عراقجي: الرد العسكري على الدبلوماسية يحمل رسالة خطيرة لمستقبل العلاقات الدولية

أكد وزير خارجية الجمهورية الإسلامية الإيرانية عباس عراقجي أن من أهم أولويات منظمة شنغهاي للتعاون في ربع قرنها الثاني الانتقال من التركيز على التعاون السياسي والأمني إلى بناء شراكة شاملة في المجالات الاقتصادية والتكنولوجية والتنموية.
رمز الخبر: 71166
تأريخ النشر: 24 July 2026 - 12:16 - 16October 2647

وأفادت وكالة الدفاع المقدس للأنباء أن عراقجي الذي يزور مدينة "تشولبون آتا" في قيرغيزستان للمشاركة في اجتماع وزراء خارجية الدول الأعضاء في منظمة شنغهاي للتعاون، ألقى كلمةً استعرض فيها رؤية بلاده حول مستقبل التعاون الإقليمي.

عراقجي: الرد العسكري على الدبلوماسية يحمل رسالة خطيرة لمستقبل العلاقات الدولية

وفيما يلي النص الكامل لكلمة وزير الخارجية:

معالي السيد جينبيك كولوباييف، وزير خارجية جمهورية قيرغيزستان؛

أصحاب السعادة وزراء خارجية الدول الأعضاء في منظمة شنغهاي للتعاون؛

السيد الأمين العام؛ السيدات والسادة؛

أود في البداية أن أعرب عن خالص امتناني وتقديري لحكومة وشعب جمهورية قيرغيزستان الصديقين، والشكر موصول لمعالي الوزير جينبيك كولوباييف، على حسن الضيافة وكرم الاستقبال في هذا الاجتماع الهام.

إنني على ثقة بأن هذا الاجتماع، الذي يأتي عشية الذكرى الخامسة والعشرين لتأسيس منظمة شنغهاي للتعاون، سيشكل فرصة قيّمة لتعميق التعاون الإقليمي، وتعزيز العمل متعدد الأطراف، ورسم آفاق جديدة للشراكة بين الدول الأعضاء.

إن منظمة شنغهاي للتعاون تقف اليوم عند مفترق طرق حاسم في مسار تطور النظام الدولي؛ إذ يواجه العالم تحديات غير مسبوقة، تتمثل في تصاعد النزعة الأحادية، وتقويض المبادئ الأساسية لميثاق الأمم المتحدة، واللجوء إلى الاستخدام غير المشروع للقوة، وفرض عقوبات أحادية الجانب وتعسفية، فضلاً عن توظيف الآليات الاقتصادية والمالية أدواتٍ للضغط السياسي.

وفي ظل هذه الظروف، تتعاظم مسؤولية منظمة شنغهاي للتعاون باعتبارها إحدى أهم المؤسسات العابرة للأقاليم، والتي تمثل ثقلاً كبيراً من حيث عدد السكان، وحجم الاقتصاد، والموارد الطاقية، والقدرات الاستراتيجية.

إن هذه المنظمة قادرة، بل ومطالبة، بأن تكون صوتاً مؤثراً في الدفاع عن التعددية، واحترام السيادة الوطنية، والمساواة بين الدول، وإعلاء مبادئ سيادة القانون في العلاقات الدولية.

 الدبلوماسية قوبلت بالعدوان

أيها الزملاء الأعزاء

في الأشهر الأخيرة، أصبحت الجمهورية الإسلامية الإيرانية هدفاً لعدوان عسكري سافر من قِبل الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني؛ فبعد هجمات يونيو 2025، شهد العالم مجدداً اعتداءات عسكرية متكررة على إيران خلال الفترة من فبراير إلى أبريل 2026؛ وهي أعمال لم تستهدف أمن أمتنا فحسب، بل طالت مصداقية النظام القانوني الدولي برمته. ففي 28 فبراير 2026، عاش الشعب الإيراني يوماً من أشد أيام تاريخه إيلاماً، حيث استُشهد قائد الثورة الإسلامية، بصفته أعلى سلطة سياسية ودينية في البلاد، مع أفراد أسرته أثناء وجودهم في مكتبه.

وفي الوقت ذاته، طالت يد الإجرام مدرسة في مدينة ميناب، مما أسفر عن مقتل 168 طالباً وموظفاً وأفراد من أسرهم. ولم تتوقف هذه الجرائم عند هذا الحد؛ إذ استُهدف في اليوم نفسه ملعب في مدينة "لامرد" بمحافظة فارس. وبناءً على الأدلة التقنية وآثار الذخيرة المستخدمة، فقد استُخدمت أسلحة محرمة دولياً تتعارض مع المبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني، استُهدفت بها مدنيات، ولا سيما فتيات صغيرات كنّ يمارسن أنشطتهن الرياضية بطموحٍ يتطلع إلى التألق على الصعيدين الوطني والدولي، فقُتلن بوحشية.

