بصمات المرتزقة الأوكرانيين في جبهة أعداء إيران
وكالة الدفاع المقدس للأنباء: لم تعد الحرب الأوكرانية الروسية مجرد معركة إقليمية في شرق أوروبا، بل تحولت إلى عامل محفّز لتصدير التقنيات العسكرية الحديثة، ولا سيما في مجال حرب الطائرات المسيّرة ومكافحتها، إلى مختلف أنحاء العالم. وقد تبنّى نظام كييف في عام 2026 استراتيجية جديدة، انطلاقاً من إدراكه أن بقاءه السياسي والعسكري مرهون برضا واشنطن، تتمثل في التحول إلى «مستشار أمني ومتخصص في الطائرات المسيّرة» للولايات المتحدة وحلفائها في أكثر مناطق العالم حساسية، أي غرب آسيا. ويأتي هذا التوجه بهدف تعزيز جبهة المواجهة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وهو ما يتجاوز، من وجهة نظر طهران، حدود التنافس الجيوسياسي، ويُصنّف ضمن الأعمال العدائية والإرهابية، نظراً إلى طبيعته المزعزعة للاستقرار ودعمه الجماعات الإرهابية. ومن خلال ربط قدراتها العسكرية بالترتيبات الأمنية الغربية، نقلت أوكرانيا عملياً نيران الحرب إلى الفناء الأمني الخلفي لإيران، وهو أمر لن يمر من دون تبعات على كييف.

تحوّل أوكرانيا إلى ذراع أمنية لواشنطن في الخليج
يتمثل البعد الأول، وربما الأكثر وضوحاً، لهذا التصعيد في انخراط كييف المباشر في شبكة التعاون الأميركي مع الحلفاء الإقليميين في مجال مكافحة الطائرات المسيّرة. ففي مارس 2026، كشف إرسال 228 خبيراً أوكرانياً إلى الدول العربية المطلة على الخليج، بما فيها السعودية والإمارات وقطر والكويت، فضلاً عن الأردن، عن عملية استخباراتية عسكرية واسعة النطاق. كما كشف نشر منظومة القيادة والسيطرة المتطورة «سكاي ماب» في قاعدة الأمير سلطان الجوية بالسعودية، وتدريب القوات الأميركية على يد هؤلاء المستشارين، عن الأبعاد الاستراتيجية لهذا التعاون.
ولا تقتصر هذه الإجراءات على مجرد تبادل الخبرات التقنية، بل تعني تعزيز قدرات الرصد والاعتراض والتصدي للطائرات المسيّرة في المنطقة. ومن خلال نقل خبراتها القتالية، تشارك الحكومة الأوكرانية في تعزيز القدرات العسكرية لأطراف تقف في مواجهة أمنية مباشرة مع إيران. ومن منظور الأمن القومي الإيراني، تُعد هذه الاستشارات المتعلقة بالطائرات المسيّرة، والتي تهدف إلى تحييد الردع الدفاعي لطهران، عملاً عدائياً ومحاولة لاختلال التوازن الأمني الإقليمي لصالح الهيمنة الأميركية.
تحالف في مجال الطائرات المسيّرة مع تل أبيب ودعم الجماعات المتطرفة في سوريا
يشكل التقارب الأمني بين أوكرانيا وإسرائيل ودعم الجماعات الإرهابية في سوريا جانباً مظلماً آخر من هذه المعادلات. ووفقاً للتقارير التحليلية الصادرة عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) في 7 يونيو 2026، فإن الاستخبارات العسكرية الأوكرانية تقدم منذ عام 2024 مساعدات في مجال الطائرات المسيّرة والمساعدات العسكرية لمقر جماعة «هيئة تحرير الشام» الإرهابية في إدلب.
وقد بلغ هذا التعاون ذروته في أبريل 2026، خلال لقاء فلاديمير زيلينسكي بمحمد الجولاني في دمشق؛ وهو تطور يعكس مساعي كييف لترسيخ مكانتها في الهيكل الجديد لسوريا وتأمين المصالح الإسرائيلية على الحدود الشمالية للأراضي المحتلة.
وبالتوازي مع ذلك، اتفق وزيرا خارجية الجانبين، في 23 يوليو 2025، على إطلاق «حوار استراتيجي بشأن التهديد الإيراني». كما أكد السفير الأوكراني لدى إسرائيل رسمياً، في مارس 2026، أن كييف وضعت المعلومات والخبرات المتراكمة على مدى سنوات في مجال التصدي للطائرات المسيّرة من طراز «شاهد» في تصرف إسرائيل والولايات المتحدة.
ومن خلال تقديم أساليب منخفضة التكلفة لاعتراض الطائرات المسيّرة ودمج الأنظمة الرادارية، تحولت أوكرانيا عملياً إلى شريك في الجريمة وداعم لوجستي واستخباراتي في الحرب الإقليمية الأميركية الإسرائيلية ضد إيران.
