تم التحدیث فی: 01 November 2020 - 16:50
إن جوهر الإستراتیجیة الأمریکیة منذ البدایة، کان یقوم على جر رجل إیران لمستنقع مواجهة الإرهاب بجیشها فی العراق، ما یوفر الظروف المثالیة لإیقاض حرب سنیة شیعیة کلما حاولوا إشعالها أطفأها الله.. کما أن تجربة سوریة أکدت أن الحرب على الإرهاب خاسرة إذا استمر تدفق التکفیریین، وإیران لیست غبیة لتأکل من هذا الطعم.
رمز الخبر: ۶۰۳۸۶
تأريخ النشر: ۱۳ ذی الحجه ۱۴۳۵ - ۱۲:۲۵ - 07October 2014

أوبامــا.. وإستراتیجیــة نصــب الأفخـــاخ

أحمد الشرقاوی

“علینا أن نتحلى بصبر إستراتیجی”.. هذا ما قاله الرئیس ‘أوباما’ قبل أیام، حین ادعى کذبا أن المخابرات الأمریکیة أخفقت فی تقدیر خطر “داعش” بالعراق وسوریة..

بدلیل، أنه لم یطالب رئیس المخابرات بتقدیم إستقالته بسبب هذا الخطأ الفظیع الذی بنیت علیه إستراتیجیة دولة عظمى، وأقامت على أساسها تحالفا من جوقة صانعی الإرهاب فی المنطقة والغرب، وشرعت فی حملة قصف عسکریة، تبدو کمسرحیة استعراضیة لألعاب ناریة بهلوانیة لا تجدی نفعا فی محاربة الإرهاب من دون قوة بریـة على الأرض لمواجهته فی الأوکار ومطاردته فی المجاریر.

إن جوهر الإستراتیجیة الأمریکیة منذ البدایة، کان یقوم على جر رجل إیران لمستنقع مواجهة الإرهاب بجیشها فی العراق، ما یوفر الظروف المثالیة لإیقاض حرب سنیة شیعیة کلما حاولوا إشعالها أطفأها الله.. کما أن تجربة سوریة أکدت أن الحرب على الإرهاب خاسرة إذا استمر تدفق التکفیریین، وإیران لیست غبیة لتأکل من هذا الطعم، بل هی تستهدف مصالح من یستثمرون فی الإرهاب لتخریب محور المقاومة، وتطوق رؤوس الفتنة والشر مثل “السعودیة و إسرائیل”، وتحذر من أن اللعب بالنار سیحرق المنطقة برمتها، وتتحضر للمواجهة الکبرى، لیقینها أنها هی المستهدفة بالنهایة، لأنه إذا سقطت العراق وسوریة سقطت طهران وتبعتها موسکو وبیکین، لیسود الظلم والظلام.

وبالتالی، فالذین یتساءلون، لماذا لم تشکل موسکو وطهران حلفا شرعیا لمحاربة الإرهاب بدل أن یترکوا الساحة لمحور المآمرة یعبث بأمن ومصیر المنطقة؟.. یطرحون سؤالا مشروعا، لکنه سؤال سادج، لأنه یقترح حلا لظاهرة “داعش” التی لا تمثل جوهر المشکلة، بل هی مجرد أداة وظیفیة لتحقیق أجندات الأسیاد الخبیثة.. وبالتالی، فالمنطق، والعقل، والحسابات الإستراتیجیة، تحتم على محور “بیکین – غزة” مواجهة الرؤوس الحامیة أصحاب المؤامرة الذین لا شغل لهم إلا نصب الأفخاخ وإدارة التوحش من الخلف.. وإلا سیظل القتل بین الشعوب العربیة والإسلامیة هو أسلوب الحوار الطاغی إلى أن یهزم الجمیع وینتهی عصر “داعش” وعصر “العرب” معــا.. لأن من یفضل حیاة الذل على الموت بشرف أو العیش بکرامة، لا یستحق الحیاة فی عالم لا یرحم الضعفاء ولا یحترم إلا الأقویاء، وهذه هی سنة التاریخ التی لا تتبدل ولا تتغیر.

