تم التحدیث فی: 17 January 2021 - 01:47
أصاب الاعتداء على حسینیة بلدة الدالوة فی محافظة الأحساء شرقی السعودیة أمن هذا البلد فی الصمیم. وقع المحظور، وما کان یقال فی المجالس او تخطـّه الأیدی على مواقع التواصل الاجتماعی أصبح حقیقة واقعة، للأسف.
رمز الخبر: ۶۱۲۴۴
تأريخ النشر: ۱۶ محرم ۱۴۳۶ - ۱۶:۱۳ - 08November 2014

مجزرة الأحساء: التکفیر المحمیّ یکمل دورته

علی عبادی

أصاب الاعتداء على حسینیة بلدة الدالوة فی محافظة الأحساء شرقی السعودیة أمن هذا البلد فی الصمیم. وقع المحظور، وما کان یقال فی المجالس او تخطـّه الأیدی على مواقع التواصل الاجتماعی أصبح حقیقة واقعة، للأسف.

مشهد الضحایا الشهداء فی الدالوة یشبه کثیراً مشهد أولئک الذین یسقطون یومیاً فی باکستان نتیجة التعصب المذهبی الموجَّه على باب مسجد او حسینیة او سوق او حی مأهول. دارت دورة الارهاب التکفیری عبر بلدان عدیدة، وهی تحطّ فی السعودیة مستفیدة من تحریض أهوج یدعو أربابُه لشنّ حرب إبادة بحق المسلمین الشیعة لأنهم لا یرون فیهم الا طائفة "خارجة عن الإسلام" ویقررون تجریدها من کافة حقوق الآدمیین.

کمّ الکراهیة الذی تبثه قنوات محمیة من الملاحقة وممولة جیداً داخل المملکة یکفی لتمهید الأرضیة لحرب أهلیة مدمِّرة، ونتائج هذا التحریض الطائفی المتواصل کان لا بد ان تُظهَّر بطریقة عنیفة ودامیة.

أهی البدایة؟ یُخشى أن یکون الأمر کذلک. ربما تفسر تلک الخشیة التحرکَ السریع لأجهزة الامن السعودیة للقبض على أفراد فی الشبکة التی تورطت فی سفک دماء المشارکین فی مراسم عاشوراء الأحساء. لکن السلطات لم تفعل الکثیر لمواجهة المدّ التکفیری العنفی، باستثناء الملاحقة الأمنیة واصدار بیانات التندید من المسؤولین و"هیئة کبار العلماء". هی تلاحق النتائج ولیس الأسباب المتراکمة، وتطارد المجرم الصغیر الذی یضرب بالرصاص، لکنها تتحاشى المسّ بالمجرم الکبیر الذی یقف خلف المشهد الدامی ویحثّ على العنف بذرائع شتى.

أزمة التیار التکفیری

مکمن الداء هو فی المنهج التکفیری الذی یتربع بین دفات الکتب الدراسیة ومنابر المساجد ومواقع الإنترنت لا یفتأ یتسلح بحجج شوهاء ویجزئ الحقائق ویعید تجمیعها بطریقة عجیبة لیقنع مستمعیه مثلاً بأن الشیعة هم أصل البلاء وان التخلص منهم بأیة کیفیة هو مفتاح حل أزمات الأمة، او بالأحرى أزمة هذا التیار المتعجرف.

یرید هذا التیار ان یلغی الفاصل الشفاف بین التکفیر اللفظی الذی تتبعه المدرسة الوهابیة الرسمیة والترجمة الفعلیة لهذا الخطاب والتی یتولاها ابناؤها المتمردون على ما یرونها مهادنة غیر ضروریة. لهذا نجد فی قلب التیار الدینی المحمیّ دعوات للإنقضاض على المسلمین الشیعة فی المملکة، وفی أحسن الاحوال دعوتهم "لاعتناق الإسلام"، وهی وصفة تکفیر تستبیح کراماتهم.

ولیس أسهل من تحویل الکلمة الى رصاص یفجّر الواقع الاجتماعی والسیاسی، ویحمل بذور تفتیت تلتقی مع دعوات امیرکیة الى إعادة تقسیم المنطقة وفق اعتبارات دیمغرافیة وثقافیة والخروج من عباءة خطوط سایکس - بیکو.

قد لا یدرک هؤلاء التکفیریون هذا الاتجاه الأمیرکی وقد یدرکون ولا یهتمون بالعواقب، المهمّ عندهم نفخ روح الانتقام وإشباع النزعة للتشفی ممن یخالفهم أیاً کان.

الانتقال من طور التکفیر الى طور التقتیل یعکس تفاقماً فی أزمة التیار التکفیری الذی لا یجد قضیة غیر خلق العداوات مع محیطه القریب قبل البعید. بالأمس کان هؤلاء أنفسهم یهاجمون مخالفیهم من المسلمین السنة ویقدحون فی إسلامهم بدعوى انهم علمانیون او لیبرالیون او خارجون عن "طاعة ولی الأمر" وغیرها من التهم التی تسهّل استباحة ذمة هؤلاء. الیوم أصبح المسلمون الشیعة شغلهم الشاغل الى درجة التهدید بتجییش الجیوش ضد أهالی القطیف والأحساء، وفق ما ورد على لسان أحد ضیوف قناة "وصال".

