حصر السلاح بين ضغط الخارج وواقع الدولة

حين تطالب واشنطن وحلفاؤها بحصر السلاح بيد الدولة، يحق للعراقيين أن يسألوا: كيف تُبنى دولة قوية قادرة على احتكار السلاح شرعياً، بينما تُقيَّد قدرتها على امتلاك هذا السلاح أصلاً؟
رمز الخبر: 71275
تأريخ النشر: 22 August 2026 - 09:52 - 13November 2647

وكالة الدفاع المقدس للأنباء - عباس سرحان کاتب صحفي و محلل في الشؤون السياسية:

حصر السلاح بين ضغط الخارج وواقع الدولة

من يمنعنا من التسلّح لا يحق له مطالبتنا بنزع السلاح..!

يعود الحديث عن نزع سلاح فصائل الحشد الشعبي إلى الواجهة كلما اشتدت الضغوط الأمريكية والدولية على بغداد، للمطالبة بحصر السلاح بيد الدولة وإنهاء وجود هذه الفصائل. غير أن المفارقة اللافتة تكمن في أن الدول ذاتها التي تتصدر هذا الضغط هي من فرضت على العراق، لعقود، قيوداً صارمة حالت دون امتلاكه قدرات دفاعية تتناسب مع حجم التهديدات المحيطة به.

قيود التسليح وإضعاف القدرة الدفاعية

فمنذ الحظر الأممي على التسلح الذي فُرض عقب حرب 1991، مروراً بمرحلة ما بعد 2003، حين أُخضعت كل صفقة سلاح عراقية لموافقات ومراجعات أمريكية معقدة، وصولاً إلى التأخير المتكرر في تسليم مقاتلات «إف-16» والمعدات المتقدمة، حتى في ذروة الحرب على تنظيم داعش، ظل الجيش العراقي يقاتل بترسانة منقوصة، بينما وجدت الفصائل طرقاً بديلة للتسلح والتمويل.

هذا الفراغ في القدرة الدفاعية الرسمية للدولة هو أحد الأسباب التي دفعت شرائح واسعة من العراقيين إلى النظر إلى الحشد الشعبي، منذ تأسيسه عام 2014، كضمانة أمنية موازية، حين تراجعت قدرة الجيش النظامي عن حماية البلاد.

لا يمكن نزع السلاح قبل بناء القدرة على حمايته

اليوم، حين تطالب واشنطن وحلفاؤها بحصر السلاح بيد الدولة، يحق للعراقيين أن يسألوا: كيف تُبنى دولة قوية قادرة على احتكار السلاح شرعياً، بينما تُقيَّد قدرتها على امتلاك هذا السلاح أصلاً؟

إن المطالبة بنزع سلاح الفصائل دون معالجة هذا الخلل البنيوي، أشبه بمطالبة إنسان أعزل بالتخلي عن عصاه في مواجهة من يملك سلاحاً كاملاً.

التدخل الخارجي في القرار العراقي

ولا يقف الأمر عند حدود التقييد العسكري، بل يمتد إلى وصاية سياسية مكشوفة تمارسها دول خليجية، وفي مقدمتها السعودية، على الشأن العراقي الداخلي. فبتصريحات متكررة لمسؤوليها، وعبر منابر إعلامية موجّهة تتدخل في أدق تفاصيل السياسة العراقية، من تشكيل الحكومات إلى ملف الفصائل المسلحة، تتصرف هذه الدول وكأنها سلطة فوق السلطة العراقية، تملي على بغداد خياراتها الداخلية، بدلاً من التعامل معها كدولة كاملة السيادة.

وهذا النمط من التدخل يستحق الاستهجان بقدر ما تستحقه أي وصاية خارجية أخرى، ولا يجوز تبريره بذريعة الحرص على استقرار العراق.

ازدواجية المعايير في التعامل مع السلاح

ثم إن المفارقة أعقد من ذلك؛ فالدول ذاتها التي تتحجج بمبدأ «حصر السلاح بيد الدولة» لمطالبة بغداد بنزع سلاح الحشد، وهو جهة رسمية تابعة للدولة العراقية، هي من دعمت وموّلت وسلّحت جماعات مسلحة خارج سلطة الدولة في أكثر من بلد عربي، وساهم بعضها في إسقاط حكومات شرعية أو تفكيك الدولة نفسها.

ففي سوريا، موّلت قطر والسعودية فصائل معارضة مسلحة مثل «أحرار الشام» و«جيش الإسلام»، بينما دعمت واشنطن «قسد» بالمال والسلاح. وفي ليبيا، سلّحت الإمارات قوات حفتر بالطائرات المسيّرة في مواجهة الحكومة المعترف بها دولياً. وفي السودان، وثّقت تقارير أممية دعم الإمارات لـ«قوات الدعم السريع» التي أشعلت حرباً دمّرت الدولة السودانية.

وفي اليمن، انقسم الدعم الخليجي بين أطراف متعددة، من «المجلس الانتقالي» إلى فصائل أخرى، بما عمّق تفكك السلطة المركزية.

فكيف تكون حصرية السلاح مبدأً مقدساً حين يتعلق الأمر بالعراق، بينما تتحول هذه الدول نفسها إلى راعية لفوضى السلاح خارج الدولة في بلدان أخرى؟

تمكين الدولة قبل مطالبتها بنزع السلاح

إن أي حوار جاد حول مستقبل السلاح في العراق لن يكون منصفاً ما لم يبدأ بالاعتراف بهذه المفارقة، وبالعمل على تمكين الدولة العراقية فعلياً من أن تكون هي الجهة الوحيدة القادرة على حماية مواطنيها، قبل أن يُطلب من غيرها التخلي عن هذا الدور.

انتهى/

تعليقك
captcha
الأكثر مشاهدة
احدث الاخبار