الاعتداء على الأمن البحري الإيراني.. من بحر قزوين إلى القرن الأفريقي
لم تقتصر مواجهة الحكومة الأوكرانية مع إيران على غرب آسيا، بل امتدت أيضاً إلى الأعمال الإرهابية في البحار. وتُعد حادثة السفينة التجارية الإيرانية «آنا» في يوليو 2026 في بحر قزوين إحدى أخطر نقاط التوتر، ومثالاً بارزاً على الإرهاب البحري الذي تمارسه كييف. ويُظهر الهجوم الأوكراني على هذه السفينة المدنية، الذي أسفر عن استشهاد أحد أفراد طاقمها وإصابة شخص آخر، كيف تستهدف الحرب بالوكالة التي تخوضها أوكرانيا أمن الملاحة البحرية وأرواح المواطنين الإيرانيين.
كما يمكن رصد نمط سلوك كييف القائم على استخدام الأدوات العسكرية لإحداث حالة من عدم الاستقرار في مناطق جغرافية خارج نطاقها الإقليمي، في منطقة القرن الأفريقي أيضاً. فقد كشف تقرير شبكة «سي إن إن» الصادر في سبتمبر 2026 عن وجود نحو 15 خبيراً أوكرانياً في مجال الطائرات المسيّرة شمال مالي، وتعاونهم مع القوات المتمردة المحلية، عن استراتيجية خطيرة. فللمضي قدماً في منافستها مع روسيا، لجأت أوكرانيا إلى تصدير الإرهاب بالطائرات المسيّرة وتدريب الجماعات شبه العسكرية في بؤر النزاع؛ وهي قدرة تؤكد، إلى جانب تعاونها مع الولايات المتحدة في مجال مكافحة الطائرات المسيّرة بغرب آسيا، النمط العدائي لسلوك كييف على المستوى العالمي.
إن مجمل الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الأوكرانية في عام 2026، بدءاً من إرسال مئات المستشارين المتخصصين في الطائرات المسيّرة إلى القواعد الأميركية في الخليج، والتعاون الاستخباراتي مع إسرائيل، وصولاً إلى دعم الجماعات المتطرفة في سوريا والاعتداء على السفن الإيرانية في بحر قزوين، يكشف عن خطأ استراتيجي ارتكبه فلاديمير زيلينسكي. فكييف، التي تتصور أنها تستطيع الحصول على امتيازات في أوروبا من خلال الانخراط في المعادلات الأمنية لغرب آسيا وخدمة مصالح واشنطن وتل أبيب، وضعت نفسها عملياً أمام تداعيات سياسية وأمنية خطيرة، قد تهدد وحدة أراضي أوكرانيا.
وتأتي خدمات زيلينسكي للولايات المتحدة وإسرائيل في وقت تعجز فيه الحكومة الأميركية حتى عن توفير منظومات «باتريوت» للجيش الأوكراني. وفي هذا السياق، تقول شبكة «سي إن إن» الإخبارية إن سنوات استخدام هذه المنظومات في أوكرانيا، إلى جانب التزامات الولايات المتحدة وحلفائها في غرب آسيا، استنزفت بشدة المخزونات المحدودة أصلاً من صواريخ «باتريوت». وتشير التقديرات المتخصصة إلى أن ما يصل إلى 50 بالمئة من مخزون الولايات المتحدة من صواريخ «باتريوت» الاعتراضية قد استُنفد بسبب النزاعات المتعددة، بما فيها الحرب الأوكرانية والتطورات الإقليمية في غرب آسيا؛ فضلاً عن ذلك، فإن الطاقة الإنتاجية العالمية لهذه الصواريخ محدودة للغاية.
وتواجه شركة «لوكهيد مارتن»، المقاول الرئيسي لهذه المنظومة، رغم ضخ الحكومة الأميركية مليارات الدولارات لزيادة الطاقة الإنتاجية، اختناقات خطيرة في سلسلة توريد المكونات ونقصاً في العمالة المتخصصة. وتشير التقارير إلى أن الطاقة الإنتاجية العالمية لصواريخ «باتريوت» منخفضة إلى حد يجعل تلبية احتياجات أوكرانيا العاجلة، والوفاء بالتزامات واشنطن تجاه الكيان الصهيوني، وإعادة ملء المخزونات الأميركية في الوقت نفسه، أمراً يبدو مستحيلاً عملياً.
وبناءً على ذلك، فإن الوعد ببيع 500 صاروخ لأوكرانيا يعني عملياً وضعها في قائمة انتظار طويلة الأمد، الأمر الذي يترك كييف، في أكثر مراحل المعركة حساسية، من دون غطاء دفاعي فعال. وهذا هو جزاء خدماتها في المنطقة، كما أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية لن تترك بالتأكيد الإجراءات الأوكرانية من دون رد.
ومن منظور الجمهورية الإسلامية الإيرانية، يُعد أي اعتداء على مصالحها الوطنية، سواء أكان في شكل تقديم استشارات في مجال الطائرات المسيّرة لتعزيز الذراع العسكرية الأميركية والإسرائيلية، أم في شكل أعمال إرهابية تستهدف السفن المدنية، خطاً أحمر. وقد خرجت أوكرانيا من نطاق حرب إقليمية لتتحول إلى طرف فاعل في جبهة الضغط الأمني على طهران، وهو ما يحمّلها وحلفاءها تكاليف باهظة على صعيد الأمن؛ إذ إن طهران لن تتهاون مع أي من الأطراف المتورطة في هذه الأعمال العدائية، دفاعاً عن التوازن الأمني الإقليمي وأرواح مواطنيها.
انتهی/
