الامبريالية العارية: عودة أمريكا إلى عقيدة القرن التاسع عشر

عمدت أمريكا إلى سياسة "الامبريالية العارية" بقصفها وخطفها لرئيس فنزويلا؛ وهي قضية ستؤثر على علاقات أمريكا بدول أمريكا اللاتينية لسنوات قادمة.
رمز الخبر: ۷۰۳۴۳
تأريخ النشر: ۲ ربیع الثانی -۶۴۱ - ۰۹:۲۰ - 06January 2026

وکالة الدفاع المقدس للأنباء: فتحت أمريكا بغزوها العسكري لفنزويلا واعتقالها لرئيسها صفحة جديدة في تاريخ تدخلاتها في أمريكا الجنوبية. هذا الإجراء الذي يُعد أول هجوم عسكري أمريكي مباشر على دولة في أمريكا الجنوبية، له جذوره في سابقة طويلة من تدخلات أمريكا في أمريكا الجنوبية والوسطى ومنطقة الكاريبي.

الامبريالية العارية: عودة أمريكا إلى عقيدة القرن التاسع عشر

ومع ذلك، يشير هذا الحدث إلى تحول جوهري في السياسة الخارجية والدفاعية لأمريكا؛ تحول تم التعبير عنه صراحة في استراتيجية الأمن القومي الجديدة لحكومة ترامب التي نُشرت قبل أسابيع قليلة فقط.

أعلن دونالد ترامب، رئيس الولايات المتحدة، في مؤتمر صحفي بعد اعتقال مادورو: "لن يكون هناك مجال للتساؤل حول هيمنة أمريكا على نصف الكرة الغربي مرة أخرى". تذكر هذه التصريحات بعقيدة مونرو عام 1823 التي أعلنها جيمس مونرو، الرئيس في ذلك الوقت، والتي عُرِّفت بموجبها أمريكا اللاتينيه كمجال للنفوذ الحصري للولايات المتحدة.

تعتمد استراتيجية ترامب الجديدة المعروفة باسم "نتيجة ترامب الطبيعية" على عقيدة مونرو، وتؤكد على توسيع الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، وتصفه بأنه "أمريكا للأمريكيين". هذا النهج الذي استُخدم في الماضي لتبرير الانقلابات العسكرية المدعومة من أمريكا، اتخذ أبعادًا جديدة الآن مع العمل العسكري المباشر في فنزويلا.

يرى موريتسيو سانتورو، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة ولاية ريو دي جانيرو، أن هذا الهجوم "علامة على تحول واسع في السياسة الخارجية والدفاعية". ويؤكد أن هذا الإجراء، رغم اتساقه مع العديد من العمليات السابقة، فإنه صادم بسبب عدم حدوث ما يماثله منذ عام 1989.

يصف آلان ماكفرسون، أستاذ التاريخ في جامعة تمبل ومؤلف كتاب "تاريخ موجز للتدخل الأمريكي في أمريكا اللاتينية والكاريبي"، هذا الحدث بأنه عودة إلى عصر "الامبريالية العارية". ويقول: "كان يُعتقد أن عصر تحقيق النتائج السياسية المرجوة في أمريكا اللاتينيه من خلال القوة العسكرية المحضة قد انتهى في القرن الحادي والعشرين، ولكن يبدو أن هذا ليس هو الحال".

تاريخ تدخلات أمريكا في المنطقة هو مزيج من الضغوط الاقتصادية والعمليات السرية والهجمات العسكرية المباشرة. منذ منتصف القرن التاسع عشر، تدخلت الولايات المتحدة في شؤون جيرانها القاريين ليس فقط من خلال الأدوات الاقتصادية ولكن أيضًا عبر الحملات العسكرية.

الامبريالية العارية: عودة أمريكا إلى عقيدة القرن التاسع عشر

أدت العمليات السرية، مثل المساعدة في الإطاحة بالحكومات المنتخبة ديمقراطيًا في البرازيل وتشيلي والأرجنتين، إلى إقامة ديكتاتوريات عسكرية. ومع ذلك، اقتصرت العمليات العسكرية العلنية في الغالب على أمريكا الوسطى والكاريبي. أقرب مثال للحالة الحالية هو اعتقال مانويل نورييجا، ديكتاتور بنما، في عام 1989.

يكشف استعراض النماذج التاريخية للتدخل الأمريكي في أمريكا اللاتينيه بوضوح عمق وتكرار هذا النمط، ويؤكد أن الإجراء الأخير في فنزويلا هو جزء من سلسلة طويلة من التدخلات الاقتصادية والسرية والعسكرية.

