السيد مجتبى الحسيني الخامنئي: سننقل إدارة مضيق هرمز لمرحلة جديدة/ أقول لجيران إيران الجنوبيين؛ إنّكم تشاهدون الآن معجزةً

أصدر سماحة آية الله السيد مجتبى الحسيني الخامنئي، قائد الثورة الإسلامية، بمناسبة مرور أربعين يومًا على استشهاد قائد الثورة العظيم الشأن (قدس الله نفسه الزكية)، وبشأن القضايا المهمّة المتعلقة بالحرب المفروضة الثالثة.
رمز الخبر: ۷۰۶۷۳
تأريخ النشر: ۲ ربیع الثانی -۶۴۱ - ۰۰:۱۰ - 10April 2026

وأفادت وكالة الدفاع المقدس للأنباء أنه أصدر قائد الثورة الإسلامية بيانه وإليكم النص الكامل لرسالته (حفظه الله):

السيد مجتبى الحسيني الخامنئي:

ىبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

{إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (2) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (3)} (الفتح).

أربعون يومًا مضت على واحدة من أكبر جرائم أعداء الإسلام وإيران، وعلى واحدة من أثقل الفواجع العامة في تاريخ هذا الشعب؛ فاجعة الاستشهاد الأليمة للقائد العظيم للثورة الإسلامية، وأب الشعب الإيراني، وزعيم الأمة الإسلامية، وإمام الباحثين عن الحق في العصر الحاضر، سيد شهداء إيران وجبهة المقاومة، الخامنئي الكبير قدس الله نفسه الزكية.

أربعون يومًا وروح زعيمنا الشهيد تحلق في جوار القرب الإلهي، ضيفةً في ضيافة الأولياء والصديقين والشهداء، ومعه وبعده، نال هذا الفيضَ العظيمَ جمعٌ غفيرٌ من الأنصار والقادة ومجاهدي الإسلام، والمواطنين المظلومين من الرضع الذين لم يتجاوزوا أيامًا، إلى كبار السن.

أربعون ليلة ويومًا منذ أن دعا الله المتعالي إمام هذه الأمة إلى ميقاته؛ لكن هذه المرة، وخلافًا لما حدث في عصر كليم الله، انبرى أصحاب القائد الشهيد وأمته لإقامة الحق ومواجهة الباطل، وصمدوا كالجبال الراسخة في وجه السامري وعجله، وانصبوا كالحمم البركانية فوق رؤوس المعتدين والفراعنة.

أربعون ليلة ويومًا منذ أن نزع مستكبرو العالم الأقنعة الخادعة والكاذبة عن وجوههم، ليعرضوا الوجه القبيح والشيطاني للقتل والظلم، والعدوان والكذب، والتفرعن وقتل الأطفال، والاستبداد والفساد.

ولكن في المقابل، ومنذ أربعين يومًا وليلة، يتواجد أبناء الخميني الكبير والخامنئي العزيز الغيارى، وأتباع الإسلام المحمدي الأصيل (صلى الله عليه وآله وسلم) باهتمام وشجاعة تضرب بها الأمثال في الميادين والشوارع وخنادق القتال، ورغم الضربات والخسائر الناجمة عن الهجوم الوحشي للعدو، فقد حولوا الحرب المفروضة الثالثة إلى ملحمة للدفاع المقدس الثالث. لقد أثبت الشعب الإيراني الواعي واليقظ أنه وإن كان مفجوعًا برحيل إمامه الشهيد، ولكنه وتأسيًا بالورثة المباشرين لعاشوراء الحسين، صنع من هذا الفقد ملحمة، ومن الرثاء رجزًا؛ وذلك كله أصاب العدو المدجج بالسلاح بالحيرة والاستعجال، وأثار إعجاب أحرار العالم. هذه المرة، تسببت جهالة المستكبرين وحماقتهم في أن يكون شهر آذار من عام 2026 بداية لفصل جديد من بزوغ قوة إيران والثورة الإسلامية واسمهما، ليرفرف علم إيران الإسلام ليس فقط في الجغرافيا الترابية لبلادنا، بل في عمق قلوب طالبي الحق في العالم.

◽️إن هذه المناسبة فرصة مناسبة للتعريف المقتضب بهذا القائد العظيم. الحديث هنا عن رجل لم يُعرف بقدر ما اشتهر. الجميع يعلم أن قائدنا الشهيد كان فقيهًا بصيرًا وعارفًا بمقتضيات الزمان، ومجاهدًا لا يعرف الكلل، وراسخًا وصلبًا كالجبل، وعالمًا عاملًا وربانيًا، وأهل ذكر وتهجد وتضرع للبارئ، وتوسل بالمعصومين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وكان مؤمنًا من أعماق قلبه بالوعود الإلهية. 

