حصر السلاح بيد الدولة في العراق: بين بناء الدولة وإعادة تعريف الشرعية والسيادة

إن معركة «حصر السلاح» في العراق لا ينبغي أن تتحول إلى معركة على الأسماء والعناوين، بل يجب أن تكون معركة من أجل بناء دولة قادرة على حماية نفسها.
رمز الخبر: 71262
تأريخ النشر: 18 August 2026 - 11:21 - 09November 2647

وكالة الدفاع المقدس للأنباء - الشيخ محمد هادي ملكي محلل في الشؤون السياسية والدولية:

حصر السلاح بيد الدولة في العراق: بين بناء الدولة وإعادة تعريف الشرعية والسيادة

يُعدّ ملف حصر السلاح بيد الدولة من أكثر الملفات حساسية وتعقيداً في المشهد العراقي الراهن، ليس لأنه يتصل بالسلاح بوصفه أداة مادية فحسب، وإنما لأنه يرتبط مباشرةً بمفهوم الدولة، وطبيعة الشرعية، وحدود السيادة الوطنية، ومستقبل المنظومة الأمنية، فضلاً عن موقع العراق في الصراع الإقليمي والدولي.

ومن هنا، فإن اختزال القضية في شعار «تسليم السلاح» أو في معادلة بسيطة تقوم على التفريق بين «سلاح الدولة» و«سلاح الفصائل» قد يؤدي إلى قراءة ناقصة للمشكلة. فالسؤال الأكثر أهمية ليس: كم جهة تحمل السلاح؟ وإنما: من يملك الشرعية في استخدام القوة؟ ولأي غاية تُستخدم؟ ومن يحمي الدولة فعلاً؟ ومن يملك قرار الحرب والسلم؟

أولاً: حصر السلاح بيد الدولة أصلٌ لا خلاف عليه

من حيث المبدأ، لا يمكن بناء دولة مستقرة وقوية في ظل وجود قوى مسلحة تعمل خارج القانون وبإرادة مستقلة عن مؤسسات الدولة. فاحتكار القوة المسلحة المشروعة يمثل أحد أهم مقومات الدولة الحديثة، ويضمن وحدة القرار الأمني والعسكري ويمنع تحول المجتمع إلى ساحات متنافسة للقوة.

ومن ثم، فإن الدعوة إلى حصر السلاح بيد الدولة لا ينبغي أن تكون موضع جدل من حيث الأصل، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالسلاح المنفلت أو الجماعات التي تستخدم القوة لتحقيق مصالح حزبية أو شخصية أو اقتصادية خارج الإطار القانوني.

لكن الإشكالية تبدأ عندما يُختزل مفهوم «سلاح الدولة» في أسماء المؤسسات وعناوينها الإدارية، وكأن مجرد انتساب السلاح إلى مؤسسة تحمل اسماً رسمياً يجعله تلقائياً سلاحاً وطنياً قادراً على حماية الدولة.

وهنا تظهر الحاجة إلى التمييز بين الشرعية الشكلية والشرعية الفعلية.

ثانياً: هل تكفي تسمية المؤسسة لإثبات شرعية السلاح؟

التجربة العراقية خلال العقود الماضية تثبت أن الاسم وحده لا يصنع قوة الدولة. فقد تكون المؤسسة عسكرية ورسمية، وتحمل كل الألقاب القانونية، لكنها تعاني من الفساد أو ضعف القيادة أو الاختراق أو انهيار الروح القتالية، فتتحول من أداة لحماية الدولة إلى عبء عليها.

وقد كشفت تجربة سقوط الموصل أمام تنظيم داعش أن امتلاك الجيش للرتب والأسلحة والموازنات والأعداد الكبيرة لا يعني بالضرورة امتلاكه القدرة الفعلية على الدفاع عن الأرض.

وهذا يقود إلى قاعدة سياسية وأمنية مهمة:

شرعية السلاح لا تُقاس بالاسم وحده، وإنما بوظيفته، ومرجعيته، وانضباطه، وولائه للدولة، وقدرته على الدفاع عنها.

فالدولة ليست مجرد وزارة دفاع ووزارة داخلية ومؤسسات تحمل عناوين رسمية، بل هي منظومة سيادية متكاملة، يكون معيار نجاحها الأساسي هو قدرتها على حماية شعبها وأرضها واستقلال قرارها.

ثالثاً: تجربة داعش أعادت تعريف مفهوم القوة الوطنية

كانت فتوى الجهاد الكفائي التي أطلقها المرجع الأعلى السيد علي السيستاني نقطة تحول تاريخية في العراق الحديث، لأنها نقلت المجتمع من حالة الصدمة والانهيار أمام تمدد داعش إلى حالة التعبئة العامة للدفاع عن البلاد.