إیران التی تعلمت الصبر من حیاکة السجاد، لا تتصرف بردات فعل متسرعة.. إنها تمتص الضربات، تستوعب، تدرس، تحلل، تنسق مع حلفائها ومحورها، تراقب التطورات وتلعب على التناقضات (بین ترکیا والسعودیة)، وتحضر سیناریوهات المواجهة، وتختار اللحظة المناسبة لتفجیر المفاجأة تلو المفاجأة، وهی فی غیر وارد أن تدخل فی حرب لتقتلع الأشواک التی زرعتها أمریکا والسعودیة ومن معهما.. فلیطهروا زبالتهم بأیدیهم حین تحل بدیارهم، أما العراق وسوریة ولبنان فقادرین على مواجهة الإرهاب من دون مساعدة صانعیه وداعمیه.

وإذا کانت المخابرات الأمریکیة قد قدرت عدد الإرهابیین فی العراق وسوریة بـ 15000 فقط، فهذا رقم صحیح، وبالتالی هی لم تخطأ کما قال ‘أوباما’.. وکیف لها أن تفعل وهی تعرفهم عدا وفردا، لأنها هی من دربتهم وسلحتهم ودعمتهم وتقودهم لینفذوا أجنداتها.. وتجذر الإشارة هنا إلى أن لعبة الأرقام هی لتضییع الحقیقة، لأن الحقیقة تقول، أنه بالفعل هناک 15 ألف من القادة والأمراء والأطر والتقنیین الداعشیین المحترفین والخطیرین کما قال الجنرال دیمبسی قبل بدء العدوان، لأنهم تلقوا تدریبا عالیا على التوحش.. فی الأردن وترکیا وقطر وإسرائیل وأمریکا نفسها.

وحین یقول العراق أن عددهم یقدر بحوالی 50 ألف، ثم تقول مصادر سوریة أن المجموع فی سوریة والعراق وصل حوالی 80 ألف، تم تتحدث تقاریر أخرى عن 100 ألف ویزید، فالکلام هنا هو عن الإستقطاب والتجنید والتحاق آلاف المتطوعین من کل أصفاع الأرض بترکیا لمساندة “داعش” فی حربها ضد الصلیبیین، بعد النداء الذی أطلقه خلیفة المغفلین.

هذا بالإضافة إلى أن عدید الفصائل الأخرى المقاتلة فی سوریة والتی کان یقدر عددها بـ 1000 فصیل من 83 أو 86 دولة.. ومن هذه المجموعات من انتهى، ومنها من انحل لضعف التمویل، ومنها من قتل، ومنها من اعتقل، ومنها من انضم إلى النصرة و”داعش” والجبهة الإسلامیة/ ومنها من لا یزال یبحث له عن دور وفرصة.. والیوم یبدو أن الجمیع بصدد الإستعداد للإنضمام إلى “داعش” لتوحید بندقیة القتال ضد أمریکا وحلافئها الأعراب..

وحدهم الأجانب الذین انضموا إلى “داعش” من دول الغرب وصل عددهم إلى 12 ألف، غیر مئات البنات المراهقات ممن یعشقن جهد النکاح خصوصا من بریطانیا وفرنسا، وهذا رقم مهول أرعب الغرب بالفعل، لأن عودتهم ستحول بلدانهم إلى ساحات تفجیر وجهاد، وهذا ما ترغب فی القضاء علیه أمریکا وفرنسا وبریطانیا وکندا وإسترالیا على وجه الخصوص.. أما العرب، فلیذبح بعضهم بعضا، إنهم کالدجاج وحکامهم کالنعاج لا یستحقون الحیاة وفق المنطق الصهیوأمریکی.