إن استمرار الهجمات على المؤسسات التعليمية والطبية والبنية التحتية الحيوية والمنشآت الاقتصادية، وحتى المنشآت النووية السلمية الخاضعة لإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في ظل غياب ردٍّ فعّال من المجتمع الدولي، يجعل أي دولة عرضةً لمثل هذا السلوك العدواني مستقبلاً. والأكثر إثارة للقلق أن هذه الاعتداءات وقعت في وقتٍ اختارت فيه الجمهورية الإسلامية الإيرانية مسار الدبلوماسية والحوار، حيث كانت المفاوضات جارية لحل الخلافات، فكان الرد على الدبلوماسية هجوماً عسكرياً؛ وهو سلوكٌ يُقوّض الثقة في المسارات الدبلوماسية، ويشكك في مصداقية الآليات السلمية لتسوية النزاعات، ويرسل رسالة خطيرة حول مستقبل العلاقات الدولية.

ولعلّ أكثر ما يفاقم من وطأة هذه الجرائم هو محاولات تطبيعها؛ فقد أثبتت التجارب المعاصرة أن الجرائم، إذا قوبلت بصمت المجتمع الدولي أو غموضه أو لا مبالاته، فإنها لا تتوقف فحسب، بل تتحول إلى نمط متكرر.

إن مسؤولية هذه الجرائم لا تقع على عاتق مرتكبيها المباشرين فحسب؛ بل إن أي دعم سياسي أو عسكري أو استخباراتي للمعتدين، أو حتى الصمت والتردد إزاء هذه الانتهاكات الصارخة، يُعدّ تقويضاً لسيادة القانون وتشجيعاً للجناة على التمادي في سلوكهم غير القانوني.

إن مبدأ عدم استخدام القوة هو الحصن الذي يحمي الجميع، وإضعافه يعني أن لا بلد سيكون في مأمن.

لم تكن التحديات التي واجهتها الجمهورية الإسلامية الإيرانية مجرد تهديد للأمن القومي، بل مساساً بالمبادئ الأساسية للنظام القانوني الدولي. لذا، فإن الدفاع عن هذه المبادئ هو دفاع عن الأمن الجماعي والاستقرار الإقليمي ومصداقية القانون الدولي.

إن تحوّل العدوان العسكري إلى أداة معتادة في العلاقات الدولية يُنذر بتبعات لن يسلم منها أي بلد، مهما بلغ حجمه أو موقعه الجيوسياسي.

لقد مارست الجمهورية الإسلامية الإيرانية حقها الأصيل في الدفاع عن النفس، وفقاً للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، لحماية سيادتها واستقلالها وسلامة أراضيها في إطار القانون الدولي، مؤكدةً في الوقت ذاته أنها لم تكن يوماً بادئةً بالحرب.

إن سياستنا المبدئية قائمة على الحوار والدبلوماسية وحسن الجوار والتعاون الإقليمي، ونحن على يقين بأن السلام الدائم لا يتحقق إلا باستبدال العدوان والاحتلال وازدواجية المعايير بالاحترام المتبادل والتطبيق النزيه للقانون الدولي.

إن السلام واجبٌ يجب بناؤه والحفاظ عليه واستدامته.

أي مشاركة في عدوان على إيران ستُقابل برد دفاعي حازم

على الرغم من مرور أسابيع قليلة فقط على توقيع "مذكرة تفاهم إسلام آباد" لإنهاء الحرب، أثبتت الولايات المتحدة مجدداً تنصلها من تعهداتها.

إن الانتهاك الصارخ لأحكام هذه المذكرة، واستهداف البنية التحتية للنقل ومرافق مياه الشرب وقوارب الصيد والسفن التجارية ومراكز الأرصاد الجوية، يمثل دليلاً دامغاً على استمرار سياسة اللجوء إلى القوة وتجاهل الالتزامات الدولية.

وفي الوقت نفسه، أدى التدخل الأمريكي المباشر في الترتيبات الأمنية والبحرية في مضيق هرمز، وإعادة فرض الحصار البحري، إلى تعريض أمن أحد أهم الممرات المائية الاستراتيجية في العالم للخطر، وتعطيل حركة الملاحة التجارية الدولية. وقد أثبتت تجربة الأشهر الأخيرة أن أمن الخليج الفارسي ومضيق هرمز لا يُضمن بتدخل القوى الخارجية، بل بالتعاون بين دول المنطقة، والاحترام المتبادل، والمسؤولية الجماعية.

