إعادة بناء تنظيم حماس بفوز خليل الحية في منافسة خالد مشعل
وكالة الدفاع المقدس للأنباء - إلناز رحمت نجاد: دخلت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) مرحلة جديدة من القيادة بانتخاب خليل الحية رئيساً لمكتبها السياسي، وذلك بعد إجراء الجولة الثانية من الانتخابات الداخلية، إثر استشهاد يحيى السنوار، لتضع بذلك حداً لأحد أكثر التنافسات الداخلية حساسية في التنظيم.

ويُعد الحية، الذي يعتبر من الكوادر المخضرمة وذات التأثير البارز في الحركة، وقد لعب في السنوات الأخيرة دوراً محورياً في الملفات السياسية ومفاوضات وقف إطلاق النار. ويتسلم الحية اليوم قيادة حماس في ظل تحديات كبرى على صعيد الحرب والدبلوماسية والتهديدات الأمنية، كما أن مسيرته الشخصية شهدت أحداثاً عصيبة كاستشهاد أبنائه، مما أكسبه مكانة خاصة لدى الفلسطينيين.
وفي هذا السياق، أجرى مراسل مجموعة "دفاع برس" الدولية حواراً مع "ناصر أبو شريف" ممثل حركة الجهاد الإسلامي الفلسطيني في إيران، وفيما يلي نصه:
قال أبو شريف في مستهل حديثه: إن انتخاب خليل الحية ليس مجرد تغيير شكلي على رأس هرم حماس، لكن لا يمكن تفسيره أيضاً بكونه تحولاً استراتيجياً جذرياً. إن أقرب تعبير للواقع هو أن هذا الانتخاب يمثل إعادة توزيع في إطار الاستمرارية، لأن الحية فاز في الجولة الثانية بفارق ضئيل (35 صوتاً مقابل 34 لمنافسه خالد مشعل)، مما يشير إلى وجود خلاف داخلي جدي بشأن أولويات المرحلة الحالية.
وأضاف أبو شريف: يمثل الحية خط الداخل في غزة، بينما يمثل مشعل خط القيادة الخارجية خارج فلسطين. وهذا الاختيار يُرجح ترجيح كفة غزة واستمرار النهج السابق، مع إيلاء أهمية متزايدة للخبرة التفاوضية في إدارة الأزمات. لذلك، ينبغي النظر إلى هذا الانتخاب على أنه إعادة ضبط للأدوات، لا تغيير في الأهداف.
قدرة حماس على ترميم هيكل اتخاذ القرار
وقال ممثل حركة الجهاد الإسلامي في إيران، إن انتخاب الحية يُظهر أن حماس ما زالت قادرة على إعادة البناء رغم الضربات القاسية، مضيفاً: إن إجراء انتخابات داخلية في خضم حرب مدمرة وعمليات اغتيال موجّهة طاولت الصفين الأول والثاني في القيادة، ثم الإعلان عن النتيجة في غضون أيام، يكشف عن استمرار حد أدنى من البنية المؤسسية في حماس، مما يتيح لها إعادة إنتاج القيادة. وهذا لا يعني بالطبع خروجاً أقوى من الحرب، لكنه يشير إلى أن حماس لم تصل إلى نقطة الانهيار التي تعجز معها عن اتخاذ قرار مركزي بشأن القيادة. فانتخاب الحية، الذي كان نائباً للسنوار ثم رئيساً لحماس في غزة بعد استشهاده، يدل على قدرة التنظيم على ترميم هيكل القيادة رغم الخسائر الفادحة.
وبحسب قوله، كان هنية قيادة كاريزماتية في الخارج، بينما كان السنوار قيادة ميدانية وصلبة أمضى سنوات في السجون الإسرائيلية وجسّد المقاومة العسكرية. أما الحية فهو نموذج المدير السياسي أكثر منه قائد كاريزماتي، فهو مزيج من الجذور التنظيمية في غزة (من حي الشجاعية وعضو في حماس منذ تأسيسها) والخبرة التفاوضية الواسعة كرئيس لوفد المفاوضات في ملفات وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى.