لأنه إذا کان التقویم الأولی الذی غیّـر على أساسه الرئیس ‘أوباما’ خطته العسکریة من القصف الجوی المکثف إلى “الصبر الإستراتیجی” کما قال، فی إنتظار توریط الحلفاء لإبتزازهم ونهب مذخراتهم، مبشرا المنطقة والعالم بجیل من الحروب التی ستغیر وجه الشرق الأوسط.. فهذا یعنی أن إستراتیجیة أمریکا لا یمکن أن یکون لها حظا من النجاح إلا إذا استلمت هی قیادة الدفة لإدارة التوحش من خلف بدل قیادة جماعیة تحت مظلة الأمم المتحدة کما تطالب بذلک روسیا وإیران.. الأمر الذی یستوجب حتما من الناحیة العملیة، توریط الحلفاء فی مستنقع المنطقة بعد أن فشل التهویل فی إستدراج إیران للفخ.

أوباما لا یستطیع بعث جنود بلاده لمحاربة “داعش” وحزبه على أبواب الإستحقاقات النیابیة النصفیة بعد شهر ونیف، وإستطلاعات الرأی تقول أن 74 % من الأمریکیین یرفضون عودة بلادهم فی حرب ثالثة إلى العراق.

ولعل المفاجأة الغیر سارّة التی تلقاها ‘أوباما’، هو أن الغارات الجویة على معاقل “داعش” الفارغة کانت مهزلة ولم تغیر من الواقع شیئا، وأن قتل بضع عشرات من الدواعش لا یبرر الکلفة العالیة للعملیات، وأن العقل الإستراتیجی الذی یخطط للحروب فی البنتاغون، قد أعمته الأجندات السریة عن وضع إستراتیجیة منطقیة، متناسقة، وقابلة للتنفیذ بمساهمة الدول التی تحارب الإرهاب فعلیا ولها جیوش قویة على الأرض کسوریة مثلا.

وها هم الخبراء فی الولایات المتحدة یقولون أن الغارات الجویة استنفذت بنک أهدافها فی أسبوعها الأول، وأنه یستحیل ملاحقة جیوش داعش التی اختلطت بالسکان المدنیین على امتداد جغرافیة “الدولة الإسلامیة” من عرسال اللبنانیة إلى تکریت العراقیة مرورا بالشمال السوری، حیث یقدر عدد سکان هذه المناطق التی تمثل بیئة حاضنة للإرهاب بأکثر کثیرا من سکان “الدولة الإسلامیة” التی أعلنها البغدادی أول مرة وکانت تضم حوالی 8 ملیون نسمة، أی ضعف سکان لبنان.

هناک من الخبراء من یقول الیوم، أن إستمرار حلف أمریکا “السنی” کما أرادته إدارة ‘أوباما’ أن یکون، لن یصمد طویلا لسببین: الأول، أنه لن ینجح فی جر رجل إیران لحرب مذهبیة غبیة تشتهیها السعودیة. والثانی، انقلاب السحر على الساحر کما تبدو بعض مؤشراته الیوم، خصوصا فی الأردن والسعودیة والکویت، وتشیر معلومات إلى أن ما بین 1000 و 1500 أردنی سلفی تسللوا مؤخار لمملکة الرمال بأسلحة خفیفة ومتوسطة وذخائر کثیرة، وأن فی المهلکة عدید الخلایا النائمة فی إنتظار الواقعة، خصوصا وأن السعودیة هی معقل الفکر التکفیری فی العالم، والإرهاب مارکة مسجلة باسم آل سعود الذی استثمروا فی الوهابیة عبر العالم ما لو استثمروا بعضه فی التنمیة لکان العالم العربی فی غیر ما هو علیه الیوم.

ولا ندری ماذا سیفعل الله بالبحرین والمنطقة الشرقیة وجنوب السعودیة بعد الذی حدث فی الیمن، وبارکته السعودیة بمیعیة مجلسها الخلیجی، ثم أستفاقت لتدرک أن ما حصل، وإن کان ینهی الخطر “الإخوانی” المتمثل فی حزب الإصلاح، إلا أن الیمن شعبا وجغرافیة ومشورعا أصبح فی المکان الذی تشن علیه السعودیة الحرب، فأوعزت لکلابها فی القاعدة أن أشغلوا “الحوثی” بحرب تفجیرات لا هوادة فیها، معتبرة أمن الیمن من أمنها، وأن ما حصل کان بأیادی خارجیة.. تماما کما حصل فی العراق، حیث بارکت رحیل ‘المالکی’ ورحبت بقدوم ‘العبادی’، لتکتشف بعد حین أن الأخیر لا یختلف عن الأول فی ما له علاقة بخیارات العراق الإستراتیجیة.. فأکلتها مرتین.