هذا النمط الذي بدأ من منتصف القرن التاسع عشر، شمل قائمة طويلة من الغزوات والاحتلالات والعمليات السرية للإطاحة بالحكومات، وغالبًا ما صاحبته مبررات مثل حماية المصالح الأمريكية أو مواجهة النفوذ الأيديولوجي. تقريبًا كل دولة في المنطقة شهدت في العقود الماضية نوعًا من هذه التدخلات الأمريكية العلنية والخفية، مما أدى غالبًا إلى تغييرات سياسية غير مرغوب فيها ومشاكل طويلة الأمد.

الامبريالية العارية: عودة أمريكا إلى عقيدة القرن التاسع عشر

في حالة المكسيك، واحدة من أولى وأبرز الأمثلة هي ضم تكساس التي كانت سابقًا جزءًا من الأراضي المكسيكية وأشعلت شرارة الخلافات الحدودية. أدت هذه الخلافات في النهاية إلى هجوم أمريكا على المكسيك عام 1846، وهي حرب تعرف باسم الحرب المكسيكية الأمريكية.

تقدمت القوات الأمريكية، تحت قيادة جنرالات مثل زكاري تايلور ووينفيلد سكوت، بسرعة لتخترق عمق الأراضي المكسيكية، واحتلت عاصمة البلاد، مكسيكو سيتي، في عام 1847. هذا الاحتلال، الذي واجه مقاومة شرسة من المكسيكيين، شكل ذروة الحرب.

انتهت الحرب فقط بتوقيع معاهدة غوادالوبي هيدالغو في عام 1848؛ وهي معاهدة أجبرت المكسيك على التنازل عن أكثر من 55٪ من أراضيها. هذه المنطقة الشاسعة، التي تضم اليوم ولايات كاليفورنيا ونيفادا ويوتا، بالإضافة إلى أجزاء من أريزونا ونيومكسيكو وكولورادو ووايومنغ، شكلت أساسًا الخريطة الجغرافية للغرب الأمريكي. لم يوسع هذا التدخل حدود أمريكا فحسب، بل أنشأ نموذجًا للتدخلات المستقبلية؛ حيث كانت الأولوية للمصالح الإقليمية والاقتصادية.

الامبريالية العارية: عودة أمريكا إلى عقيدة القرن التاسع عشر

كوبا أيضًا هي إحدى الدول التي ذاقت مرارًا تدخل الولايات المتحدة. في عام 1898، انضمت الولايات المتحدة إلى حرب استقلال كوبا ضد إسبانيا. بعد الانتصار، سيطرت أمريكا على بورتوريكو، واحتلت كوبا حتى عام 1902، وهي الفترة التي كانت فيها الهياكل الإدارية والاقتصادية الكوبية تحت السيطرة الأمريكية.

منحت اتفاقية تعرف بتعديل بلات، وُقِّعت بعد الانسحاب الرسمي لأمريكا، السيطرة الدائمة على خليج غوانتانامو للبحرية الأمريكية. وبالتالي لا تزال القاعدة العسكرية الأمريكية نشطة هناك. احتلت القوات الأمريكية الجزيرة مرتين أخريين لاحقًا، من عام 1906 إلى 1909 لقمع الاضطرابات الداخلية، ومرة أخرى من 1917 إلى 1922 تحت ذريعة حماية المصالح خلال الحرب العالمية الأولى.

كثيرًا ما تم تبرير هذه الاحتلالات بادعاء "تثبيت" البلاد. بعد ثورة فيدل كاسترو عام 1959 التي أطاحت بحكومة باتيستا، دعمت وكالة المخابرات المركزية ونظمت الغزو الفاشل لخليج الخنازير في عام 1961. كانت هذه العملية، التي ضمت قوات من المنفيين الكوبيين، تهدف إلى إثارة تمرد شعبي ضد حكومة كاسترو، لكنها فشلت وزادت التوترات بين البلدين. يمثل هذا المثال الانتقال من التدخل المباشر إلى العمليات السرية خلال الحرب الباردة.

هايتي، كإحدى أقرب جيران الكاريبي، لم تنجُ من تدخلات أمريكا، وشهدت نموذجًا للتدخل الكلاسيكي. في عام 1915، غزت الولايات المتحدة البلاد تحت ذريعة تثبيتها وحماية مصالحها التجارية، بعد اضطرابات داخلية أدت إلى الإطاحة المتكررة بقادة هايتي ومقتل الرئيس فيلبرون غيوم سام.

الامبريالية العارية: عودة أمريكا إلى عقيدة القرن التاسع عشر

أدى هذا الهجوم، الذي شهد إرسال مشاة البحرية الأمريكية، إلى احتلال كامل لهايتي. سيطرت الولايات المتحدة على الجمارك والخزينة والبنك الوطني للبلاد حتى عام 1934، وتم توجيه هايتي بشكل أساسي لسداد الديون الخارجية للبنوك الأمريكية.