ومن خصائصه الأخرى حبّه لإيران وسعيه المستمر إلى ترسيخ استقلالها، مؤكدًا في الوقت ذاته وحدة الكلمة والانسجام الوطني. لقد قضى عمره في السعي إلى إرساء النظام الإسلامي وقوامه وبقائه، وفي الوقت نفسه كان يرى أن الجمهورية الإسلامية لا معنى لها من دون الشعب. ومع ما تميز به من اقتدار وصلابة، كان يتمتع بنصيب وافر من الدقة والظرافة في الفكر والنظر إلى الأمور. 

كان يولي اهتمامًا خاصًا للطاقات الوطنية لا سيما الشباب، ويؤكد أهمية العلم والتكنولوجيا والتقدم المحرز بظلهما. كما كان يكنّ تقديرًا خاصًا لعائلات الشهداء العظام والجرحى والمضحين الأعزاء. كانت لديه خبرات ثمينة وتراكمية في شتى المجالات يمتد بعضها لعقود، وغيرها من الخصال التي يطول سردها. 

وفي هذه الأيام، يتردد الحديث في بعض وسائل الإعلام عن فنه ومعرفته بالفنون ورعايته لها؛ وهذا العنصر رغم كونه قادرًا وحده على إضفاء قيمة كبيرة لشخصية المرء، وقد وُجد في قائدنا العزيز بمعناه الحقيقي وبأرقى مستوياته، ولكنه يبدو صغيرًا مقارنة بسائر عناصر وجوده ومميزاته الأخرى. وأنا شخصيًا أعرف فيه فنونًا متعددة:

أحد فنونه الكبيرة التي قلّما يُلتفت إليها هو فن التربية وبناء المجتمع عبر صياغة الأفكار والروحيات والعواطف لدى الجماهير العريضة والفئات الاجتماعية.

وفن آخر له يتمثل في بناء المؤسسات الهادفة التي بادر إليها لا سيما في السنوات الأولى من عهد زعامته وقيادته، نظرًا منه إلى الآفاق البعيدة.

وفن آخر هو المبادرة إلى تقوية البنية العسكرية للبلاد، التي لمس الشعب الإيراني آثارها الإيجابية واستفاد منها في الحربين المفروضتين الأخيرتين. كذلك كانت قوة الإبداع والابتكار في الأبعاد المختلفة، سواء العلمية أو الاستراتيجية أو في رسم السياسات، من فنونه الأخرى التي انعكس جانب منها في تدوين السياسات العامة للنظام.

وقدرته أيضًا على خلق المعاني عبر الصياغة الآنية للمصطلحات والتركيبات البديعة، التي يحمل كل منها فيضًا من المعاني وينبثق عنها خطاب عام عملي.

ومن جُملة ذلك، تلك الموهبة التي نالها جراء صقل روحه السامية في شدائد المحن والابتلاءات، وبفضل صبره واستقامته على خُطى الحق، ألا وهي مهارة استشراف الحوادث البعيدة، فإنَّ «المُؤمِنُ يَنْظُرُ بِنورِ الله». فضلًا عن مواهب أخرى لا يُمكن إحصاؤها في هذا المقام. 

لم يكن لهذه المواهب والمزايا قاطبةً من منشأ سوى العنايات الإلهية الخاصة وألطاف سيدنا وآبائه الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين. ولعلّه يمكن تلخيص ما استجلب هذه العنايات والألطاف نحو ذاك العظيم في سعيه ومجاهدته الدؤوبة والمخلصة في سبيل إعلاء كلمة الحق. 

ولكن، وعلى نحو خاص، وإلى جانب صعوبات النضال ضد جهاز الحكم البهلوي الخائن، فقد نهل سماحته كثيرًا من معين فرصة خاصة أخرى في مسار أداء الواجب، وهو أمر لا يعلمه عامة الناس عادةً. 

فقد قُدّر لهذا السيد الشاب، الشغوف بالعلم والسبّاق للعمل، في الوقت الذي كان فيه والده المكرم معرّضًا لفقدان البصر، وبعد سنوات من التلمذة في محضر أساتذة رفيعي المقام، أن يتخلّى عن المجالات كلها المتاحة للتقدم العلمي وصناعة المستقبل في قم، ويقِف نفسه لوالده واضعًا ثقته في الفضل الإلهي. 