إن ما فعله الأعراب الأغبیاء، هو أنهم حسموا خیارهم الإستراتیجی الأخیر فقرروا الإنتحار، وأصبحوا أعداء محور المقاومة، وداعش، والإخوان، والسلفین، والعروبیین، والقومیین، والشیوعیین، والمسیحیین والمسلمین الشرفاء سنة وشیعة، بل حتى الدهماء من العامة یکرهون الیوم السعودیة، ولا نتحدث عن الشعوب الغربیة.. فکیف یمکن أن یخرج الأعراب الصهاینة من هذا الفخ المظلم والعمیق الذی استدرجتهم إلیه أمریکا، بعد أن دمرت دینهم بمعاولهم وشوهت سمعتهم وحولتهم إلى کائنات أقل قیمة من الجرذان؟..

ولأن العرب لا إستراتیجیة لهم، یجذر بنا تسمیة مقامرتهم هذه بـ”إستراتیجیة الإنتحار”، لأنهم واهمون إذا کانوا یعتقدون أن أمریکا ستدافع عنهم أو ستحمی عروشهم من السقوط، بل ستتخلى عنهم وترمیهم کمادیل من ورق حین یفشلون، وهذا ما حذرهم منه رئیس البرلمان الإیرانی السید ‘لارجانی الثلاثاء.. هذه الحقیقة تعرفها السعودیة، وأقر بها کبار أمراء الزیت حین أعربوا فی أکثر من مناسبة عن شکهم فی ما تقوم به أمریکا وعدم ثقتهم فی مخططاتها.. فاتجهوا صوب “إسرائیل” عسى أن تشفع لهم لدى الأمریکی کی یظلوا فی عروشهم، مقابل الإنفتاح على السرطان، ولتذهب فلسطین إلى الجحیم.

وإذا کانت إیران تتعامل مع السعودیة بسیاسة الوخز بالإبر حتى لا تألمها کثیرا، وتقول أنها لا ترید أن تدفع بمملکة الجهل والظلام للإرتماء کلیا فی أحضان “إسرائیل”.. فإن الوقت قد فات، والسعودیة و”إسرائیل” هما الیوم وجهان لعملة واحدة، تصرفها أمریکا فی خراب محور المقاومة وشرکائه الدولیین.

أن یرتد الإرهاب على أصحابه، هو حتما أمر یخدم مصلحة محور المقاومة.. کما أن عدم محاربة الجیش العربی السوری لـ”داعش” عندما کانت تخوض حروب التصفیة ضد الجماعات الأخرى، هو أیضا خدم إستراتیجیة الجیش العربی السوری فی تلک المرحلة.. لکن دخول أمریکا وجوقتها من دون إذن من الحکومة السوریة أو قرار واضح وصریح من مجلس الأمن، برغم الضمانات التی قدمتها أمریکا لإیران وروسیا بعدم إستهداف الجیش العربی السوری ولا مقرات الحکومة، لا یخدم سوریة نظاما وجیشا وشعبا.. والخطر لیس من الجو، بل من الأرض، لأن من یملک الأرض ینتصر، ومن یخسرها یخسر الحرب، والصراع الدائر الیوم هو على الحدود الجدیدة بعد أن سقطت القدیمة بحکم الواقع.