في وقت لاحق، في عام 1959، عندما شكلت ثورة ضد الديكتاتور فرانسوا دوفالييه، الذي وصل إلى السلطة بدعم أمريكي، تهديدًا خطيرًا، عملت وكالة المخابرات المركزية وراء الكواليس للحفاظ عليه. كان يُنظر إلى دوفالييه كحليف رئيسي في كبح نفوذ ثورة فيدل كاسترو الكوبية، وشمل هذا الدعم مساعدات عسكرية واستخباراتية عززت نظامه القمعي. كان هذا التدخل السري جزءًا من استراتيجية أمريكية أوسع لمنع انتشار الشيوعية في الكاريبي.

الامبريالية العارية: عودة أمريكا إلى عقيدة القرن التاسع عشر

في البرازيل، على الرغم من عدم وقوع هجوم عسكري مباشر، لعبـت الولايات المتحدة دورًا نشطًا في دعم التغييرات السياسية التي طمست الحدود بين التدخل السري والعلني. في عام 1964، انتشر أسطول أمريكي بحري، بما في ذلك حاملة طائرات وسفن حربية، قبالة سواحل البرازيل للاستعداد للتدخل في حالة حدوث مقاومة ضد الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس اليساري المنتخب ديمقراطيًا، جواو جولارت.

كان هذا الانقلاب، الذي صاحبه دعم مالي واستخباري أمريكي، جزءًا من عملية أوسع لمواجهة النفوذ اليساري في أمريكا الجنوبية. كان يُنظر إلى جولارت، الذي كان يتابع سياسات الإصلاح الزراعي والتأميم، على أنه تهديد للمصالح الأمريكية.

في سبعينيات القرن العشرين، قدمت وكالة المخابرات المركزية ومكتب التحقيقات الفيدرالي استشارات مباشرة لأجهزة القمع في ديكتاتوريات البرازيل وتشيلي والأرجنتين في ملاحقة واعتقال واغتيال المعارضين السياسيين تحت عملية كوندور. كانت عملية كوندور، وهي شبكة منسقة بين ديكتاتوريات أمريكا الجنوبية، تشمل تبادل المعلومات وعمليات مشتركة لإزالة المعارضين، ولعبت الولايات المتحدة دورًا رئيسيًا في تدريب وتجهيز هذه القوات.

بنما هي مثال بارز على التدخل المباشر. في عام 1903، دعمت الولايات المتحدة عسكريًا حركة انفصالية في بنما عن كولومبيا، وبعد الاستقلال مارست نفوذًا كبيرًا على البلاد. في عام 1989، أصدر جورج إتش دبليو بوش، الرئيس آنذاك، أوامر بغزو بنما بحوالي 27 ألف جندي أمريكي لاعتقال نورييغا، الحليف السابق لوكالة المخابرات المركزية الذي أدين في المحاكم الأمريكية بتهمة الاتجار بالمخدرات. بعد ساعات من الهجوم الذي أسفر عن مقتل ما بين 200 إلى 500 مدني و300 جندي بنمي، نصبت الولايات المتحدة غييرمو إندارا، الفائز المُعلن في الانتخابات، كرئيس.

في فنزويلا، أعلن ترامب أن البلاد ستدار من قبل الولايات المتحدة لتتم عملية نقل السلطة وفق ما ترضاه أمريكا. ومع ذلك، يحذر ماكفرسون من أن مثل هذه التدخلات نادرًا ما ترتبط بالسلام والهدوء والاستقرار والديمقراطية. ويقول: "تدخلات أمريكا تخلق دائمًا تقريبًا مشاكل خلافة طويلة الأمد".

يُبرز غزو أمريكا للسيادة الإقليمية لفنزويلا وخطف رئيسها القانوني تكاليف نهج ترامب تجاه نصف الكرة الغربي. المنظور الجديد لعقيدة مونرو، رغم أنه يحمل معه هيمنة مؤقتة، قد يؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار في المنطقة.

تقريبًا كل دولة في المنطقة شهدت في العقود الماضية نوعًا من التدخل الأمريكي العلني أو الخفي. لقد أثبت التاريخ أيضًا أن مثل هذه الإجراءات غالبًا ما تؤدي إلى تفاقم المشاكل بدلاً من حلها.

في النهاية، فإن قصف فنزويلا ليس مجرد عمل عسكري، بل هو رمز للعودة إلى السياسات الإمبريالية التي كان يُعتقد أنها عفا عليها الزمن في القرن الحادي والعشرين. هذا التطور سيؤثر على علاقات أمريكا بأمريكا اللاتينيه لسنوات قادمة، وقد يؤدي إلى ردود فعل دولية، بما في ذلك من قوى عالمية مثل الصين وروسيا. في ضوء السجل التاريخي، يجب أن نتوقع دورة جديدة من الاضطرابات.

انتهی/

رایکم