وأضاف أبو شريف: الحية من جهة مفاوض ماهر يفهم لغة الوسطاء وقادر على إدارة الملفات الدولية، مما يجعله أكثر كفاءة في إدارة التفاعلات على طاولة المفاوضات. ومن جهة أخرى، لم ينفصل عن المرجعية العقائدية والتنظيمية لحماس، وهو قريب من إيران ومتمسك بمبادئ المقاومة. وهذا المزيج من المرونة التكتيكية والصلابة المبدئية قد يجعله خصماً أكثر تعقيداً لإسرائيل، لأنه بارع على طاولة المفاوضات وفي الميدان في آن معاً، دون أن يتراجع في أي من المجالين.
فرصة لتقليص الفجوة مع فتح والسلطة الفلسطينية
وذكر ممثل الجهاد الإسلامي في إيران أن وسائل الإعلام الإسرائيلية اعتبرت انتخاب الحية ترجيحاً لكفة غزة واستمرارية الارتباط بإيران، مما قد يدفع تل أبيب إلى مزيد من الضغوط العسكرية لاختبار قدرة القيادة الجديدة على تحمل الضغط. في المقابل، كان الحية رئيساً لوفد حماس المفاوض وأعلن أن الأولوية القصوى هي وقف الحرب، مما قد يشجع إسرائيل على دراسة إمكانية التوصل إلى اتفاق مع شخصية تعرف كيفية إدارة المفاوضات. ومن المرجح أن تسعى إسرائيل إلى كلا المسارين: الضغط العسكري المستمر لتحسين موقعها التفاوضي، مع انفتاح حذر تجاه صفقات جادة، خاصة في ملف الأسرى الذي يشكل خطاً أحمر لحماس.
ووفقاً لأبو شريف، قد يشكل انتخاب الحية فرصة لتقليص الفجوة مع حركة فتح والسلطة الفلسطينية، وليس توسيعها، لأن الحية أبدى منذ فترة المفاوضات انفتاحاً تجاه الحوار الوطني. إذ ترأس وفد حماس في اجتماعات مشتركة مع وفد فتح برئاسة حسين الشيخ، ودعا في أول خطاب له إلى "فتح صفحة جديدة مع جميع التيارات" وتحقيق الوحدة الوطنية.
وحول تأثير انتخاب الحية على موقع محمود عباس، قال أبو شريف: من جهة، قد يؤدي ظهور شخصية جديدة وذات تأثير في غزة إلى إضعاف الهيمنة الرمزية للسلطة الفلسطينية على الساحة الفلسطينية. ومن جهة أخرى، إذا تمكن الحية من فتح قنوات حوار جادة مع رام الله، فقد يمنح ذلك عباس فرصة للعب دور وطني في الترتيبات ما بعد الحرب، مما يعزز موقعه كإطار جامع، لا يضعفه. والتحدي الأكبر هو ما إذا كانت حماس مستعدة لقبول صيغة وطنية لا تعني عملياً تجريدها من نفوذها.
علاقة الحية بإيران
وأكد ممثل الجهاد الإسلامي في إيران أن انتخاب الحية يمكن تقييمه من المنظور الإيراني بنظرة متفائلة لكن حذرة، مشيراً إلى أن بعض التحليلات تصفه بالقرب من إيران على رأس هرم حماس، وقد أكد في زياراته إلى طهران على استمرار خط المقاومة. كما أن وسائل الإعلام الإسرائيلية اعتبرت هذا الانتخاب ترجيحاً لكفة الارتباط بإيران، مما يشير إلى أن طهران قد ترى فيه استمرارية للخط الاستراتيجي الرابط بين حماس ومحور المقاومة.
لكن الحية، وفقاً لأبو شريف، ليس مرتبطاً بمحور واحد، فهو مقيم في الدوحة ويقدّر وساطة قطر ومصر وتركيا أيضاً، مما قد يظهره أكثر توازناً في علاقاته الإقليمية. لذلك، فإن المصالح الإيرانية في بقاء حماس كلاعب مؤثر في المعادلة الفلسطينية مستمرة، لكن مع إدراك أن الحية يحتاج إلى استقلالية نسبية في اتخاذ القرار ليتمكن من المناورة بين الفاعلين المختلفين.