ولعل هذا النوع من التفکیر الإستراتیجی المعقد لدى الرئیس السوری فی مواجهة الأخطار والتحدیات بصلابة وثقة وثبات، هو الذی حدى بالعقید المتقاعد من الجیش الأمریکی، ‘ریک فرانکونا’، الذی یعمل الیوم محللا للشؤون العسکریة لدى قناة CNN الأمریکیة للقول: “نشعر بالذهول لمقدار الذکاء والفکر الاستراتیجی الذی یظهره الأسد، نحن نعلم أن والده کان لدیه هذا النوع من الذکاء، لکننا متفاجئون من أن الابن قد تطور بدوره لیصبح زعیما میکیافلیا کما هو الیوم”. ولعل هذه الشهادة الشجاعة من رجل خبر الحروب زمنا طویلا ویعرف عما یتحدث، کافیة لفهم سر هدوء ‘الأسد’ وابتسامه فی وجه زواره طوال الوقت، وکأن ما یحدث لا یشکل خطرا وجودیا على نظامه وبلاده، وکأن لدیه من الضمانات ما یجعله مرتاحا إلى أن سوریة لن تسقط حتى لو سقط الشرق الأوسط کله.

وحیث أن المنطقة لن تنتظر أشهرا إلى أن یکمل ‘أوباما’ إعداد جیش المعارضة “المعتدلة” التی ستحارب “داعش” فی سوریة، فإن ترکیا و”إسرائیل” قد قاموا باللازم فی هذا الباب، وأعدوا جیوشا من الدواعش المعتدلین فی الشمال والجنوب، لیکونوا نواة جیش الثورة السوریة الجدیدة.

ترکیا کانت تدرک أن مثل هذه الثغرات ستوصل “التحالف” إلى طریق مسدود، فرفضت التوقیع على بیان جدة وبیان مؤتمر باریس، وصعدت من ثمن مشارکتها لإدراکها أنها القوة العسکریة الترکیة الکبیرة والوحیدة القادرة على شن عدوان بری على العراق وسوریة، لکن شریطة أن توافق واشنطن على السماح لها بخلق منطقة سمتها “آمنة” لإستقبال المهجرین والنازحین، بدل “منطقة عازلة” التی تستوجب إستصدار قرار من مجلس الأمن الدولی، وهو أمر تعرف ترکیا أنه مستحیل المنال بسبب معارضة روسیا والصین.. لکن إقامة “منطقة آمنة” لا یمنع من تحویلها بحکم الأمر الواقع، ومن مدخل إنسانی للدفاع عن النازحین، إلى منطقة عازلة ومحظورة الطیران أیضا.

وترکیا وإن کانت استصدرت قرارا من الابرلمان الخمیس بالموافقة على مغامراتها العسکریة فی العراق وسوریة، و وضعت 15 دبابة على الحدود، وأوعزت لـ”داعش” بحصار جنودها فی قبر جد العثمانیین السلاجقة المقبور ‘سلیمان باشا’، ومهاجمة قرى ومدن الأکراد فی الشمال السوری… وغیرها من التحضیرات التی توحی بأن الأمر جدی، وأن أردوغان عازم على الحسم العسکری فی سوریة والعراق أیضا، لیضرب عصفورین بحجر واحد: “الأکراد و الأسد”.. إلا أنها لا تستطیع التحرک من خارج المضلة الأمریکیة والأطلسیة..

کما أن روسیا حین قالت أنها لن تتدخل عسکریا لمحاربة الإرهاب، فهذا لا یعنی أن أسطولها قبالة السواحل السوریة جاء للإستعراض، وأنه سیظل یتفرج على ما تقوم به ترکیا من إنتهاکات لسیادة دولة عضو فی الأمم المتحدة، وسیکون تدخلها حینها حاسما ورادعا، لأنها تعرف أن ‘أوباما’ یهوى ممارسة سیاسة حافة الهاویة، لکن عندما یجد الجد یتراجع خوفا من أن تنفلت الأمور.. والأخطر من لعبة البوکیر الأمریکیة، أن روسیة مضطرة للعودة للعبة الرولیت الروسیة القدیمة التی أتقنها ‘بوتین’ خلال عمله بالـ”کی جی بی” إبان الحرب الباردة، وهو مدرک تمام الإدراک، أن هذه الحروب الممتدة من لیبیا إلى سوریة فأوکرانیا فالعراق فهونغ کونج من مدخل الدیمقراطیة، لیست سوى قفزات سریعة فی لعبة الشطرنج الدولیة، وأن عدم تدخلها للجم مغامرات حلفاء أمریکا فی المنطقة وعلى رأسهم ترکیا الأطلسیة، سیوصل الإرهاب إلى موسکو والقوقاز والصین أیضا.

