تأمینیة الشیعة فی الخلیج وتحول التنافس الجیوسیاسی إلى مواجهة هویة
وكالة الدفاع المقدس للأنباء - الشيخ محمد هادي ملكي؛ المحلل السياسي وخبير القضايا الدولية: یُرى أن التنافس بین بعض النظم العربیة والجمهوریة الإسلامیة فی إیران لم یعد محصوراً فی مستوى الخلافات الجیوسیطیة وموازین القوى، بل امتد إلى مجال الهویات المذهبیة والاجتماعیة. فإذا کان محور النزاع سابقاً هو النفوذ الإقلیمی لإیران وتوازن القوى، فإن جزءاً من هذه المواجهة یتجدّد الیوم فی شکل نظرة أمنیة تجاه المجتمعات الشیعیة فی المنطقة.

تجاوز التنافس الجیوسیاسی إلى المواجهة الهویة
فی الإمارات والبحرین والکویت إلى حد ما، زادت الحساسیات الأمنیة تجاه الشیعة. إن ترحیل بعض المواطنین والمقیمین الشیعة، وتقیید المؤسسات الدینیة، والضغط على الناشطین الدینیین والسیاسیین، وتوجیه تهم تتعلق بالارتباط بإیران، کلها مؤشرات على مسار "تأمین الهویة" فی المنطقة، وهو مسار تتراجع فیه الحدود بین المواطنة والشبهات الأمنیة.
تعتبر بعض النظم العربیة فی الخلیج، فی إطار التنافس الإقلیمی مع طهران، أیَّ ارتباط دینی أو عاطفی بإیران بمثابة تهدید محتمل. وقد أدى ذلک إلى انتقال النظرة الأمنیة تجاه الشیعة من حقل السیاسة الخارجیة إلى مجال الإدارة الداخلیة للمجتمعات.
البحرین: المرکز الأساسی للفجوة الهویة
یمکن اعتبار البحرین أبرز نموذج لهذه المعادلة. فالفجوة التاریخیة بین الأکثریة الشیعة والبنى السیاسیة الحاکمة، دخلت بعد أحداث 2011 فی مرحلة أکثر تعقیداً. أدى سحب الجنسیات، وتقیید المؤسسات الدینیة، والمداهمات الأمنیة الواسعة، إلى شعور جزء من المجتمع الشیعی بأنه ینظر إلیه لا کمواطن متساوی، بل کقضیة أمنیة دائمة.
على المدى البعید، سیؤدی هذا الوضع إلى تآکل الثقة الوطنیة. فعندما یشعر جزء من المجتمع أن هویته المذهبیة تضععه تحت شبهات دائمة، تتعمق الفجوة بین الدولة والمجتمع.
دور أمیرکا والکیان الصهیونی فی إعادة هیکلة أمن الخلیج
إلى جانب هذه التطورات، یدرج تقارب بعض النظم العربیة مع أمیرکا والکیان الصهیونی فی إطار استراتیجیة احتواء إیران. إن مسار التطبیع مع تل أبیب، والتعاون الأمنی والاستخباری، ومحاولة تشکیل تحالفات إقلیمیة جدیدة، کلها تندرج فی سیاق إعادة تعریف النظام الأمنی للخلیج.
فی هذا الإطار، لا تقدم إیران کمنافس إقلیمی فقط، بل کالتهدید الأمنی الأهم فی المنطقة، مما جعل أیَّ تضامن أو ارتباط دینی بها یفسّر أیضاً فی بعض الأحیان ضمن هذه النظرة الأمنیة.
مفارقة الأمن فی الخلیج
مع ذلک، أظهرت تجربة السنوات الماضیة أن تأمین الهویة المذهبیة لا یؤدی بالضرورة إلى استقرار دائم، بل قد یعمق الفجوات الاجتماعیة. وکلما زاد الضغط على الهویات المذهبیة، تعزز التوجه نحو الهویات عبر الوطنیة، وهذه هی مفارقة الأمن فی الخلیج.
فالدول التی تلجأ إلى سیاسات أمنیة صارمة لاحتواء النفوذ الإقلیمی الإیرانی، قد تؤدی هذه السیاسات نفسها، بطریقة معکوسة، إلى تقویة الشعور بالتضامن عبر الوطنی لدى أوساط من المجتمعات الشیعیة.
العراق وأزمة بناء الدولة
فی العراق أیضاً، یرى بعض التیارات السیاسیة أن أزمة الخدمات العامة المزمنة، والفساد الهیکلی، وضعف المؤسسات الحاکمة، ناتجة عن استمرار النفوذ الخارجی والتبعیة الأمنیة. إن استمرار أزمة الکهرباء والبطالة والعجز الإداری، جعل خطاب الاستقلال والسیادة والمقاومة لا یزال جاذباً لدى جزء من الرأی العام.
من هذا المنطلق، لا ینحصر الأمر فی التنافس بین إیران وأمیرکا، بل یتأصل فی أزمة عمیقة لبناء الدولة فی المنطقة، وهی أزمة جعلت قسماً کبیراً من المجتمعات العربیة تفقد الثقة فی النظام السیاسی القائم.
مستقبل غامض للنظام الأمنی فی المنطقة
یعیش الخلیج الیوم أزمة ثقة: فمن جهة، تخشى النظم من النفوذ الخارجی، ومن جهة أخرى، یشعر بعض أفراد المجتمعات بعدم الثقة فی النهج الأمنی الحاکم. واستمرار هذا المسار قد یدخل المنطقة فی مرحلة استنزافیة تتحول فیها الفجوات المذهبیة أکثر من ذی قبل إلى أداة للتنافسات الجیوسیاسیة.
لن یتحقق الأمن المستدام فی المنطقة إلا عندما تستطیع النظم إیجاد توازن بین الاعتبارات الأمنیة وحقوق المواطنة. إن تحویل الهویة المذهبیة إلى ملف أمنی، قد یُعتبر أداة للسیطرة على المدى القصیر، ولکنه على المدى البعید قد یؤدی إلى إضعاف التماسک الوطنی وتصاعد عدم الاستقرار.
انتهى/