وفي تلك اللحظة، ظهر خلل واضح بين حجم المؤسسة العسكرية الرسمية وبين قدرتها العملية على الاستجابة للتهديد. فقد وجد آلاف المتطوعين أنفسهم أمام نقص في السلاح والتدريب والتجهيز والإسناد، في حين اضطلع المجتمع العراقي، بمختلف مؤسساته الشعبية والدينية والاجتماعية، بدور واسع في دعم المقاتلين وإسناد الجبهات.

وهنا تشكلت معادلة جديدة: الدولة الرسمية لم تعد وحدها الفاعل الأمني، بل ظهرت إلى جانبها قوة شعبية واسعة تحولت لاحقاً إلى مؤسسة قانونية هي الحشد الشعبي.

ولذلك فإن التعامل مع الحشد اليوم وكأنه ظاهرة طارئة أو مجرد جماعة مسلحة خارج الدولة يتجاهل مساراً تاريخياً وقانونياً وسياسياً كاملاً.

رابعاً: الحشد الشعبي بين الضرورة الوطنية والتحدي المؤسسي

الحشد الشعبي يمثل اليوم جزءاً من منظومة الأمن والدفاع العراقية، ولا يمكن تجاهل دوره في الحرب على الإرهاب وفي حماية عدد من المناطق العراقية.

لكن الاعتراف بدوره لا يعني إعفاءه من مقتضيات الدولة. فكل قوة مسلحة، مهما كانت تضحياتها أو تاريخها أو مشروعيتها الاجتماعية، تحتاج إلى إطار مؤسسي واضح، وسلسلة قيادة محددة، ومحاسبة قانونية، وانضباط مالي وإداري، وقرار عسكري مرتبط بالمصلحة الوطنية العليا.

وهذا هو الطريق الصحيح لتحويل الحشد من موضوع للصراع السياسي إلى عنصر من عناصر القوة الوطنية.

فالهدف ليس إلغاء قوة أثبتت حضورها في الدفاع عن العراق، وإنما إدماجها بصورة أكثر رسوخاً في منظومة الدولة، بما يحفظ دورها الدفاعي ويمنع في الوقت نفسه تحول السلاح إلى قوة سياسية مستقلة.

خامساً: المقاومة المسلحة ومعادلة السيادة

لا يمكن تحليل ملف السلاح العراقي من دون التوقف عند تجربة المقاومة المسلحة ضد الوجود الأمريكي.

ففي الحسابات الاستراتيجية، لا تقاس قوة المقاومة بعدد أفرادها أو بحجم موازنتها فقط، بل بقدرتها على رفع كلفة الوجود العسكري للخصم وإجباره على إعادة حساباته.

وقد شكلت المقاومة العراقية، بمختلف فصائلها، عاملاً مؤثراً في البيئة الأمنية والسياسية التي أحاطت بقرار الانسحاب الأمريكي من العراق.

ولهذا فإن محاولة وصف كل سلاح مقاوم بأنه «سلاح ميليشياوي» من دون التمييز بين الوظيفة الدفاعية وبين السلاح المنفلت قد تؤدي إلى خلط سياسي خطير.

لكن في المقابل، فإن تحويل مفهوم المقاومة إلى تفويض دائم بالعمل المسلح خارج مؤسسات الدولة ليس حلاً مستداماً. فالمقاومة، عندما تتحول إلى جزء من القوة الوطنية، تحتاج إلى إطار سياسي وقانوني يحدد وظيفتها ويمنع تحولها إلى دولة داخل الدولة.

سادساً: الخطر الحقيقي هو الازدواجية في المعايير

إذا كان الهدف هو بناء دولة قوية، فيجب أن يخضع الجميع لمعيار واحد.

فلا يجوز أن يُقال إن السلاح خارج سيطرة بغداد غير شرعي عندما يكون تابعاً لقوة سياسية عراقية، ثم يُنظر إلى سلاح آخر بعين مختلفة بسبب حسابات سياسية أو إقليمية.

والأمر نفسه ينطبق على أي تشكيل مسلح يمتلك قراراً مستقلاً أو يعمل خارج المصلحة الوطنية، أياً كان انتماؤه أو هويته.

إن الدولة التي تريد احتكار القوة لا تستطيع أن تختار من تنزع منه السلاح ومن تسمح له بالاحتفاظ به وفقاً لموازين السياسة. فالقاعدة ينبغي أن تكون واضحة:

كل سلاح يعمل خارج القانون والقرار الوطني يجب أن يخضع للمعالجة القانونية، وكل سلاح يدخل في منظومة الدولة يجب أن يخضع للقيادة والقانون والمحاسبة.