لکن قیام “إسرائیل فی الجهة المقابلة بتنفیذ نفس المشروع الترکی وفرضه کأمر واقع، من خلال السماح لجبهة “النصرة” والمجموعات المنضویة تحت عبائتها کـ”لواء الفرقان” و”لواء الحرمین” والجیش الحر وغیرهم.. یؤکد أن ما یتحضر لسوریة هو بالغ الخطورة ومدخل حتمی للتقسیم، فی حال رفضت سوریة الخضوع للإبتزاز والقبول بوصفة سیاسیة على شاکلة الفدرالیة العراقیة، وإنهاء إرتباطها بإیران والمقاومة.. هذا هو الثمن المطلوب وإلا فدونه الخراب.

وها هی “إسرائیل” تسقط طائرة سوریة لتبعث برسالة مفادها، أن ‘تل أبیب’ تعتبر نفسها عضوا فی التحالف الدولی لمحاربة الإرهاب، لکن من الباطن، ووفق ما یخدم مصالحها، لأن الإرهاب بالنسبة إلیها لا یتمثل فی “داعش” و”النصرة” وغیرها، بل فی المقاومة وعلى رأسها الرئیس ‘الأسد’ الذی یدعمها.. بدلیل، أنها ولتجسید مشروعها على الأرض، سمحت لجبهة “النصرة” وأخواتها بالإستیلاء على عشرات القرى على إمتداد الشریط الحدودی من ‘درعا’ إلى قمة ‘حرمون’، وتقدم لهم التدریب والسلاح والتطبیب والمعلومات الإستخباراتیة وتغطی تموضعهم عسکریا.

والهدف العملانی کما أصبح واضحا من إقامة منطقة “طیبة الجدیدة على شاکلة “طیبة” اللبنانیة القدیمة، هو ضرب عصفورین بحجر واحد أیضا، أی تهدید المواقع الحساسة للجیش العربی السوری التی یحشد فیها خیرة فرقه وجزء هام من أسلحته الإستراتیجیة الموجهة صوب فلسطین المحتلة وصولا إلى فتح ثغرة نحو ‘دمشق’، فیما تعمل قوات إرهابیة مدعومة من الجیش الصهیونی بالإلتفاف على المقاومة الإسلامیة فی لبنان (حزب الله) من الجهة الجنوبیة الغربیة، تزامنا مع هجوم فلول “النصرة” و”داعش” من جرود عرسال والشمال اللبنانی، ومن ثم مهاجمة حزب الله بعد وضعه فی کماشة من کل الجهات، لأنه وفق ما تتوهم “إسرائیل”، هذا الطوق من شأنه إشغال الحزب عن مساندة الجیش العربی السوری فی الجولان.

وفی هذا الصدد وردت معلومات إستخباراتیة تؤکد أن “داعش” و “النصرة” والفصائل المنضویة تحت لوائهما، یتحضران لهجوم کبیر وکاسح على لبنان.. وهو ما تعرفه إیران، وترى أن السعودیة اتخذت قرارا بتفجیر لبنان ردا على ما حصل فی الیمن.

ولهذا السبب زار أمین عام الأمن القومی الإیرانی السید شمخانی بیروت، وعرض مساعدة عسکریة نوعیة للجیش اللبنانین لم تجد الحکومة مبررا لرفضها بعد إلغاء هبة 3 ملیار دولار السعودیة مع فرنسا، والمماطلة والتسویف فی هبة الملیار دولار التی بشر بها العمیل ‘سعد الحریری’ خلال زیارته الأخیرة لبیروت، بهدف إطلاق سراح أمیر سعودی اعتقله الجیش اللبنانی على خلفیة ضبطه وهو یوزع مبالغ مالیة لتمویل الإرهاب فی لبنان، وضبط عمیل أردنی أیضا یوزع الأموال على الدواعش فی الشمال لحساب مملکة الشر والإرهاب، وتزامن کل ذلک مع بیانات التهدیدات الذی أطلقتها الجماعات التکفیریة ضد الجیش اللبنانی وحزب الله من “داعش” إلى “النصرة” وآخرها کتائب عبد الله عزام الشهیرة التی ترتبط ببندر بن سلطان مباشرة، وتتواجد خلایاها بمحیم عین الحلوة وغیره.

