هدنة بلا توقيع وحرب لم تتوقف

كان متوقعا أن تعلن إسلام آباد، فور الهجوم الأول، إدانة انتهاك الهدنة، والمطالبة بالعودة إلى الالتزامات، وتسخير قدراتها الدبلوماسية لاحتواء التوتر. فالوساطة لا تقتصر على جمع الأطراف، بل تستلزم حماية الاتفاق من الانهيار.
رمز الخبر: ۷۰۶۸۹
تأريخ النشر: ۲ ربیع الثانی -۶۴۱ - ۱۳:۰۸ - 15April 2026

وكالة الدفاع المقدس للأنباء - رسول حسين أبو السبعف: فيعالم السياسة، قد تُبرم الاتفاقات في غرف مغلقة، لكن مصداقيتها تُختبر دائمًا على الأرض. وهذا ما حدث بالضبط لما يُسمى "اتفاق إسلام آباد" لوقف إطلاق النار؛ اتفاق لم يصمد سوى ساعات قبل أن ينهار بسبب الغارات الإسرائيلية على جنوب لبنان واستمرار التهديدات ضد إيران.

هدنة بلا توقيع وحرب لم تتوقف

من البداية، كان واضحًا أن هذا الاتفاق يحمل في طياته عوامل انهياره. فلا نص مكتوب واضح، ولا توقيع جامع، ولا حتى حضور حقيقي لجميع الأطراف المعنية. والأهم، أن الطرف الأكثر تأثيرًا في مسار الحرب، أي إسرائيل، لم يكن له دور حقيقي في صياغة هذا التفاهم، وأُبلغ به قبل الإعلان الرسمي بوقت قصير فقط.

هذا الفراغ لم يكن مجرد خلل فني، بل شكل جوهر الأزمة. كيف يمكن فرض هدنة على طرف لم يلتزم بها أساسًا؟ وكيف يمكن الحديث عن تهدئة فيما القرار العسكري الإسرائيلي يسير في اتجاه مغاير تمامًا؟

ما حدث بعد الإعلان عن الاتفاق لم يكن مفاجئًا؛ إذ استؤنفت الهجمات على جنوب لبنان، واستمرت التهديدات ضد إيران. وبهذا، لم تنتهك إسرائيل الاتفاق فحسب، بل أثبتت أنها لا تعتبر نفسها ملزمة به أساسًا.

في المقابل، كان الموقف الإيراني واضحًا. فطهران لا تعتبر لبنان ملفًا منفصلًا، بل تراه جزءًا لا يتجزأ من معادلة الصراع في المنطقة. ومن هذا المنظور، فإن أي هدنة لا تشمل وقف الهجمات على جنوب لبنان، هي هدنة ناقصة بل مضللة.

لكن هذا الخلاف في وجهات النظر لم يُحل، بل تم تجاهله عمدًا من أجل صياغة "اتفاق غامض" يمكن لكل طرف تفسيره بطريقته. وهنا يبرز المفارقة: ما تم تسويقه كنجاح دبلوماسي، لم يكن سوى تأجيل لانفجار كان حتميًا.

وفي هذا السياق، يبرز دور باكستان كحلقة الأكثر حساسية. فإسلام آباد قررت أن تظهر بوساطة، وأن تستضيف المسار الذي أدى إلى إعلان الهدنة. وهذا الدور لا يمكن أن يكون رمزيًا أو بروتوكوليًا فقط، بل يخلق مسؤولية مباشرة تجاه مصير الاتفاق.

الوساطة لا تقتصر على جمع الأطراف، بل تستلزم حماية الاتفاق من الانهيار. فعندما يتم انتهاك الهدنة بهذه السرعة وهذا الوضوح، فإن الصمت لم يعد خيارًا مقبولًا.

اليوم، تواجه حكومة باكستان سؤالًا مصيريًا: هل ستعتبر ما حدث حادثًا عابرًا، أم انتهاكًا صريحًا يتطلب موقفًا حازمًا؟

إن عدم تسمية الطرف المسؤول عن الهجمات في جنوب لبنان، وغياب الموقف العلني إزاء استمرار الاعتداءات، يُضعف مصداقية الوساطة ويحولها من أداة لحل النزاعات إلى غطاء سياسي هش.

كان منتظرًا أن تعلن إسلام آباد، فور الهجوم الأول، إدانة انتهاك الهدنة، والمطالبة بالعودة إلى الالتزامات، وتسخير قدراتها الدبلوماسية لاحتواء التوتر، فالمصداقية لا تُبنى بالبيانات العامة، بل بالمواقف الواضحة في اللحظات الحرجة.

التطورات الجارية تطرح مجددًا سؤالًا قديمًا: هل يمكن لأي اتفاق في المنطقة أن ينجح دون إلزام إسرائيل؟ التجربة تقول إن الإجابة هي لا. فبدون آلية حقيقية للمساءلة، سينهار أي اتفاق عند أول اختبار ميداني.

في هذا الإطار، تؤكد إيران على ربط أي هدنة بوقف كامل للاعتداءات، وهو موقف لا ينبع فقط من حسابات استراتيجية، بل من فهم واقعي للتجارب السابقة.

الأيام المقبلة ستكون حاسمة. فالاجتماع المرتقب في إسلام آباد لن يكون مجرد استمرار لمسار دبلوماسي، بل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الوسطاء على فرض الحد الأدنى من الالتزامات.

إما أن تتحول الوساطة إلى أداة فعالة للضغط وضمان تنفيذ الاتفاق، أو سيتعزز الانطباع بأن ما حدث لم يكن سوى هدنة إعلامية سرعان ما تلاشت في ضجيج الحرب.

في كل الأحوال، حقيقة واحدة أصبحت واضحة الآن: الهدنة التي لا توقف النار لا قيمة لها، والاتفاق الذي لا تلتزم به الأطراف الأساسية لا معنى له.

انتهى/

رایکم
الأکثر قراءة
احدث الاخبار