، حوّل قطاع غزة إلى أرض محروقة ومسرح لجرائم حرب غير مسبوقة، فإنه أخفق إخفاقاً تاماً في تحقيق أهدافه الاستراتيجية، وفي مقدمتها تهجير السكان قسراً والقضاء على فكر المقاومة وروحها. ولم تكتفِ ملحمة السابع من أكتوبر التاريخية وصمود شعب غزة الأسطوري بإسقاط أسطورة الردع والاستقلال العسكري الإسرائيلي، بل أسهما أيضاً، من خلال إيقاظ الضمير العالمي، في تسريع مسار الأفول التاريخي للنظام الصهيوني وتآكله على مستوى العالم.
انتهى/