وبهذا المعنى، فاستراتیجیة “الصبر الإستراتیجی” الذی أعلن عنها ‘أوباما’، تقتضی العمل بصمت والتحضیر للمعرکة الکبرى التی سیتولى خلالها “الإرهاب المعتدل” مهمة مللأ الفراغ على الأرض وتعدیل موازین القوة، ما سیجبر ‘الأسد’ على القبول بالحل السیاسی الأمریکی (فدرالیة على شاکلة العراق) أو تفجیر سوریة وتحویلها إلى کانتونات طائفیة ومذهبیة حتى لو تطلب الأمر سنوات من الإستنزاف.

أما بالنسبة للعراق، فقد بدأ الجیش الأمریکی فی تشکیل قوى عسکریة وأمنیة عراقیة على شاکلة “الصحوات” فی مختلف المناطق، لا تتبع للحکومة العراقیة، بل تعمل حصریا تحت قیادة القواة الأمریکیة، وهذا هو الإستعمار المقنع الذی عاد الیوم إلى المنطقة من بوابة محاربة الإرهاب.

رئیس الحکومة العراقیة الجدیدة السید ‘حیدر العبادی’، لجأ إلى إیران وسوریة وروسیا، ورفض أی إنزال بری لعملیات عسکریة فی بلاده، وقال أن الجیش العراقی وقوات الدفاع الشعبی قادرین على دحر الإرهاب من دون مساعدة من جیوش أجنبیة، وأن ما یحتاجه العراق هو السلاح.. ومعلوم أن إیران کانت ولا تزال تزود العراق بما یحتاجه من سلاح ومعدات وخبرة وإستشارات لمواجهة الإرهاب على الأرض، وأن روسیا بدورها قدمت السلاح، کان آخره الأربعاء، حیث استلمت بغداد أحدث منظومة للدفاع الجوی الإستراتیجی “تور إم” ودفعة ثانیة من طائرات الهلیکوبتر المقاتلة المتطورة من نوع (می 28 و می 35).. هذا فی الوقت الذی رفضت أمریکا تسلیم طائرات “إف 16″ المتعاقد بشأنها منذ سنوات والمدفوعة القیمة سلفا (3 ملیار دولار)، وتبتز الإدارة الأمریکیة بغداد مطالبة بزیادة مبلغ ملیار دولار مقابل خدمات الصیانة کشرط للتسلیم.

لکن الجدید الیوم، هو ما سبق وتحدثنا عنه فی مقالة سابقة، حین ذکرنا بنبوءة الأسد قبل سنتین تقریبا، حین قال أن “العامل الکردی هو المفجر للصراع فی ترکیا مستقبلا”.

وها هو حزب العمال الکردستانی یعلن النفیر العام للدفاع عن عین العرب من هجوم دواعش ترکیا.. وها هم الدواعش قاب قوسین أو أدنى من دخول مدینة العرب وارتکبوا على الأبواب جرائم بشعة فی حق الشباب والنساء والأطفال.. وها هو الزعیم ‘أوجلان’ یقول من سجنه، أن إرتکاب الجرائم فی حق أکراد سوریة هو نهایة إتفاق السلام بین الأکراد وسلطان الدواعش ‘أردوغان، ما یعنی العودة لحمل السلاح والدفاع عن الوجود والمصیر.

إنهم یمکرون ویمکر الله، ومکر الله أکبر…

رایکم
الاسم:
البرید الإلکتروني:
* التعلیق:
الأکثر قراءة