سابعاً: السيادة لا تتجزأ

من أخطر الاختلالات في النقاش العراقي أن يُطرح موضوع السلاح الداخلي بمعزل عن الوجود العسكري الأجنبي.

فإذا كانت السيادة تعني أن الدولة وحدها صاحبة القرار الأمني والعسكري، فإن هذا المبدأ يجب أن ينطبق على الداخل والخارج معاً.

لا يمكن مطالبة القوى العراقية بتسليم قرارها العسكري للدولة، بينما يبقى القرار الاستراتيجي العراقي عرضة لضغوط خارجية.

كما لا يمكن بناء منظومة أمنية مستقلة إذا كان العراق يعتمد بصورة مفرطة على دولة واحدة في التسليح والتدريب والدعم العسكري.

ومن هنا، فإن مسألة إخراج القوات الأجنبية أو تنظيم وجودها وفق اتفاقات واضحة ومصالح عراقية صريحة ينبغي أن تكون جزءاً من مشروع متكامل لإعادة بناء السيادة، لا قضية منفصلة عن ملف السلاح.

ثامناً: الدور الأمريكي في إعادة تشكيل المنظومة الأمنية العراقية

لا يمكن النظر إلى المواقف الأمريكية المتعلقة بالسلاح العراقي باعتبارها مواقف تقنية محايدة بالكامل. فالولايات المتحدة طرف أساسي في المعادلة الإقليمية، ولها مصالح سياسية وأمنية واقتصادية واضحة في العراق والمنطقة.

ولهذا فإن أي ضغط أمريكي لإعادة ترتيب المشهد المسلح العراقي سيُقرأ داخل العراق، لدى قطاعات واسعة من المجتمع والقوى السياسية، بوصفه محاولة للتأثير في توازنات القوة الداخلية.

وهنا ينبغي للحكومة العراقية أن تتمسك بمبدأ واضح: إصلاح المنظومة الأمنية العراقية قرار سيادي عراقي، وليس استجابة لإملاءات خارجية.

فإذا كانت هناك حاجة إلى إصلاح الحشد أو إعادة تنظيم الفصائل أو ضبط السلاح، فيجب أن يتم ذلك من خلال الدستور والقانون والمؤسسات العراقية، لا عبر المواعيد النهائية التي تضعها عواصم أجنبية.

تاسعاً: الحشد الشعبي والمقاومة والجيش ليسوا بالضرورة أضداداً

الخطاب السياسي الذي يضع الجيش في مواجهة الحشد أو المقاومة يفترض وجود تناقض حتمي بين هذه القوى، بينما المشكلة الحقيقية ليست في تعدد المكونات بقدر ما هي في تعدد القرارات.

يمكن أن توجد مؤسسات وقوى عسكرية متعددة داخل منظومة دفاع وطنية واحدة، شريطة أن يكون القرار النهائي واحداً، والقيادة واضحة، والقانون حاكماً، والولاء للدولة فوق كل ولاء آخر.

ومن هنا فإن المعادلة الصحيحة ليست:

الجيش ضد الحشد، أو الدولة ضد المقاومة.

بل:

الجيش والحشد الشعبي وكل القدرات الدفاعية الوطنية ضمن منظومة دولة واحدة وقرار سيادي واحد.

عاشراً: إصلاح الجيش شرط سابق لنجاح حصر السلاح

لا يمكن مطالبة الدولة باحتكار السلاح من دون منحها القدرة على استخدام هذا الاحتكار بكفاءة.

فالدولة التي تريد أن تكون المرجعية الأمنية الوحيدة مطالبة بإعادة بناء قواتها المسلحة على أسس مهنية، بعيداً عن المحاصصة والفساد والولاءات الشخصية.

ويشمل ذلك تطوير سلاح الجو، والدفاع الجوي، والاستخبارات، والاستطلاع، والحرب الإلكترونية، والقوات البرية، واللوجستيات، والتدريب، والصيانة، والصناعات العسكرية.

كما ينبغي للعراق أن ينوع مصادر تسليحه، لأن الاعتماد المفرط على دولة واحدة قد يتحول إلى شكل من أشكال التبعية الاستراتيجية.

إن بناء جيش قوي ومستقل لا يعني بالضرورة قطع العلاقات العسكرية مع الولايات المتحدة أو غيرها، وإنما يعني أن تكون بغداد صاحبة القرار في تحديد احتياجاتها الدفاعية وشركائها العسكريين.

