تصميم قواعد جدیدة للسيطرة علی الخليج الفارسي
وکالة الدفاع المقدس للأنباء: لسنوات، استند جزء مهم من أدبيات الأمن البحري في الخليج الفارسي إلى فرضية مفادها أن القوة في البحر تُعرَّف أساساً من خلال السفن الحربية والحضور العسكري والقدرة على استخدام القوة. لكن التطورات الأخيرة تُظهر أن مفهوم ممارسة القوة في الممرات المائية الاستراتيجية يتجاوز بكثير الحضور العسكري. وإنذار الهيئة المسؤولة عن إدارة الممر المائي في الخليج الفارسي الأخير للسفن المخالفة والمجموعات الخدمية المرتبطة بها، نموذج واضح على هذا التحول في المقاربة.

PGSA، من خلال تحديث قائمة السفن المخالفة والإنذار لشركات التأمين ونوادي P&I ومؤسسات التصنيف، أرسلت عملياً رسالة واضحة: نشاط أي سفينة في الممر المائي في الخليج الفارسي لا يمكن أن يستمر دون الالتفات إلى القواعد والاعتبارات التي تحددها آليات إدارة هذا الممر المائي.
تكمن أهمية هذا الإجراء تحديداً في هذه النقطة. إيران لا تقول فقط "هذه السفينة مخالفة"؛ بل تسعى إلى تحويل هذه المخالفة إلى كلفة حقيقية على السفينة والشبكة الداعمة لها. عندما يخضع المؤمِّن ومؤسسة التصنيف والنادي المسؤول عن سفينة ما للإنذار، فإن نطاق التأثير يتجاوز السفينة نفسها ويصل إلى سلسلة من الخدمات التي تجعل نشاطها الطبيعي ممكناً.
وهذا يعني ممارسة القوة دون أن تكون هناك بالضرورة حاجة إلى إطلاق رصاصة واحدة أو احتجاز سفينة.
تسعى إيران في مثل هذه المقاربة إلى تحويل موقعها الجغرافي والجيوسياسي في الخليج الفارسي إلى رافعة عملياتية. الخليج الفارسي ليس مجرد مسطح مائي؛ بل أحد أهم مسارات الطاقة والتجارة في العالم، وأي إجراء يؤثر على الكلفة والأمن وإمكانية نشاط السفن في هذه المنطقة، يمكن أن تكون له تداعيات تتجاوز ملفاً بحرياً واحداً.
ومن هذا المنطلق، ينبغي النظر إلى الإنذار الأخير في إطار مفهوم "قوة التنظيم" أيضاً. فالقوة لا تعني فقط القدرة على المنع المادي لحركة سفينة؛ أحياناً تكون القوة الحقيقية حيث يستطيع فاعل ما أن يحدد شروط نشاط الآخرين، وأن يخلق كلفة للمخالفة، وأن يُلزم الفاعلين التجاريين بتكييف سلوكهم مع القواعد المعلنة.
وهذه المسألة ذات أهمية خاصة لإيران؛ بلد واجه في السنوات الماضية مراراً محاولات قوى خارجية لفرض ضغط وحظر في مجالات الشحن والتأمين والتجارة البحرية. والآن تبعث طهران برسالة مفادها أن الأدوات الاقتصادية والخدمية البحرية ليست حصراً في يد الطرف المقابل، وأن إيران أيضاً يمكنها استخدام قدراتها الجيوسياسية وموقعها للتأثير على سلوك الفاعلين البحريين.
بطبيعة الحال، لا ينبغي المبالغة في النطاق العملي لهذا الإجراء. فمجرد إصدار إنذار لا يعني أن جميع السفن المشار إليها ستتوقف فوراً عن النشاط في المنطقة أو أن جميع الشركات الدولية ستمتنع حتماً عن تقديم الخدمات لها. إن مدى تأثير مثل هذه السياسة يعتمد على مدى مرافقة الفاعلين البحريين وقدرة الآلية المعنية على تنفيذ قراراتها.
لكن من المنظور الاستراتيجي، الرسالة التي يحملها الإجراء مهمة. إيران تسعى إلى تغيير حسابات الطرف المقابل؛ أي بدلاً من أن تكتفي بالتفاعل مع المخالفة، تعلن مسبقاً أن السلوك المخالف يمكن أن تكون له تبعات اقتصادية وتأمينية وعملياتية.
في الواقع، ما يهم هنا ليس "قائمة السفن" نفسها؛ الأهمية الأساسية تكمن في أن إيران تريد أن تُظهر أن الخليج الفارسي ليس بيئة بلا قاعدة وبلا صاحب يمكن لأي فاعل أن يتصرف فيها وفق مصالحه. طهران، بالاعتماد على موقعها الجغرافي وقدرتها البحرية وقدراتها الإدارية والرقابية، تسعى إلى حصة أكبر في تحديد القواعد السلوكية لهذا الممر المائي.
يمكن اعتبار هذه المقاربة جزءاً من تحول أكبر في نمط ممارسة القوة من جانب إيران؛ نمط لا يقتصر فيه الرد على الضغط والمخالفة بالضرورة على رد فعل عسكري مباشر، بل تدخل فيه أيضاً الأدوات القانونية والاقتصادية والبحرية والتأمينية والتجارية إلى الميدان.
رسالة طهران في مثل هذه الظروف واضحة: رغم أن إيران لا تسعى بالضرورة إلى مواجهة مباشرة لممارسة القوة في الخليج الفارسي، فإن هذا لا يعني الانفعال أيضاً. تريد إيران أن تُظهر أنها قادرة على تعريف كلفة لسلوك الفاعلين في هذا الممر المائي، وأن يكون لها دور فعال في تشكيل القواعد الحاكمة على البيئة البحرية المحيطة بها؛ وربما أهم جزء في الأمر هو هذا؛ فالقوة يكون تأثيرها أكبر عندما يعلم الطرف المقابل أن تجاهل القواعد ستكون له كلفة.
انتهی/