وقد تجلى التفضل الإلهي إثر هذا الإيثار بأن بزغ نجم السيد علي الخامنئي فجأة قبل سن الثلاثين كشمسٍ بازغةٍ من خراسان، وسرعان ما غدا ركنًا من أركان الفكر والنضال، محقّقًا في الوقت ذاته تقدمًا ملحوظًا في العلوم المتداولة؛ لدرجة أن جهاز السافاك أطلق عليه في سبعينيات القرن الماضي لقب «خميني خراسان». 

وعليَّ التأكيد أنَّ مَسارَ الارتقاء الباطني والظاهري لسماحته قد استمر في المراحل اللاحقة أيضًا. الآن، وفي مقام الاستلهام من سيرة العظماء ولا سيما مثل هذه الشخصية الفذة، فإنه لمن الأنسب بمكان أن نجعل من صفة «إخلاص النصح للآخرين» و«المواساة» نهجًا لنا؛ فهذه السِمة، وما يقترن بها من التطلع إلى رحمة الله الواسعة، تشكّل فارقًا جوهريًا بين من يقف تحت راية الحق ومن تحلّقوا حول راية الباطل.

ومما لا ريب فيه أنَّ التزام مثل هذا النهج سيكون مفتاحًا مشرّعًا لأبواب السماء ومستنزلًا لشتى صنوف الإمداد الإلهي والغيبي؛ بدءًا من هطول غيث الرحمة، وصولًا إلى التغلّب على العدو، بل وتحقيق القفزات العلمية والتكنولوجيّة. 

في هذه الأيام، يتردد على الألسن كثيرًا ذكرُ فريد عصره، حيث تستحضره فئاتٌ مختلفة من أبناء شعبنا العزيز بمشاعر مفعمة بالحق والحسرة، وتتجلى يومًا بعد يوم جوانب جديدة من الجوهر الوضّاء لشخصيته السامية. 

كما إن التوجه نحو التأسي بأفعال ومواقف خاصة لسماحته آخذ في الاتساع تدريجيًا؛ ومن جملة ذلك، استلهام شعبنا العزيز الدروسَ من قبضة يده المحكمة لحظة استشهاده، حتى غدت تلك «القبضة المحكمة» لدى بعض الأشخاص رمزًا مشتركًا للعقيدة. هكذا يثبت مرة أخرى أن أثر الشهيد يفوق أثر الحي الحاضر، وأن صوته الصادح بالدعوة إلى التوحيد ونصرة الحق ومقارعة الظلم والفساد بات أشد صدىً، ورسالته أكثر نفوذًا مما كانت عليه في حياته، كما إن الأمنية القلبيّة لهذا الشهيد العظيم القدر، والمتمثّلة في سعادة هذا الشعب وسائر الشعوب الإسلامية، أصبحت اليوم أقرب إلى الواقع من أي وقت مضى.

بإذن الله تبارك وتعالى، وبفعل هذا الحضور المؤثّر واستمراره، فإنّ الأفق الذي يرتسم أمام شعب إيران يبشّره بظهور مرحلةٍ مهيبةٍ ومشرقةٍ ومفعمةٍ بالعزّة والشموخ والغنى. حين تولّى قائدنا الشهيد زمام القيادة، كان نظام الجمهورية الإسلامية أشبه بغرسةٍ طريّة نالت منها جراحٌ عدة من أعداء الإسلام وإيران، لكنّها تحمّلتها كلّها على خير وجه. لكن حين غادر، بعد ما يقرب من 37 عامًا، كرسي زعامة الأمّة، ترك خلفه شجرةً طيبةً قد اشتدّ أصلها، وبسطت أغصانها وألقت بظلالها على أجزاء واسعة من المنطقة والعالم. 

إنّ سبيل الوصول إلى «إيران الأقوى أكثر فأكثر» يمرّ عبر الوحدة بين مختلف فئات المجتمع، وهو ما كان موضع تأكيدٍ متكرّرٍ من سماحته. وقد تجلّى جانب كبير من هذه الوحدة في هذه الأربعين يومًا؛ إذ تقاربت قلوب الناس، وبدأ الجليد الفاصل بين الفئات المختلفة ذات التوجّهات المتباينة بالذوبان، والتفّ الجميع تحت راية الوطن، وراح عدد هذا الجمع ونوعيّته يزدادان يومًا بعد يوم. وكثيرٌ من الذين لم يبلغوا بعدُ هذا النوع من الحضور، هم في قلوبهم مؤيّدون للحشود الحاضرة في الساحات ومتناغمون معها.