الحادي عشر: منطق «التسليم» وحده لن يحل المشكلة

مصطلح «تسليم السلاح» يحمل في ذاته إشكالية سياسية، لأنه يوحي بأن القضية تتعلق بنزع السلاح من طرف وتسليمه إلى طرف آخر.

أما الدولة الحديثة، فالمطلوب منها أن تنتقل من منطق «تسليم السلاح» إلى منطق تنظيم القوة المسلحة وإعادة هيكلتها تحت سلطة القانون.

فإذا جرى نزع سلاح قوة مسلحة من دون معالجة البيئة التي أدت إلى ظهورها، ومن دون تقوية الجيش، ومن دون حل التهديدات الخارجية، فقد تنتج الدولة فراغاً أمنياً جديداً.

أما إذا جرى دمج القدرات المسلحة ضمن منظومة دفاع وطنية، مع إعادة هيكلة حقيقية وفرض الانضباط والشفافية، فإن الدولة تكون قد حققت مكسباً استراتيجياً حقيقياً.

الثاني عشر: العراق بحاجة إلى عقد أمني وطني جديد

المشكلة في جوهرها ليست مشكلة بند قانوني واحد، وإنما أزمة ثقة بين الدولة والمجتمع والقوى المسلحة.

العراق بحاجة إلى عقد أمني وطني جديد يحدد بوضوح:

1. أن الدولة هي المرجعية العليا للقرار العسكري.

2. أن لا قوة مسلحة فوق القانون.

3. أن لا سلاح يُستخدم لتحقيق مصالح حزبية أو شخصية.

4. أن الحشد الشعبي جزء من منظومة الدولة، مع ضرورة تعزيز انضباطه المؤسسي.

5. أن المقاومة التي ارتبط دورها بالدفاع عن العراق لا ينبغي اختزالها في صورة الميليشيا الخارجة عن الدولة.

6. أن الجيش والقوات الأمنية بحاجة إلى إصلاح جذري يضمن الكفاءة والنزاهة والجاهزية.

7. أن جميع أشكال الوجود العسكري الأجنبي يجب أن تخضع للسيادة والقرار العراقي.

8. أن معيار الشرعية واحد، ولا يجوز تطبيقه بصورة انتقائية.

9. أن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون قراراً وطنياً مؤسسياً.

10. أن حماية العراق واستقلاله يجب أن تكون الغاية النهائية لكل منظومة السلاح.

إن معركة «حصر السلاح» في العراق لا ينبغي أن تتحول إلى معركة على الأسماء والعناوين، بل يجب أن تكون معركة من أجل بناء دولة قادرة على حماية نفسها.

فالسلاح الذي يحمي الدولة ويخضع لقانونها وقرارها الوطني ليس مشكلة في ذاته؛ المشكلة في السلاح الذي يتحول إلى أداة فوق الدولة أو ضدها.

وفي الوقت نفسه، فإن الدولة التي تريد احتكار السلاح مطالبة بأن تكون دولة قوية، عادلة، قادرة، مستقلة في قرارها، ومحصنة من الفساد والاختراق والتبعية الخارجية.

ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي أمام الحكومة العراقية ليس مجرد جمع الأسلحة، وإنما إعادة بناء الثقة بين المجتمع والدولة، وإعادة بناء المؤسسة العسكرية، وتوحيد القرار الأمني، وتنظيم العلاقة بين الجيش والحشد والمقاومة، وإنهاء الازدواجية في معايير الشرعية، وحماية العراق من التدخلات الخارجية.

إن حصر السلاح بيد الدولة يصبح مشروعاً وطنياً عندما يعني حصر قرار القوة بيد الدولة، لا حصر السلاح في مؤسسات تحمل أسماءً رسمية فحسب.

أما إذا تحوّل الشعار إلى أداة لاستهداف طرف عراقي بعينه، أو إلى مشروع يُفرض من الخارج، أو إلى وسيلة لإعادة هندسة التوازن السياسي الداخلي، فإنه سيفقد مضمونه الوطني، وقد يتحول من مشروع لبناء الدولة إلى عامل جديد لإضعافها.

وفي النهاية، الدولة القوية ليست الدولة التي تنزع السلاح من الآخرين فحسب، بل الدولة التي تجعل جميع القوى الوطنية مقتنعة بأن قوة العراق لا تُقاس بتعدد البنادق، وإنما بوحدة القرار، واستقلال الإرادة، وقدرة الدولة على حماية أرضها وشعبها وسيادتها.

انتهى/

تعليقك
captcha
الأكثر مشاهدة
احدث الاخبار