وإذ تؤكد الجمهورية الإسلامية الإيرانية عزمها الراسخ على الدفاع عن سيادتها ووحدة أراضيها، فإنها تعلن أن أي طرف يشارك أو يتعاون أو يقدم المساعدة في أي عدوان ضد إيران سيتحمل المسؤولية الدولية. وتحتفظ الجمهورية الإسلامية بحقها في اتخاذ كافة التدابير اللازمة للدفاع عن النفس وفقاً للقانون الدولي، وستعتبر أي جهة تقف وراء العدوان على الشعب الإيراني هدفاً مشروعاً لعمليات قواتها المسلحة الدفاعية.

تدين الجمهورية الإسلامية الإيرانية بشدة العدوان المتواصل للكيان الصهيوني على لبنان، والانتهاك المتكرر لسيادته ووحدة أراضيه، فضلاً عن الانتهاك الصارخ لالتزامات "مذكرة إسلام آباد" من قِبل الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، وهو ما يضع أمن واستقرار منطقة غرب آسيا في مهب الريح.

وفي سياق متصل، تظل الكارثة الإنسانية في غزة، وما يرافقها من احتلال وقتل للمدنيين وتدمير للبنية التحتية وحرمان للشعب الفلسطيني من أبسط حقوقه، وصمة عار في ضمير الإنسانية وتهديداً جسيماً للسلام والأمن الإقليميين والدوليين. إن إفلات مرتكبي هذه الجرائم من العقاب لم يؤدِ إلا إلى تصعيد العنف وتحدي مصداقية النظام القانوني الدولي.

تجدد الجمهورية الإسلامية الإيرانية دعوتها للوقف الفوري للعمليات العسكرية ضد المدنيين، ورفع الحصار بالكامل، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، ورفض أي تهجير قسري للشعب الفلسطيني، ودعم حقه في تقرير المصير. إن السلام الدائم مرهون بإنهاء الاحتلال وإعمال الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

لا تزال التطورات في أفغانستان تشكل أولوية أمنية وتنموية مشتركة ضمن منظمة شنغهاي للتعاون؛ فاستقرار أفغانستان ضرورة استراتيجية للمنطقة بأسرها.

إن التصدي للإرهاب والتطرف والجريمة المنظمة العابرة للحدود وتهريب المخدرات يتطلب تعاوناً وثيقاً ومنسقاً بين دول المنطقة في إطار الآليات متعددة الأطراف، ولا سيما منظمة شنغهاي للتعاون.

إن الجمهورية الإسلامية الإيرانية، انطلاقاً من روابطها التاريخية والحضارية مع الشعب الأفغاني، والتزاماً بمبادئ احترام السيادة الوطنية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، تدعم أي مبادرة تفضي إلى بناء أفغانستان آمنة ومستقرة، وتدعو إلى إنهاء التوتر والصراع بين هذا البلد وشقيقتنا باكستان.

لقد حان الوقت لاستشراف آفاق منظمة شنغهاي للتعاون بعد عقدين ونصف من نشاطها. لقد أثبتت المنظمة أن التعاون الإقليمي القائم على الثقة المتبادلة واحترام المصالح المشتركة والمساواة بين الأعضاء هو السبيل الأمثل لتحقيق استقرار مستدام وتنمية مشتركة.

إن أهمية هذه المنظمة تكمن في قدرتها على ابتكار آليات تعاون جديدة بين الحضارات والاقتصادات المختلفة.

في ظل تأثر الهياكل الاقتصادية والمالية الدولية بالمنافسة السياسية والقيود الأحادية، يمكن لمنظمة شنغهاي للتعاون أن تضطلع بدور محوري في تعزيز التعاون الاقتصادي المستقل، وزيادة مرونة سلاسل التوريد، وتنمية التجارة الإقليمية.

إن أولوية المنظمة في ربع قرنها الثاني يجب أن تكون الانتقال من التعاون السياسي والأمني إلى شراكة شاملة اقتصادية وتكنولوجية وتنموية.

إن إيران، بموقعها الجيوسياسي المتميز كحلقة وصل بين آسيا الوسطى وجنوب وغرب آسيا، على أتم الاستعداد لتوظيف إمكاناتها في ممرات النقل وأمن الطاقة والتجارة الإقليمية لخدمة الدول الأعضاء.

إن مستقبل المنظمة يتطلب نهجاً شاملاً يوازن بين الأمن والتنمية الاقتصادية والترابط الإقليمي، بما يجعلها محركاً للنمو في القرن الحادي والعشرين.

ختاماً، من الضروري تعزيز التضامن وتغليب الدبلوماسية على العدوان، والحق على القوة، والعدالة على ازدواجية المعايير. إن المستقبل الأكثر أماناً واستقراراً لا يتحقق إلا بالدفاع الجماعي عن سيادة القانون والمساواة بين الدول واحترام كرامة الشعوب.

شكراً لحسن استماعكم.

انتهى/

تعليقك
captcha
الأكثر مشاهدة
احدث الاخبار