وأشار إلى أن تركيا وقطر تلعبان دوراً محورياً في معادلة الحية، حيث أن الدوحة هي مقر إقامته الرئيسي، وقد نجا هناك من محاولة اغتيال إسرائيلية في عام 2025. كما أن قطر تقوم بدور الوسيط الرئيسي في مفاوضات وقف إطلاق النار إلى جانب مصر، وقد أعرب الحية صراحة عن تقديره لدور الوسطاء من قطر وتركيا.
تقييم القاهرة لانتخاب الحية
وأضاف: توفر تركيا غطاءً سياسياً ودبلوماسياً مهماً، وقد أثنى الحية على جهودها الوساطية. إن موقع هذين البلدين يتجاوز مجرد الوساطة، إذ يوفّران لحماس مناخاً سياسياً ومساحة للتحرك الدبلوماسي. وفي ظل تضييق الخيارات الميدانية، فإن بقاء الحية في الدوحة يمثل اعترافاً ضمنياً بأن حماس بحاجة إلى بيئة داعمة خارج فلسطين لإدارة ملفاتها السياسية والتفاوضية بعيداً عن خط المواجهة.
وقال أبو شريف إن مصر، التي تربطها علاقة معقدة مع حماس، قد ترى في انتخاب الحية فرصة للانفتاح وليس سبباً للقلق، فهو شخصية غير مواجهة، وقد ترأس وفد حماس في عدة جولات مفاوضات في القاهرة، وأشاد بالوساطة المصرية، مما يجعله شخصية مقبولة لدى الأوساط المصرية. كما أن إعلان حماس استعدادها لتسليم إدارة غزة للجنة وطنية يقلل من مخاوف مصر بشأن سيطرة حماس الكاملة على المعابر والحدود.
لكنه أضاف أن مصر لا تزال متحفظة، لأنها تنظر إلى غزة من زاوية أمنها القومي في سيناء، وتسعى إلى ترتيبات تمنع زعزعة الاستقرار الأمني طويل الأمد. وقد يقدم انتخاب الحية، الذي يملك وزناً ميدانياً في غزة، لمصر شريكاً أكثر تفاهماً في ملفات التهدئة والحدود، مما يوسع مساحة المناورة الدبلوماسية للقاهرة ويعزز دورها كوسيط أكثر فعالية، شريطة أن تلتزم حماس بالتزاماتها الأمنية.
إعادة تعريف دور حماس في غزة
وفي معرض حديثه عن مستقبل حماس بعد انتخاب الحية، قال ممثل الجهاد الإسلامي في إيران إن المستقبل يتجه نحو نموذج تلفيقي لا يمكن حصره في أحد الخيارين. فقد أكد الحية أن حماس ستواصل على النهج نفسه الذي رسمه قادتها المؤسسون، وأن السلاح خط أحمر، مما يعني استمرار المقاومة المسلحة كمبدأ استراتيجي. لكنه في الوقت نفسه طرح وقف الحرب وإعادة الإعمار كأولوية فورية، مما يشير إلى أن الأولوية التكتيكية اليوم هي للعمل السياسي والإنساني.
وأضاف: في سيناريو ما بعد الحرب، أعلن الحية استعداد حماس لتسليم إدارة غزة لأي هيئة وطنية فلسطينية مهنية تحظى بتوافق، وهذا لا يعني التخلي عن النفوذ، بل إعادة تعريف دور حماس من قوة حاكمة تتحمل العبء الكامل للإدارة المدنية، إلى قوة سياسية وعسكرية فاعلة تشارك في الترتيبات ما بعد الحرب، دون أن تورط نفسها في مأزق الإدارة المدنية والأزمة الإنسانية. والنجاح في هذه المعادلة الدقيقة سيكون الاختبار الحقيقي لقيادة الحية.
انتهى/