في هذه الأيّام، يختبر كثيرون نظرةً حضاريةً وهم يحدّقون في الآفاق البعيدة، ويرسمون لأنفسهم صورةً ليست وهمية، بل مستندة إلى حقائق حاضر الخلق ومستقبله. وهذه سمةٌ لم يكن يُرى مثلها، حتى وقتٍ قريب، إلا في عددٍ قليلٍ كان قائدنا الشهيد في طليعتهم. وهكذا يدرك كلّ ناظرٍ النموّ السريع والإعجازي لهذا الشعب، وليس من قبيل المصادفة أنّ حكيم العصر المعروف وفقيهه الجليل، حين يتحدّث إليكم في هذه الأيّام عن هذه المكانة، كثيرًا ما تعترض غصّة الحلق طريق كلماته.

وفي هذا المقام، أقول لجيران إيران الجنوبيين: إنّكم تشاهدون الآن معجزةً. فابصروا على نحوٍ صحيح، وافهموا على نحوٍ صحيح، وقفوا في المكان الصحيح، وأسيئوا الظنّ بوعود الشياطين الكاذبة. ولا نزال ننتظر منكم موقفًا مناسبًا لكي نُظهر لكم أخوّتنا وحسن نيّتنا تجاهكم. وهذا لا يتحقّق إلا بإعراضكم عن المستكبرين الذين لا يفوّتون أيّ فرصةٍ لإذلالكم واستغلالكم. 

وليعلم الجميع أنه: بإذن الله تعالى، نحن قطعًا لن نترك المعتدين المجرمين الذين هاجموا بلدنا. وسنطالب حتمًا بتعويض كلّ ضررٍ وقع واحدًا واحدًا، وبدماء الشهداء، وبدية الجرحى في هذه الحرب، وسنُدخل حتمًا إدارة مضيق هرمز في مرحلةٍ جديدة. نحن لم نكن طلاب حربٍ ولسنا كذلك، ولكنّنا لا نتخلّى بأيّ وجهٍ عن حقوقنا المشروعة، وفي هذا الاتجاه نضع جبهة المقاومة بأكملها نصب أعيننا في هذ المسار.

وفي هذه المرحلة، وإلى حين بلوغ ما هو لنا، أوّلًا: على أبناء الشعب جميعهم أن يسعوا إلى مراعاة بعضهم بعضًا، لتقليل الضغط الناجم عن النقص الذي تفرضه ظروف أي حرب؛ علمًا أن هذا النقص موجود وبصورة أكبر في جبهة الخصم، وقد تمت إدارته في بلادنا إلى حد كبير بفضل جهود إخوتكم وأخواتكم في الحكومة والمؤسسات الأخرى.

ثانيًا: إنّ حماية أسماعنا، التي هي نافذة العقل والقلب، في مواجهة وسائل الإعلام المدعومة من العدو أو المنسجمة معه، أمرٌ ضروري. ومن المسلّم أنّ تلك الوسائل الإعلامية لا تبتغي الخير لدولة إيران وشعبها، وقد ثبت هذا الأمر مرارًا. لذا ينبغي إما هجرها تمامًا أو التعامل بريبة شديدة مع ما تبثه كله.

ثالثًا: أيها الشعب العزيز، إن كنتم ستخلعون ثياب الحداد مع انتهاء مدة العزاء الرسمي، فإن العزم القاطع على الانتقام لدماء القائد الشهيد وشهداء الحربين الثالثة والثانية جميعهم سيظل حيًا في أرواحكم وقلوبكم، ومتربصًا بلحظة التحقق.

وفي الختام، أتوجّه إلى سيّدنا عجّل الله تعالى فرجه الشريف فأقول: إنّنا، بإيماننا بالله المتعالي، وبتوسّلنا إلى الأئمّة المعصومين صلوات الله وسلامه عليهم، واقتداءً بقائدنا الشهيد، نقف تحت رايتكم وفي مواجهة جبهة الكفر والاستكبار، وقد قدّمنا في هذا الطريق شهداء أعزّاء من فئاتٍ مختلفة في سبيل عزّة البلاد واستقلالها ورفعة الإسلام والثورة الإسلامية، كما تحمّلنا خسائر أخرى أيضًا. وإنّنا الآن نتطلّع بوجودنا كلّه إلى دعائكم الخاصّ من أجل الغلبة الحاسمة على العدو، سواء في ميدان المفاوضات أو في ساحة المعركة، ونرجو أن نشهد نحن وأعداؤنا، في أسرع وقت، أثرها الإعجازي، إن شاء الله.

انتهى/

رایکم
الأکثر قراءة
احدث الاخبار