یتذرع التکفیریون بأحداث الساعة فی سوریا والعراق وأی بلد آخر للحدیث عن "مؤامرة شیعیة تستهدف السنة"، وهم یتغذون من إحباطٍ ازاء السیاسات الحکومیة التی لم تنجح فی تحقیق إنجازات سیاسیة او تنمویة کبرى فی العقود الماضیة، ولا یمتلکون خطة للتعامل مع الآخر غیر الابتلاع او الإبادة، ما یولّد نفوراً من خطابهم حتى بین المسلمین السنة. وفی الداخل السعودی، لا یتورعون عن الطعن الدائم فی إسلام الشیعة السعودیین (الذین لا تقل نسبتهم عن 10 بالمئة من مجموع السکان وقد تصل الى 20 بالمئة یترکزون فی المنطقة الشرقیة الغنیة بالنفط)، بل والطعن فی وطنیتهم کلما بادروا الى طلب إنصافهم وتحقیق حد أدنى من الحقوق والإعتراف بهم، مما یدفع ببعض الشیعة الى الیأس مما فی ید السلطة والتفکیر فی بدائل قد تکون متشددة.

حمایة ورعایة

والمشکلة ان هؤلاء التکفیریین ینهلون من حمایة "ولی الأمر"، بمعنى انهم لم یخرجوا بعد من عباءة السلطة، لکنهم یرسلون اشارات خفیة عن تحفز لسلوک هذا الاتجاه إن ظهر من السلطة أی تقصیر فی التشدد المذهبی. ولعل انضواءهم تحت جناحها حتى الآن هو ما یکفّ ید السلطة عنهم، فتفضّل تجنب او تأجیل المواجهة معهم، للزوم الحاجة الیهم فی مواجهة "القاعدة" و"داعش" و"الاخوان" ومن یلتف حولهم. لکنها أیضاً کانت على الدوام ترى فیهم رکناً یُستند الیه فی بناء السلطة والدولة، فأطلقت یدهم ووفرت الدعم لهم فی کل ناح.

لم تبذل السلطة السعودیة ما یکفی من جهد لنزع فتیل التفجیر، وهی على الدوام عالجت الداء بالتعایش معه. حتى عندما طرح المسؤولون الأمیرکیون فی أیام بوش الابن على نظرائهم السعودیین مشکلة المناهج التعلیمیة الحادّة الاتجاه التی تخرّج شباناً یحملون الرصاص والقنابل فی رؤوسهم قبل ان یصیر فی أیدیهم، بقیت المعالجات فی اطار ضیق بسبب قوة شوکة التیار التکفیری وامتداد أذرعه الى نواح شتى فی التعلیم والقضاء وعالم المال والأعمال، وهو یجد حلفاء له داخل العائلة الحاکمة ممن یسعون لترسیخ نفوذهم.

لهذا، کان من السهل التضحیة بوزیر الإعلام والثقافة عبد العزیز خوجة بُعید اتخاذه قراراً بإغلاق قناة "وصال" التی تبث من الریاض خطاب کراهیة عنیفاً ضد الآخر، ربما لأن السلطة السعودیة تجد ان خوجة فتح "وکر دبابیر" واستعجل معرکة مع تیار لا یزال یشکل دعامة للسلطة منذ الأیام الأولى لتأسیس الدولة السعودیة. وهذه الإزدواجیة فی بنیة السلطة منعت إحداث دفع فی مشاریع الإصلاح التی طرحت فی حقبات متفاوتة.

وبعد، ثمة تساؤل: هل استطاعت السلطات السعودیة احتواء تداعیات الاعتداء على مجلس عاشورائی فی الأحساء؟
برغم کل الخطوات الأمنیة التی اتخذت لملاحقة الضالعین فی الهجوم ومسارعة کبار المسؤولین للتندید به، فان الاعتداء لیس سوى انذار مبکر یستوجب معالجات عمیقة، واذا لم تبادر السلطة الى اتخاذها فإنه لا شیء یضمن عدم تکراره، لا سیما ان التهمیش والتمییز وغیاب روح المواطنة أدت الى تفشی الخطاب الطائفی بصورة خرجت عن حدود التبشیر الى حد التعبئة ضد مواطنین من أبناء البلد نفسه. وأقتطعُ هنا بعضاً مما یقوله بعض أهل البیت السعودی:

"الإرهابیون لا یولدون إرهابیین، إنهم ضحایا مدارس التطرف بمعناها الواسع، أی الثقافة المحلیة، والعجز عن المواجهة، وخلل فی الأنظمة، وضعف فی القضاء...، تزایدَ الفکر المتطرف، لأن الحبل تُرک على الغارب، فکبرت دائرة المؤمنین به، حتى صار یخیل أننا نعیش وسط تنظیم داعش وقد عشش فی کل مکان، واستلب فکر أقلیة کبیرة، وأصاب الخوف الأغلبیة، وصارت تخشى مواجهته... . مسؤولیة مواجهة التطرف یجب ألا تـُترک للمترددین، والخائفین، والمشککین، لأن هؤلاء فشلوا فی سنوات الامتحان. لم یفعلوا شیئا تستحق بموجبه علامة النجاح طوال عقد منذ إعلان الحرب على التطرف. فالأموال لا تزال تُجمع، والمنشورات توزع، والفکر المتشدد یخیم على الوسائل الإعلامیة المختلفة، والمدارس والجامعات فیها من المتطرفین من العدد والصراحة، أساتذة وتلامیذ، ما لا یدع مجالا للشک حول خطر مسار الأجیال المقبلة! ".( أنظر مقالة عبدالرحمن الراشد فی "الشرق الأوسط" السعودیة: مواجهة التطرف لا تُترک للمترددین، الأربعاء 6 نوفمبر 2014).

مجزرة الأحساء لیست حادثة عرضیة، إنها ترجمة فجة لنهج یتعاظم خطره على السعودیة من داخلها، ویحتاج الى اعتراف بالمشکلة التی طالما جرى تصدیرها الى خارج المملکة، والآن أصبحت فی ربوعها ! 

المصدر: موقع المنار

رایکم
الاسم:
البرید الإلکتروني:
* التعلیق:
الأکثر قراءة